إيران على حافةِ العقيدةِ الجديدة: بين رَدعٍ هجومي وصراعٍ وجودي
لم تَعُد طهران تتعامل مع التهديدات بوصفها جولات ضغطٍ عابرة، بل كاختبارٍ لبقاء النظام ذاته. وبين ديبلوماسية هشّة واستعدادات عسكرية متصاعدة، تُعيد إيران صياغة معادلة الردع على أسُسٍ أكثر جرأةً ومُخاطرة.

أليكس فاتانكا*
أثار الحشد العسكري الأميركي المُتسارِع في مياه الخليج موجة قلق جديدة في طهران، لكن هذه المرة بوعيٍ مختلف وحساباتٍ أكثر برودة. فخلال السنوات الأخيرة، تطوّرَ فهم الإيرانيين لطبيعة التحرُّكات الأميركية وأهدافها، وباتت قراءة المشهد أقل انفعالًا وأكثر استنادًا إلى تقديرٍ استراتيجي متراكم.
لم يَعُد صانع القرار الإيراني يتعامل مع التعزيزات الأميركية بوصفها تمهيدًا لحرب شاملة مفتوحة، ولا مجرّد استعراض قوة لطمأنة الحلفاء أو ردع الخصوم. التقدير الغالب داخل الأوساط الرسمية والتحليلية في إيران يفترض سيناريو أكثر تحديدًا: حملة عسكرية محدودة زمنًا، عالية الكثافة، تستهدف شلّ البنية التحتية الصاروخية الإيرانية، وتقويض قدرتها على الردع، وإعادة رسم موازين القوى التي اختلت عقب حرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل في حزيران (يونيو) 2025.
من هذا المنظور، لا تبدو المسألة بالنسبة إلى طهران مرتبطة حصريًا بإعادة فرض قيود على برنامجها النووي أو دفعها إلى الامتثال لالتزاماتٍ سابقة، بل تتجاوز ذلك إلى محاولة تغيير قواعد الاشتباك ذاتها. فإيران، التي تمكنت للمرة الأولى من توجيه ضربات مباشرة إلى إسرائيل بأقل قدر نسبي من الكلفة، ترى أنَّ واشنطن تسعى إلى سحب هذا الإنجاز الرمزي والعملي معًا، ومنع تكريسه كمعادلة ردع جديدة في المنطقة.
اللافت أنَّ الخطاب الصادر عن دوائر التفكير القريبة من المؤسسة الحاكمة بات أكثر صراحة من المعتاد. فالمعلّقون المحسوبون على التيار الرسمي لا يختزلون المطالب الأميركية في الملف النووي، بل يتحدثون عن مسعى أشمل لإعادة هندسة البيئة الاستراتيجية المحيطة بإيران، من قدراتها الصاروخية إلى شبكة تحالفاتها الإقليمية. وفي ضوء هذه القراءة، يصبح الحشد العسكري رسالة مركّبة: ضغط عسكري محسوب يهدف إلى تعديل السلوك، ولكن عبر إعادة تعريف موازين الردع لا عبر إسقاط النظام أو خوض حرب طويلة الأمد.
القراءة السائدة في طهران لا تختزل التحرُّك الأميركي في هدفٍ واحد، بل تضعه ضمن مسارٍ تصاعُدي مُتعدّد المراحل. فوفق التحليل المتداول في الدوائر السياسية والأمنية، تبدأ الضغوط بمحاولة تقليص مستويات تخصيب اليورانيوم، ثم تنتقل إلى تفكيك الترسانة الصاروخية، يليها تقويض شبكة الشركاء والوكلاء الإقليميين، وصولًا إلى دفع الجمهورية الإسلامية إلى حالة ضعف بنيوي طويل الأمد تُفقدها القدرة على فرض معادلات ردع مستقلة.
ويحضر الدور الإسرائيلي بقوة في هذا التصوُّر. فمن منظور طهران، لم يعد الوجود العسكري الأميركي في المنطقة ورقة ضغط تفاوضية فحسب، بل بات يُقرَأ كمرحلة تمهيدية لحملة قد تمتد لأسابيع، هدفها تحييد قدرة إيران على توجيه “ضربة ثانية” تضمن بقاء ميزان الردع قائمًا. هكذا، تُفسَّرُ كل عملية نشر إضافية، وكل تعزيز بحري أو جوي، بوصفه حلقة في خطة أوسع لإعادة هندسة التوازنات العسكرية في الإقليم.
