الفساد في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا… لماذا لا تكفي القوانين وحدها؟

بين ركود مؤشّرات الشفافية وتنامي دور هيئات مكافحة الفساد، تتشكل معادلة معقدة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: إصلاح مؤسسي بطيء في مقابل فجوة ثقة لم تُردَم بعد. فهل تنجح المؤسسات في كسر الحلقة؟

مظاهرة ضد الفساد في لبنان.

روبرت بيشيل*

في تقريرها السنوي الصادر في 10 شباط (فبراير) 2026، رسمت منظمة الشفافية الدولية صورة قاتمة لأوضاع الحوكمة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مشيرةً إلى غياب أيِّ تقدُّم يُذكر في جهود مكافحة الفساد خلال السنوات الخمس الماضية. ووفقًا لمؤشر مدركات الفساد، الذي يُقاس على مقياس من 100 نقطة، لم يتحرّك المتوسط الإقليمي فعليًا، إذ ارتفع بشكل طفيف من 38.7 نقطة عام 2020 إلى 38.8 نقطة في 2025 — وهو تحسُّنٌ طفيف لا يرقى إلى مستوى تحوُّل إصلاحي حقيقي.

هذا الركود ليس مفاجئًا بالكامل. فمؤشر مدركات الفساد يقيس الاتجاهات والانطباعات العامة، وهي بطبيعتها تتغيّر ببطء ولا تواكب دائمًا التحوُّلات التشريعية أو الإدارية السريعة. كما إنَّ المؤشِّرَ لا يرصد الوقائع الفعلية للفساد بقدر ما يقيس التصوُّرات المُرتبطة به — وهي مسألة يصعب قياسها بدقة في جميع الأحوال. ومع ذلك، فإنَّ الصورة ليست مُوَحَّدة على مستوى الدول. فقد سجّلت بلدان مثل البحرين والعراق والمملكة العربية السعودية تحسُّنًا ملحوظًا في ترتيبها، بينما تعثّرت دولٌ أخرى أو شهدت تراجعًا في أدائها.

ورُغمَ أهمية المؤشر بوصفه مرآةً دولية مُعتَمَدة لقياس مناخ النزاهة، فإنَّ هذه المرآة لا تعكس المشهد بكامله. فالواقع المؤسّسي في عدد من دول المنطقة يُشيرُ إلى تحوُّلاتٍ تدريجية قد لا تظهر فورًا في المؤشرات العالمية. خلال السنوات الأخيرة، أنشأت حكومات عدة هيئات متخصصة لمكافحة الفساد، مُستفيدةً من نماذج شرق آسيا، لا سيما تجارب هونغ كونغ وسنغافورة، حيث نجحت الجهود الممتدة لعقود في بناءِ أُطُرٍ رقابية صارمة ومؤسسات مستقلة نسبيًا.

وفي هذا السياق، تتناول دراسة حديثة صادرة عن مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية أداء هيئات مكافحة الفساد العربية من منظورٍ مقارن، من خلال قياسها على نظيراتها في مناطق أخرى. وتُظهِرُ الدراسة أنَّ التجارب تتفاوت من دولةٍ إلى أخرى، إلّا أنَّ عددًا من هذه الهيئات الحديثة أحرز تقدّمًا ملموسًا، وإن كان تدريجًا، خلال العقد الماضي. فقد عملت على تعزيز ثقة المواطنين بها، وتطوير بنيتها المؤسسية، ومراجعة أطرها القانونية لتتوافق مع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد والمعايير الدولية ذات الصلة.

وشملت هذه المراجعات تحديث التشريعات المتعلقة بالرشوة والاختلاس والإثراء غير المشروع وسوء الإدارة واستغلال النفوذ وإساءة استخدام المنصب وغسل الأموال. وفي معظم الحالات، تبدو الأطر القانونية الأساسية لهذه الهيئات متينة، وإن كانت لا تزال بحاجة إلى تحسينات إضافية في بعض الجوانب، مثل تعزيز حماية الشهود وتطوير آليات الإبلاغ.

بهذا المعنى، فإنَّ صورة مكافحة الفساد في المنطقة تبدو أكثر تعقيدًا مما يوحي به مؤشر واحد. فبين جمود التصنيفات الدولية وحراك الإصلاح المؤسسي المحلي، تتشكل معادلة انتقالية لم تُحسم نتائجها بعد.

