“مُبارَكٌ الآتي باسمِ الرَبّ”
الدكتور فيليب سالم*
ها نَحنُ هنا ننتَظِرُكَ. مسيحيين ومسلمين ننتَظِرُكَ. وها هي الملائكة تُهَلِّلُ وتُرَدِّدُ “مُبارَكٌ الآتي باسمِ الرَبّ”. وتستقبلك الأرضُ وتقول لكَ إنَّ أباك وُلِدَ في مكانٍ لا يَبعُدُ كثيرًا من هنا، وإنَّ قدمَيه وَطِئتا تُرابنا. أتَذكُرُ كيفَ حَوَّلَ الماءَ إلى خمر؟ كانت تلك أعجوبته الأولى، في قانا، الجنوب. ها أنت اليوم في لبنان. بلد القدّيسين. وكم أعلنتم من مدينتكم قديسين عاشوا في هذه الجبال. ألا تشمّ رائحة البخور المُتصاعدة من كلِّ مكان، وتسمعُ أصوات أجراس الكنائس التي يتردّدُ صداها في الأودية والتلال؟ إياكَ أن تُغادِرَ قبلَ أن تطلَّ على وادي قنّوبين. في قعر هذا الوادي عاشت المسيحية مئات السنين. عاشت لتبقى رسالة المسيح. وهذا هو بلد الرسالة. كنيستك منحته هذا الشرف. وحده لبنان في هذا الشرق يحملُ هذه الرسالة. هنا في هذه البقعة الصغيرة من الأرض تُعانِقُ المسيحية الإسلام. في هذا الشرق وحده تُعانِقُ حضارةُ الغرب حضارةَ الشرق. في هذه البقعة الصغيرة من الأرض تعيش حضارات العالم كلها. فهذه بيروت تحتضنُ الجامعة الأميركية، كما تحتضن جامعة القديس يوسف اليسوعية، والجامعة العربية، والجامعة اللبنانية. فالرسالة لا تنحصر بالتعدُّدية الدينية والحوار بين الأديان والطوائف، بل تتجاوزها إلى التعدُّدية الحضارية والحوار بين الحضارات. خمسون سنة من الحروب لم تتمكّن من قتل الرسالة.
لا نخالك أيها الراعي الصالح تجهلُ أنَّ القضية اللبنانية لا تنحصر بحدود هذا الوطن الصغير، بل تذهب إلى ما هو أبعد بكثير. إنها تطالُ مسألةَ الحرّية في الشرق، وماهية الإنسان الذي يعيش فيه. فالحرية هي البوّابة إلى الحضارة. دونها لا تكون الحضارة. وأنت تعرف جيدًا أنَّ الحرية في لبنان مُهَدَّدة بالاغتيال، وذلك بسبب حضارةٍ غريبة عنا. حضارةٌ ضد حضارتنا. حضارةٌ لا تُؤمِنُ بالحرية ولا بالتعددية الحضارية والدينية. كُن مُتأكِّدًا، إن ماتت الحرية في لبنان فسيسدل الستار على الحرية في الشرق العربي كله.
أيها الآتي باسمِ الرب، إمسَح الدموعَ عن وجوه أهلنا، وقُلّ لهم إنَّ لبنان باقٍ، لبنان لن يموت. نخالك جئت لدعم الوجود المسيحي الفاعل في الشرق. وكيف نَجرُؤ أن نُحدِّثكَ في ذلك وأنتَ رأس الكنيسة في العالم، وتعرف كيف تتلاشى المسيحية يومًا بعد يوم في أرضٍ هي أرض المسيح؟ إنَّ المسيحية تُهاجِرُ من هنا. تُهاجِرُ إلى الغرب. إلى الحرية. وأرجو أن تَسمحَ لنا يا أبا الكنيسة بأن نَبوحَ بما نخافه، وهو أنَّ انهيارَ لبنان لا يُشَكِّلُ مأساةً كبرى لبلدنا فحسب، بل يُشَكّلُ أيضًا انهيارًا للمسيحية في الشرق كله. فجميع المسيحيين في الشرق يعتبرون لبنان بلدهم الثاني، ويعتقدون أنَّ وجوده ضمانٌ لوجودهم. لذا ننحني أمامك ونطلبُ منك إحياءَ الدور وتفعيل الحضور المسيحي في لبنان. ويكونُ ذلك بدَعمِ لبنان الوطن. لبنان الرسالة. وكم نودّ أن تقولَ للمسيحيين عندما تجتمع برؤساء طوائفهم إن خيارهم الوحيد القابل للحياة هو أن يعملوا مع إخوانهم المسلمين على بناءِ ميثاقٍ جديد. وإنَّ قوّتهم تكون في انصهارهم مع المسلمين انصهارًا حقيقيًا لا رياءَ فيه. نحنُ لا نُريدُ “تكاذُبًا” جديدًا بين المسيحيين والمسلمين، ولا “تعايُشًا” يُثبّتُ الفِرقة بينهما. نُريدُ انصهارًا مسيحيًّا إسلاميًّا في المواطنة. هذه المواطنة التي يجب أن تكونَ دِينَ لبنان الجديد.