ومع ذلك، وعلى الرُغم من تصاعد الضغوط، يسود في طهران اعتقادٌ راسخ بأنَّ الاستسلام ليس خيارًا مطروحًا. الدرس الذي تقول القيادة الإيرانية إنها استخلصته من مواجهة حزيران (يونيو) 2025 هو أنَّ الردع الصلب —لا ضبط النفس ولا الوساطات السياسية— هو ما فرض وقف العمليات. وفي هذا السياق، يُنظَرُ إلى أيِّ تنازل جوهري تحت تهديد القوة باعتباره مساسًا بأسس العقيدة التي يتبناها المرشد الأعلى علي خامنئي والمؤسسة الأمنية المحيطة به.
تتعزّزُ هذه الحساسية في ظل ضغوط داخلية متراكمة: إنهاك اقتصادي طويل، موجات احتجاج اجتماعي، وما تصفه طهران بـ”حرب نفسية مُنَسَّقة”. ضمن هذا المناخ، لا يُعدّ التراجع تحت الضغط مجرد خطوة سياسية، بل يُصوَّر كتهديد وجودي قد يفتح الباب أمام مزيد من الابتزاز الخارجي والاضطراب الداخلي في آنٍ واحد.
من الدفاع إلى الهجوم
قد تظلُّ قنوات الديبلوماسية مفتوحة، لكن تفكيك البرنامج الصاروخي طوعًا يبدو مُستَبعَدًا في الحسابات الإيرانية. فهذه المنظومة، بحسب الرواية الرسمية، كانت العامل الحاسم الذي حال دون انزلاق البلاد إلى دمار أوسع في الحرب الأخيرة. وعوضًا عن التراجع، بدأت طهران في بلورة ما يمكن وصفه باستراتيجية “تصعيد مدروس” تهدف إلى رفع كلفة أي ضربة استباقية محتملة.
التحوُّل الأبرز يتمثل في الخطاب العسكري ذاته. فبعد عقود من التأكيد على الطابع الدفاعي للعقيدة الإيرانية منذ نهاية الحرب العراقية-الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، بات كبار القادة يتحدّثون صراحةً عن انتقالٍ إلى مُقاربة هجومية. وقد أعلن رئيس أركان القوات المسلحة، اللواء عبد الرحيم موسوي، أنَّ إيران “راجعت عقيدتها الدفاعية وانتقلت إلى عقيدةٍ هجومية”، مُشدِّدًا على أنَّ أيَّ تحرُّكٍ مستقبلي سيكون “سريعًا وحاسمًا وغير مُقيَّد بحسابات أميركا”.
وذهب مجلس الدفاع أبعد من ذلك بإعلانه أنَّ الجمهورية الإسلامية لم تَعُد تعتبر نفسها مُلزَمة بالردِّ بعد وقوع الهجوم فحسب، بل إنَّ “العلامات الموضوعية للتهديد” أصبحت تدخل ضمن حساباتها الأمنية المسبقة. عمليًا، يعني هذا توسيع هامش المبادرة، وإدخال عنصر الضربة الوقائية في النقاش العلني — وهو تطوُّرٌ يعكس إدراكًا إيرانيًا بأنَّ مرحلة إدارة الأزمات بردود الفعل قد تفسح المجال لمرحلة جديدة عنوانها منع الخصم من امتلاك زمام المبادرة منذ البداية.
في موازاة التحوُّلات العقائدية والعسكرية، أعادت القيادة الإيرانية تأطير أيِّ مواجهةٍ مقبلة باعتبارها نزاعًا يتجاوز حدود الضربة المحدودة أو العملية الجراحية. الخطاب الرسمي لم يعد يتحدث عن “ردٍّ موضعي” أو “تبادُل رسائل”، بل عن احتمال انزلاق المنطقة بأسرها إلى مواجهة واسعة النطاق. وفي هذا السياق، حذّر المرشد الأعلى علي خامنئي صراحةً من أنَّ إشعالَ حرب ضد إيران سيحوّلها إلى “حربٍ إقليمية”، في انسجامٍ واضح مع تركيز متزايد داخل المؤسسة العسكرية على مفهوم الرد متعدد المجالات والساحات.