مؤشر راكد… وصورة أكثر تعقيدًا

في موازاة التطوّرات المؤسّسية، يُلاحَظُ ارتفاعٌ تدريجي في مستوى الوعي العام بدور هيئات مكافحة الفساد، وتزايُد القبول المجتمعي بعملها. فقد سجّلت دول عدة نموًّا مطّردًا في عدد الشكاوى المقدَّمة إلى هذه الهيئات، وصولًا إلى معدلات باتت أقرب إلى المتوسطات العالمية. كما توسّعت جهود التوعية والتثقيف، عبر بناء شراكات مع منظمات المجتمع المدني المحلية التي تؤدي دورًا مزدوجًا: الرقابة من جهة، وتقديم الدعم الفني والتحليلي من جهة أخرى.

وعلى مستوى النتائج العملية، أحرز بعض الدول تقدمًا ملموسًا في ملف استرداد الأصول، من بينها الأردن وسلطنة عُمان والعراق. كذلك يُسجَّل تحسُّنٌ تدريجي في الأداء التشغيلي لعدد من الهيئات، مع ارتفاع وتيرة التحقيقات والإجراءات العقابية بمرور الوقت. هذه المؤشرات تعكس مسارًا مؤسّسيًا يتبلور ببطء، وإن لم ينعكس بعد بصورةٍ كاملة في المؤشّرات الدولية.

ثقة مهزوزة وغضب مستمر

غير أنَّ هذا التحسُّن النسبي يتعايش مع مستوى عالٍ من الشكوك العامة. فالثقة بجهود الحكومات في مكافحة الفساد لا تزال محدودة، لا سيما بين فئة الشباب. وتُظهر بيانات “الباروميتر العربي” أنَّ الفساد يُنظَرُ إليه كأحد أبرز التحدّيات التي تواجه دول المنطقة. فهو يحتل المرتبة الأولى في العراق والجزائر، ويأتي ضمن أبرز ثلاثة تحدّيات في الأردن ولبنان وليبيا وموريتانيا وفلسطين والسودان وتونس. بمعنى آخر، لا يزال الفساد قضية سياسية واجتماعية حاضرة بقوة في الوعي العام.

وليس هذا مُستَغرَبًا. فالغضب من الفساد كان أحد المحرّكات الأساسية لانتفاضات “الربيع العربي” قبل خمسة عشر عامًا، كما شكّل عاملًا رئيسًا في موجات الاحتجاج اللاحقة في العراق ولبنان والسودان عام 2019. وبعد تلك الاضطرابات، تراجعت شبكات الناشطين تحت وطأة الضغوط، فيما تعمّق لدى شريحة واسعة من الشباب شعورٌ بالإحباط والاستسلام، ترافق مع تصاعد الرغبة في الهجرة.

ورُغم التقدُّم المُحَقَّق، ما تزال التحديات البنيوية كبيرة. فاستقلالية هيئات مكافحة الفساد متفاوتة في أنحاء المنطقة؛ بعضها يتمتع باستقلال قانوني وتشغيلي واضح، بينما يفتقر البعض الآخر إلى الضمانات المؤسسية الكافية. كما يظل التطبيق غير المتكافئ لسيادة القانون إشكالية مركزية، سواء بفعل عوائق قانونية تحول دون ملاحقة أصحاب النفوذ والثروة، أو بسبب أعراف وممارسات غير رسمية تَحدُّ من فعالية المساءلة.

يضاف إلى ذلك ضعف التنسيق بين المؤسسات المعنية، وهو خللٌ مزمن يعقّد جهود مكافحة الفساد. وفي حين طوّرَت دول عدة، مثل الأردن والعراق، آليات للإبلاغ الدوري عن تقدمها في هذا المجال، لا تزال البيانات المتاحة في دول أخرى، كـمصر والإمارات العربية المتحدة، محدودة أو أقل شفافية، ما يُصعِّب تقييم الأداء بدقة.

ويبقى التمويل أحد أبرز القيود الهيكلية. فالكثير من هيئات مكافحة الفساد في المنطقة تعمل بموارد مالية وبشرية محدودة مقارنة بنظيراتها عالميًا. ووفق بيانات عيّنة مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، يبلغ متوسط الإنفاق السنوي للفرد على هذه الهيئات في دول المنطقة نحو 2.08 دولارَين، مقابل 6.23 دولارات للفرد في دول خارجها — أي ما يقارب ثلاثة أضعاف. هذا الفارق يعكس فجوة في القدرات، ويطرح تساؤلات حول مدى قدرة هذه المؤسسات على الاضطلاع بمهامها على النحو المطلوب.

بهذا المعنى، تبدو مكافحة الفساد في المنطقة مسارًا مزدوجًا: تقدم مؤسسي تدريجي من جهة، واستمرار فجوة الثقة والتحديات البنيوية من جهة أخرى — معادلة لم تُحسم نتائجها بعد.