ونرجو أن تطلُبَ من جميع اللبنانيين الارتقاء إلى التوبة. التوبة عن جميع الأخطاء والخطايا التي ارتكبوها وأدّت إلى تدمير بلدهم. مسيحيون ومسلمون، شاركوا في جريمة اغتيال لبنان. خطايا كثيرة لكن أهمّها عدم الولاء للبنان الوطن. وعندما تزور مرفأ بيروت ماذا ستقول للموتى والمُصابين؟ وماذا ستقول لأهل السياسة الذين ستُصافحهم؟ أستسأل عن العدالة المُغَيّبة والقضاء المُجَمَّد؟ نرجو أن تُذكّرهم بأنّ هذه المدينة هي بيروت. بيروت التي كانت “أم الشرائع”.
كان في ودّي أن تزورَ الجنوب. قرى مُتناثرة هنا وهناك، على الجبال والهضاب، وبيوتٌ من حجرٍ مُتوّجة بقرميدٍ أحمر. هذه القرى دُمِّرَت وقُتِلَ الكثيرُ من أهلها، ومَن بقي حيًّا هُجِّرَ وعرفَ الذُلّ. لم تكن هذه المأساة التاريخية مسؤولية إسرائيل وحدها، بل كانت أيضا مسؤولية هؤلاء الذين خطفوا الدولة في لبنان واتخذوا القرارات الخاطئة. هؤلاء الذين فرضوا على لبنان حربًا لم يختَرْها. ُقلّ لهم إن صافحتَ أحدًا منهم بتواضُعِ المسيح ومحبّته، إنهم أخطَؤوا بحقِّ وطنهم وإنَّ الوقتَ قد حان ليعودوا إلى بيتهم، لبنان.
وعندما تعود إلى روما، تحدّث عمّا رأيت وعما سمعت. شعبٌ مُتمرّدٌ على الصعاب. وطنٌ يقتلونه كل يوم لكنه يرفُضُ أن يموت. وطنٌ يتنقل من زنزانةٍ إلى زنزانة. قد لا يمتلك هذا الوطن الصغير شيئًا يُقدّمهُ لكم، فليس عنده المال والنفط والغاز والقوة العسكرية، لكنه على صغره وفقره يمتلك أعظم ما صنعه الإنسان. يمتلك الحضارة.
تقول الأسطورة إنه عندما وقف موسى على رأس الجبل ونظرَ إلى الشمال، رأى جمالًا لم تشهده عينه من قبل، فسأل الله لِمَن هذه الأرض؟ فأجابه “هذه الأرض هي أرضي. هذا لبنان. لقد صَنَعَتهُ يداي”. لذا، وأنت رأس الكنيسة، نطلبُ منك أن تضعَ لبنان في قلب الكنيسة لكي تحميه من كلِّ شرٍّ وضرر. ونرجو منك أيضًا عندما تركع وتُصلّي أن تطلُبَ من أبيك الرب الإله ألّا يُحَوِّلُ طرفهُ عنّا.
- الدكتور فيليب سالم، طبيب وباحث وأستاذ ورجل دولة عالمي في طب السرطان، يعمل كمدير فخري لأبحاث السرطان في مستشفى سان لوك الأسقفية في هيوستن، وهو رئيس “مركز سالم للأورام السرطانية”.