هذا التحوُّل في اللغة يعكس تحوُّلًا في التفكير. فبدل الاكتفاء بانتظار ضربة أميركية ثم الرد عليها، توحي التصريحات الأخيرة بأنَّ طهران قد تعمد إلى توسيع رقعة الاشتباك منذ اللحظة الأولى، أو حتى المبادرة إلى خطواتٍ استباقية إذا رأت أنَّ مؤشّرات التهديد بلغت مستوى حرجًا. ويُشبّهُ بعضُ المحللين الإيرانيين هذه المقاربة بما يُعرَف بـ”استراتيجية الرجل المجنون”: أي إقناع الخصم بأنَّ الخيارات المطروحة ليست بين حرب محدودة وسلام مشروط، بل بين احتواءٍ متبادل وفوضى مُدارة يصعب ضبطها.
وفق هذا المنطق، إذا وُضِعَت إيران أمام خيار الاستسلام أو المواجهة، فإنها قد تختارُ تصعيدًا محسوبًا يطال القواعد الأميركية في المنطقة، ومنشآت الطاقة في الخليج، وخطوط الملاحة الحيوية، مستخدمةً مزيجًا من الصواريخ والطائرات المسيّرة وأدوات الضغط غير المتكافئ. الهدف، بحسب هذا التصوُّر، ليس هزيمة الولايات المتحدة عسكريًا، بل رفع كلفة الاستمرار في العمليات إلى مستوى يردع واشنطن عن الذهاب إلى جولة ثانية أو توسيع الحملة.
غير أنَّ هذا التوجُّه لا يمرّ من دون اعتراضاتٍ داخلية. فبعضُ الشخصيات السياسية يُحذّر من الانجراف وراء خطابٍ تعبوي قد يُسيءُ تقدير توازن القوى الفعلي. وتذهب أصوات مؤثرة، من بينها المحلل السياسي مصطفى خوش تشم، إلى أنَّ التعامل مع احتمال الحرب باستخفاف ينطوي على مخاطر جسيمة، معتبرةً أنَّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد يسعى إلى استعراض قوة منخفض الكلفة لتحقيق مكاسب سياسية، لا إلى خوض نزاع مفتوح، وأنَّ أيَّ خطَإٍ في الحسابات قد يطلق دينامية تصعيد يصعب احتواؤها.
مع ذلك، يبدو أنَّ الكفة داخل دوائر القرار تميلُ إلى قراءةٍ مغايرة. فثمّة قناعة متنامية بأنَّ الظروف الحالية تختلف جذريًا عن أزماتٍ سابقة كانت طهران خلالها تُلوِّح بسقوفٍ عالية من التهديد مع الحفاظ على هوامش مناورة واسعة. اليوم، يُصوََّرُ المشهد على أنه أكثر حدة: ضغوط داخلية عميقة، بيئة إقليمية متغيّرة، وشعور بأنَّ بقاء النظام نفسه موضع اختبار غير مسبوق منذ عقود.
من هنا، تبدو العقيدة الإيرانية الناشئة أكثر استعدادًا لتحمُّل المخاطر. فهي لا تفترض القدرة على منع أي ضربة محتملة، لكنها تراهن على القدرة على تحويل أيِّ صراع ممتد إلى عبء ثقيل سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا على خصومها. في الحسابات الإيرانية، لم يَعُد الأمر متعلقًا بتوسيع النفوذ أو تحسين شروط تفاوضية، بل بصياغة معادلة بقاء: معادلة تقوم على إقناع الخصم بأنَّ كلفة المواجهة قد تفوق بكثير مكاسبها.
مخارج مُحتَمَلة
ضمن هذا المشهد المشحون، لا تخلو الاستراتيجية الإيرانية من مخارج سياسية، لكنها تبقى ضيِّقة ومحفوفة بأكلافٍ داخلية وخارجية. فالمحادثات غير المباشرة التي عُقدت في جنيف أفضت إلى ما وُصف بـ”مبادئ توجيهية” لاتفاقٍ مُحتمل، فيما تحدّث الطرفان عن تحسُّنٍ نسبي في الأجواء. غير أنَّ هذا التفاؤل الحذر لا يخفي هشاشة الإطار العام، ولا يردم الفجوة الواسعة بين سقف المطالب الأميركية وحدود ما تعتبره الجمهورية الإسلامية قابلًا للتنازل.
في الحسابات الإيرانية، يمكن تقديم تنازلات تقنية مدروسة: خفض نسبي لمستويات التخصيب، أو توسيع نطاق وصول المفتشين إلى مواقع محددة. لكن الخطوط الحمراء تبقى واضحة: لا تفاوض على البرنامج الصاروخي تحت الضغط، ولا مقايضة على شبكة التحالفات الإقليمية لإرضاء واشنطن أو تل أبيب. هذا هو الموقف المُعلَن حتى الآن، وهو يستند إلى قناعة بأنَّ أيَّ تراجع في هذين الملفّين سيُفسَّر كإقرار بفقدان أدوات الردع الأساسية.
في المقابل، يرى مسؤولون ومحللون إيرانيون أنَّ أيَّ انفراجةٍ حقيقية تتطلّب معادلة متبادلة: تخفيفًا ملموسًا للعقوبات بضمانات موثوقة من الجانب الأميركي، مقابل قبول إيراني برقابة معززة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية— وهي خطوة تصطدم بقدر كبير من عدم الثقة المتراكم.
وتحتل الوكالة موقعًا إشكاليًا في قلب الأزمة. فقد وصف مديرها العام رافائيل غروسي مسار جنيف بأنه “انفتاحٌ هشّ لكنه حقيقي”، مؤكدًا أنَّ الحلول التقنية لا تزال قادرة على التحقّق من الطابع السلمي للبرنامج النووي وتوفير أرضية لعودة الديبلوماسية. غير أنَّ النظرة في طهران باتت أكثر تشككًا؛ إذ يرى كثيرون أنَّ الدور الذي تؤدّيه الوكالة لم يعد تقنيًا خالصًا، بل اكتسب أبعادًا سياسية منذ الضربات الإسرائيلية في حزيران (يونيو) 2025، وما أعقبها من استهداف أميركي لثلاث منشآت نووية. في هذا السياق، تُفسَّر عمليات التفتيش لدى بعض الدوائر الإيرانية كأداة ضغط تُستخدم لخلق ذرائع، لا لبناء الثقة.
هذا الشك يُغذّي تصوُّرًا أوسع مفاده أنَّ إطارَ التفتيش قد يتحوَّل إلى غطاء ديبلوماسي لمسارٍ ينتهي بضربة عسكرية محدودة لكنها حاسمة. ومن هنا يبرز السيناريو الذي يراه عدد متزايد من المحللين الأكثر ترجيحًا: صراعٌ قصير وعنيف، يتجاوز في شدّته حرب الأيام الاثني عشر، لكنه يبقى دون مستوى الغزو الشامل. في مثل هذا السيناريو، تستطيع واشنطن الادِّعاء بأنها وجهت ضربة رادعة، وتستطيع إسرائيل القول إنها قوّضت قدرة إيران على الردع، فيما تردّ طهران بما يكفي لإثبات قدرتها على التحدّي من دون دفع المنطقة إلى انهيارٍ شامل.
المفارقة أنَّ هذا الخيار، رُغمَ مخاطره الواسعة، قد يبدو أقل سوءًا للطرفين من البدائل القصوى. فطالما أنَّ الضربات الجوية لا تستهدف تغيير النظام، قد ترى طهران في تحمُّل كلفة عملية واسعة ولكن محدودة النطاق ثمنًا أهون من تقديم تنازلات تعتبرها مساسًا بجوهر عقيدتها الأمنية. وفي المقابل، يستطيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يُعلنَ تحقيق إنجاز حاسم بإضعاف البرامج النووية والصاروخية والعسكرية الإيرانية، ثم ينسحب من التصعيد، ملوّحًا بإمكانية العودة إلى الضرب إذا لم تستجب طهران لشروطه.
في هذه المعادلة المعقّدة، لا يبدو أيُّ طرفٍ راغبًا في حربٍ مفتوحة، لكن كليهما يستعد لاحتمال مواجهة محدودة محسوبة. وبين ديبلوماسيةٍ هشّة وردعٍ متوتر، يبقى ميزان المخاطر دقيقًا إلى حدٍّ يجعل أيَّ خطَإٍ في التقدير كفيلًا بتحويل “الصراع القصير” إلى أزمة إقليمية طويلة الأمد.
في نهاية المطاف، يبقى العامل الأكثر حساسية في الحسابات الإيرانية هو ذاك الذي يتجاوز الضربات العسكرية المباشرة: احتمال تنسيق ضغط عسكري خارجي مع مسارٍ مُوازٍ لزعزعة الاستقرار الداخلي. تتحدث نخب سياسية وأمنية في طهران علنًا عن هذا الاحتمال تحت مسمّى “الحرب الهجينة” —أي مزيج من العمليات السرية، والحرب المعلوماتية، والتضييق الاقتصادي، والضربات الدقيقة— بما قد يفضي إلى إشعال موجة اضطرابات داخلية جديدة في لحظة توصف أصلًا بأنها بالغة الهشاشة.
من هذا المنظور، لا يتمثّل التهديد في الصواريخ وحدها، بل في استراتيجية أميركية–إسرائيلية مركّبة تمزج بين الضغط الخارجي والتفتيت من الداخل. في مثل هذا السيناريو، يصبح الردع أكثر تعقيدًا؛ إذ قد لا يكون الرد العسكري التقليدي كافيًا لإعادة التوازن إذا تزامن مع تصدُّع داخلي. وهنا تبرز احتمالات أكثر خطورة: استهداف بنى تحتية نفطية إقليمية، أو اللجوء إلى أدوات غير تقليدية —هجمات إلكترونية، طائرات مسيّرة بعيدة المدى، أو حتى عمليات سرية— في مسعى لفرض كلفة مقابلة تتجاوز مسرح العمليات المباشر.
في هذا الهامش الضيّق تتحرّك الديبلوماسية اليوم: بين استعداداتٍ عسكرية متصاعدة، وخطوط حمراء سياسية صارمة، ومستويات عميقة من انعدام الثقة. لا يزال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي يرى أنَّ اتفاقًا تقنيًا يمكن أن يشكّلَ صمّام أمان يمنع الانزلاق نحو الحرب. غير أنَّ الوقائع الميدانية توحي بأنَّ منطق الردع المتبادل يتقدّم على منطق التسويات المرحلية.
في واشنطن، قد تميل إدارة دونالد ترامب إلى خيارِ صراعٍ محدود يُعيدُ رسم موازين القوى من دون الانخراط في مستنقع طويل الأمد. وفي طهران، يسود اعتقادٌ بأنَّ النظامَ قادرٌ على امتصاص ضربة واسعة ولكن محسوبة، شرط أن يكون الرد حاسمًا بما يكفي لردع جولة ثانية.
هكذا تتقاطع رهانات الطرفين عند نقطة شديدة الخطورة: كلٌّ منهما يظن أنه قادرٌ على التحكُّم بسقف التصعيد. غير أنَّ التاريخ القريب للمنطقة يُظهر أنَّ الحروب القصيرة لا تبقى دائمًا ضمن الحدود المرسومة لها. وبين ديبلوماسية تتآكل ببطء وعقائد عسكرية تتشدد، تبدو المنطقة أقرب إلى اختبارٍ قاسٍ لمعادلات الردع — اختبارٌ قد يُحدّدُ ما إذا كان “الصراع المحدود” سيبقى كذلك، أم سيتحوّل إلى مواجهةٍ تتجاوز حسابات جميع الأطراف.
- أليكس فاتانكا هو زميل بارز والمدير المؤسس لبرنامج إيران في معهد الشرق الأوسط في واشنطن. وهو خبير متخصص في السياسات الإيرانية الداخلية والإقليمية.
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.