هيئات تحت الضغط… وإصلاح يحتاج منظومة كاملة

ليست هيئات مكافحة الفساد عصًا سحرية قادرة بمفردها على اقتلاع الظاهرة من جذورها. فهي قد تُهمَّش سياسيًا، أو تُحاصَر إداريًا، أو تُقيَّد مواردها، أو تُفرَّغ من صلاحياتها. كما إنَّ طبيعة الفساد في المنطقة غالبًا ما تكون معقّدة ومتشابكة، إذ تتخذ أشكالًا تتجاوز الرشوة التقليدية إلى أنماط أكثر التواءً، مثل اللوائح التفضيلية التي تُدرج أسماء مرتبطة بشبكات نفوذ، أو فرض شركاء صامتين في مجالس الإدارة والمشاريع، أو اللجوء إلى “الواسطة” والعلاقات الشخصية في التوظيف العام. هذه الممارسات لا تُكافَح فقط بالقوانين، بل تحتاج إلى بيئة مؤسسية تقاومها.

ومع ذلك، لا يمكن التقليل من أثر هذه الهيئات. فكثير منها مُنح صلاحيات واسعة واستقلالية معتبرة، ووُضع في صدارة الجهود الوطنية لمكافحة الفساد، مع تكليف واضح بأداء وظائف محورية. وقد أظهر بعض التجارب تقدمًا تدريجيًا وثابتًا. ففي شباط (فبراير) 2026، على سبيل المثال، أعلنت هيئة الرقابة ومكافحة الفساد السعودية (نزاهة) توقيف متهمين في 11 قضية تتعلق برشاوى أو اختلاسات بلغت قيمتها الإجمالية نحو 4.4 ملايين دولار. مثل هذه الإجراءات لا تعالج المشكلة جذريًا، لكنها تعزز رسالة المساءلة وتُرسّخ حضور القانون في المجال العام.

وإذا توفرت لهذه الهيئات الموارد المالية والبشرية الكافية، إلى جانب مساحة عمل مستقلة، فإنَّ قدرتها على إحداث أثر ملموس تصبح أكبر — ليس فقط في تقليص ممارسات الفساد، بل أيضًا في تحسين بيئة الأعمال وتعزيز جهود تنويع الاقتصادات التي تسعى إليها معظم دول المنطقة.

غير أنَّ المسؤولية لا تقع على عاتق هذه الهيئات وحدها. فمكافحة الفساد تتطلب يقظة مؤسسية شاملة عبر أجهزة الدولة. وزارات المالية والإدارات الحكومية مطالبة بتشديد الرقابة على المشتريات العامة لمنع التحايل، والهيئات التنظيمية مطالبة بتبسيط إجراءاتها وتعزيز شفافيتها للحد من فرص الرشوة، والسلطات الضريبية مطالبة بتطبيق القوانين بصورة متسقة وعادلة. كما ينبغي لأجهزة الرقابة العليا، مثل هيئات التدقيق، أن تمارس مهامها باستقلال وكفاءة لضمان المساءلة عبر مختلف المستويات.

التقدم ممكن، لكنه ليس تلقائيًا. فالإمارات العربية المتحدة تتصدّر حاليًا دول المنطقة في مؤشر الشفافية الدولية، بدرجة تضعها في مصاف اليابان والمملكة المتحدة والنمسا، ومتقدمة على الولايات المتحدة وفرنسا. هذا المثال يشير إلى أن الفجوة ليست قدرًا ثابتًا، بل نتيجة خيارات وسياسات. ومع تبني إصلاحات مؤسسية واضحة وتنفيذها بصرامة، لا يوجد ما يمنع دولًا أخرى في المنطقة من الاقتراب من هذا المستوى.

في النهاية، مكافحة الفساد ليست معركة قصيرة الأمد، بل مسار طويل يتطلب استمرارية سياسية، واستقلالًا مؤسسيًا، وثقة مجتمعية تُبنى تدريجًا. وبين المؤشرات الدولية المتحفظة والتحولات المؤسسية البطيئة، تبقى النتيجة رهينة الإرادة والإدارة معًا.

  • روبرت بيشيلهو زميل أوّل غير مقيم في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، ومستشار أوّل في شؤون الحوكمة والإدارة العامة في البنك الدولي والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية وعدد من شركات الاستشارات الإدارية الرائدة. وهو ينشط في الأعمال البحثية في مجالات الحوكمة وإدارة القطاع العام التنمية الاقتصادية والسياسة المالية ومكافحة الفساد وغيرها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى