الصُبحِيّة الهَنِيّة مع القهوة “اللبنانية”

هنري زغيب*

أَبدأُ كلاميَ اليوم بالشُكْر والتهنئة: الشكْرُ للنقيب طوني الرامي على إِطلاقه بيانَ نقابته، هو الـمُطَوِّرُها بحزمٍ وجدارةٍ منذ تولَّى رئاستَها، والتهنئةُ لـ”نقابة أَصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري في لبنان” على دعوتها أَصحابَ المؤَسسات السياحية والمطاعم والمقاهي إِلى إِلغاء عبارة “القهوة التركية”، واعتمادِ تسمية “القهوة اللبنانية” على لوائح الطعام والشراب، وفي المواد الترويجية والإِعلانية، وعند التخاطب اليومي مع الزبائن. وفي تبرير هذا البيان أَنَّ “القهوة عندنا تُحضَّر وَفْقَ أُسلوبٍ خاصٍّ مغاير، يُلَبْنِنُها فيَجعلُها جُزءًا من التراث اللبناني اليوميّ. وبهذه التسمية يَتَعَزَّز التميُّز اللبناني في قطاع الضيافة، وتَبرُزُ خصوصيةُ لبنان الثقافية والسياحية، خطوةً ضروريةً تعبِّر عن الاعتزاز بالهوية الوطنية والتراث اللبناني”.

بلى: شكرًا وتهنئةً على بادرةٍ تَليقُ بصَوْن الهوية اللبنانية، والقطاعُ المطعمي واجهةُ لبنان السياحية. المسأَلةُ كلُّها تُختَصَر بظاهرة لسانية واحدة: دقَّةُ التعبير تدلُّ على صوابية العقل. وفقدان هذه الدقَّة يدلُّ على كسَل العقل وضلاله المقصود أَو المعهود.

واستطرادًا في موضوع الهوية والتراث: تَنسحبُ التسمية على قطاع الخبْز. ففي مطاعمَ عدةٍ أَرتادُها، يأْتي النادل يسأَلنا إِن نحن نفضِّل الخبز الأَجنبي أَو العربي. وكلتا التسميَتَيْن خاطئة. فالخبزُ الأَجنبيُّ لا هُويةَ له إِن لم يرتبط بالبلد الأَجنبي تحديدًا وتسميةً، لأَنَّ لكلِّ بلدٍ عمومًا خصوصيَّتَه في خُبزه. والخبْزُ العربي ضائعُ الهوية إِن لم يرتبط ببلدِهِ العربي الذي، إِجمالًا، له خصوصيةٌ في خَبْزه. وتاليًا، على النادل، إِن لم يكن يعرف بلدَ الخُبْز الأَجنبي الذي يعرضُه، فَلْيَعرِفْ على الأَقل أَنْ يُحدِّدَ “الخبْز اللبناني” في سؤَاله، لأَننا نعتز بأَكياس الخبر الْـعليها عبارة “صُنِع في لبنان”، ونعتزُّ بأَفران لبنانية ممتازة طارت شهرتُها بأَسمائها في جميع أَقطار العالم، حتى بات أَبناءُ تلك البلدان الأَجنبية هناك يسأَلون النادل عن “الخبز اللبناني”.

مرةً أُخرى أُكرر: دقَّةُ التعبير تدلُّ على صوابية العقل. وفقدانُ هذه الدقة يدلُّ على كسَل العقل وضلاله مقصودًا أَو معهودًا.

فكما القهوةُ الإِيطالية تحمل في كلّ العالم تسميةَ “إِكسبرسُّو” والهويةَ الإِيطالية، وكما الخبزُ الفْرنسي يحمل تسمية “باغيت” والهويةَ الفرنسية، وكما “السوشي” طبقٌ يابانيٌّ يحمل الهويةَ اليابانية، وكما الـ”هوت دوغ” يحمل التسمية الأَميركية وهويتَها، هكذا قهوتُنا، بطريقة تحضيرها وتقديمها وبعض مكوِّناتها، فَلْتَحمِلْ تسمية “القهوة اللبنانية”، ولْنَنْزَع عنها العَثْمَنة. يكفينا ما ورثْنا من تسميات عثمانية بين “فخامتْلُو” و”دولتْلُو”، وهي ما زالت تتناسل عندنا حتى اليوم: “فخامة الرئيس” و”دولة الرئيس”، ويكفينا ما ورثْنا من عادات عثمانية ما زالت متناسلةً عندنا حتى اليوم بين سُموم الأَركيلة في الأَفواه، وطَقْطَقة المسابح بين الأَصابع، وسواها من تسميات وعادات آخَرينية لا علاقةَ لتراثنا بها، يتوارثُها بعض شعبنا جهْلًا بها أَو اعتيادًا عليها.

نعم… كفانا من كلِّ ذلك. ولْنَلْتَفِت إِلى تراثنا اللبناني وما أَغناه، وإِلى هويتنا اللبنانية وما أَغلاها.

لا أَقول هذا عن تعَصُّبٍ انعزاليٍّ ولا عن شوفينيةٍ عمياء. لكنَّ شعبًا يتوارث عاداتِ الآخرين وتقاليدَهم ومفرداتِهم، لا يستحقُّ وطنًا يضمُّه ويَحميه.

لذا، فَلْنُؤْمنْ وَنَعِ ونعملْ على حفْظ تراثنا وهُويتِنا ومفرداتنا، حتى نستاهل وطنَنا… ونستحقَّ لبنان.

  • هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير مركز التراث في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى