غَباءُ الإنسانية الاصطِناعي

عبد الرازق أحمد الشاعر*

العقلُ البشري يميلُ إلى الكسل والبلادة، ويُرهِقهُ التفكير والتأمُّل. ولهذا، ترى قلّةً من الناس فقط تُقبِلُ على القراءة والدرس، وتَميلُ إلى التفسير، والتحليل، والبحث، والتعليل. ولأنَّ التفكير في المجرَّدات يحتاجُ إلى قدراتٍ ذهنية خاصة، وإلى تفريغِ النفس والروح من شؤون الحياة ومُنَغّصاتها، يَسقطُ الناس عادةً في براثن المادة كما يسقط الفراش في إناء العسل، فلا تجدُ لهم همّةً فكرية، ولا عزيمةً روحية، ولا رغبةً في الخلاص من قيد الجسد وأغلال الواقع المادي المَقيت. ولهذا، يكرَهُ الناسُ فكرةَ المُجرَّد، ويحاولون إسقاط الصفات المادية على الإله الخالق، بل ويحاولون في استماتة غريبة تجسيد الخالق نفسه في صورة تمثالٍ يُعبَد، أو بقرةٍ تُحلَب، أو عبدٍ لا حولَ له ولا حيلة.
هل كان الشركُ وسيلةً ابتدعها العقلُ القاصر لتطويع المجرّدات وإدخالها بيت الطاعة البشري أكثر من كونه رغبةً في الثورة على الإله في عليائه؟ أم أنه كان حيلةَ عاجزٍ حاولَ بها الإنسان أن يُدرِكَ ما لا يستطيع إدراكه إلّا بالمُقارنة والتمثيل والتشبيه؟ فلنحاول الدخول مباشرةً إلى دهاليز هذا العقل البائس من أول بوابات الكفر – من اللحظة الأولى التي انقطع فيها الحبل السري بين السماء والأرض، وبدأ الإنسان فيها التمرُّدَ على سلطان الله في أرضه.
تقول الدراسات التأريخية أنَّ أول من كفر صراحة بالله وأشرك به أوثانًا هم قوم نوح، وذلك بعد عشرة قرون من التوحيد الخالص. وبدأ الشركُ حين بالغ الناس في تقديس موتاهم وقاموا على قبورهم، ثم اتخذوا لهم أصنامًا تُذَكِّرهم بمَن رَحَل. وبلغَ الغلو مداه حين تحوَّلَ هذا التقديس للموتى إلى عبادةٍ للأصنام، فعَبَدَ الناسُ ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا، وخالفوا هدي أنبيائهم وتعاليم الصالحين منهم. وكان نوح أول رسول يُبعَثُ إلى المُشركين. وبعده صارت الأصنام إلى العرب، فكانوا أكثر تقديسًا لها وعنايةً بها.
تفنّنَ العرب في صناعة تماثيل الآلهة، فصنعوها من الحجارة والخشب، ومن المعادن مثل الذهب والفضة والنحاس، كما استخدموا المواد الطبيعية كالأصماغ والتمور وغيرهما. كما اخترعوا لتماثيلهم قصصًا لا تمتُّ إلى الواقع –أو إلى المنطق ربما– بصلة.  وكان هبل أعظم آلهة قريش، وتلاه “بنات الله”: اللات والعزى ومناة. ويروى أنَّ عمرو بن لحي الخزاعي هو الأول الذي جلب الأصنام إلى مكة. لكن ما يعجز عنه الفهم هو أن يتّخذَ فاقدو البصيرة هؤلاء مسخا حجرين لإساف ونائلة لمجرد أنهما ارتكبا الفاحشة في صحن الكعبة، بعد أن وضع أسلافهما هذين “الإلهين” عند الصفا والمروة للاتعاظ والعبرة.
أعودُ بعد هذا الإسهاب إلى سؤالنا الأوّل عن السبب في محاولة الإنسان مسخ إلهه الحق في صورةٍ صنمٍ كما فعل العرب قديمًا، أو حيوانٍ كما فعل قوم موسى بعجلهم “المقدس”. لماذا هذا الإصرار البشري العجيب على تحويل المجرّد إلى ملموس وتقزيم اللامحدود في صورة جرم صغير؟ هل هو نوع من الترف الذهني؟ أم أنه ردة فكرية لكائن استثقل فكرة الغيب، فأراد أن يجعله مشهودا، واستصعب رحلة الحياة مُنفردًا، فأراد أن ينزل إلهه إلى الأرض ليمارس معه طيشه وتيهه؟
السؤال هنا: هل يمكن أن يعودَ العقل إلى سابق قدسيته التي تلطّخت بوحل التراث الجاهلي وأن يرتقي فوق هذا الإسفاف المادي المعاصر؟ هل يمكن أن تستردَّ البشرية رشدها، وأن تترفّعَ عن ثقافة الفيديو والصور المتحرّكة؟ هل يُمكِنُ أن تتعالى البشرية فوق كبوة ال”فايسبوك” وانتكاسة منصة “إكس” وردّة ال”إنستغرام” وعبثية الذكاء الاصطناعي؟ هل تستطيع البشرية أن تتعافى من ردّتها الوثنية ونكستها الروحية وأن تسمو فوق حضارتها المادية لترى أبعد من طائراتها الحربية والتجارية والخاصة وتصلُ إلى الإله الحق؟ سؤالٌ سيظلُّ مُعلَّقًا في رقبة واقعٍ يتردّى كلَّ يومٍ على أيدي طواغيت لا يرون أبعد من نياشين صدورهم الخربة حتى يأذن الله بعودةٍ راشدة لعقلٍ طالَ غيابه.

  • عبد الرازق أحمد الشاعر هو أديب، كاتب وصحافي مصري. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: Shaer1970@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى