هل يَموتُ “حزب الله” ليحيا الشيعة؟ لحظةُ الاختيار على حافة الهاوية
بينَ سلاحٍٍ يجرُّ بيئته إلى الاستنزاف، وتسويةٍ إقليمية تُعيدُ رَسمَ الخرائط، يقف الشيعة في لبنان أمام سؤال وجودي: مَن يُضَحَّى به كي يبقى الآخر؟ إنها لحظةُ حسابٍ قاسية بين الغريزة والبقاء.

ملاك جعفر عبّاس*
“هل تموت أنتَ ومَن معك… أم تموت وحدك؟” سؤالٌ قاسٍ وجّهه جندي إسرائيلي إلى أحمد ترمس، ابن بلدة طلوسة، في لحظةٍ فاصلة بين الحياة والموت. لم يتردّد طويلًا. في مواجهة مصيرٍ بدا محسومًا، اختار أن ينجو أفراد عائلته ومنزل شقيق زوجته، فاستقلّ سيارته وقاد المُسَيَّرة التي كانت تلاحقه إلى مكانٍ بعيدٍ منهم، حيث لا تمتدّ يد الموت إلى مَن يحب.
يصعب على الأحياء تخيّل حجم الرعب الذي عاشه أحمد في تلك الدقائق الأخيرة، لكن الثابت أنّه، في ذروة الخوف، تمسّك بإجابةٍ بدت له أخلاقيةً ودينيةً وعاطفية في آن: إذا كان الموت محتومًا، فليكن ثمنه حياته وحده. قد يُلازم الناجين شعورٌ ثقيل بالذنب لأنهم تُرِكوا خلفه، غير أنّ قراره حَفَرَ صورته في الذاكرة العامة بوصفه فعلَ تضحيةٍ صافٍ في لحظة إعدامٍ مُعلَن.
ومهما تباينت تفاصيل الرواية المتداولة عن المكالمة والخيار المستحيل بين ناقلٍ وآخر، فإنها تستقرُّ في الوعي الجمعي كمرآةٍ لحقيقةٍ أكبر عن معنى الاختيار حين يُختَصَرُ العالم كلّه في سؤالٍ واحد.
السؤال الذي واجهه أحمد في لحظةٍ شخصية قصوى، يتكرّر اليوم بصيغةٍ جماعية داخل بيئة “حزب الله”، وضمن مجتمع الشيعة في لبنان: هل نموت نحن والحزب … أم نتركه يموت وحده لنحيا؟
قد تأخذ الإجابة عن هذا السؤال أبعادًا فلسفية وما ورائية، لكننا اليوم نقفُ على مفترق طرق سياسي-أمني، محلي-إقليمي-دولي، يبدو فيه “حزب الله” محلّيًا كقائدٍ لموكبٍ من العربات، عربته في المقدّمة وخلفها عرباتٌ مربوطة بها ومترابطة ببعضها بحبال لا تتساوى في قوتها، لكنها لا تملك مكابح منفردة تُمكِّنُ كل عربة من التوقف قبل حافة الجرف.
الانكشاف البنيوي: من فائض القوة إلى اقتصاد البقاء
ما رُوي عن الدقائق الأخيرة لأحمد ترمس يشبه وقائع وحالات كثيرة تؤكد المؤكد، وتكرّس حقيقة الانكشاف منذ لحظة اغتيال فؤاد شكر، مرورًا بتفجيرات أجهزة النداء (البيجر)، وصولًا إلى سلسلة الاغتيالات الكبرى والصغرى. لم يعد الأمر مقتصرًا على مخزن سلاح أو منصة إطلاق، بل بات انكشافًا بنيويًا مُتغلغلًا يتسلّل إلى تفاصيل الحياة اليومية لما يُسمّى “مجتمع المقاومة”. إسرائيل تعرف المواقع و”البيوت الآمنة” وشبكات الأقارب والزائرين، وتُوسّع بنك أهدافها مع كلِّ حركة وظهور، محوِّلةً البيئة الحاضنة إلى خاصرة رخوة أمام اختراقٍ دائم، وذراع قابلة للّوي تحت تهديد الموت، مهما ارتفع الشعار: “نحن لا ننهار”.
وقد انخرط الحزب منذ وصول الشيخ نعيم قاسم الى سدة الأمانة العامة في ورشة داخلية، بإشرافٍ إيراني مباشر، حوّلت البنية العسكرية والأمنية شبه النظامية الى ما يُعرَف في أدبيات الجماعات المسلّحة بالهيكلية الشبحية عبر الانتقال الى خلايا أصغر، ومحاولة سد الثغرات الأمنية، وتضييق دائرة اتخاذ القرار والتواصل، وتقليل البصمة التنظيمية الى الحد الأدنى.
لكن مشروع إعادة الهيكلة لم ينجح كليًا، على ما يبدو، في إعادة تعريف الدور في مرحلةٍ مفصلية من تاريخ لبنان والمنطقة، ولا هو تمكّنَ من سد الفجوة التكنولوجية ولم يُصَفِّر الاختراق البشري إذ لا يزال التفوق الإسرائيلي واضحًا في الميدان، كما إنه حُكِمَ على الحزب بتقليص حضوره العسكري وحركة مقاتليه، فأجبر جيشه شبه النظامي على التحوُّل الى خلايا نائمة. فصار الانتشار همسًا بعدما كان استعراضًا، وأصبح الأمن الداخلي غايةً بحدِّ ذاته لا وسيلة لحماية المشروع الأكبر.
وفي الوقت ذاته أُجبِرَ الحزب على تقليص خدماته المالية والاجتماعية بفعل الخسائر الكبرى الناتجة عن تضييق الخناق على حركة الأموال، والتهريب، والملاحقات، والعقوبات. فأنتج تقلُّص الحضور العسكري الى شبه الصفر، والحضور المالي الى تأمين بعض الرواتب وبدلات الإيواء، تراجُعًا في فاعلية الحضور السياسي الذي كان يستمد فائض قوته في زمن مضى من الهيبة العسكرية والأمنية والمالية فتحوّلت السردية الى أشعار.
الانتخابات كساحة بديلة: شرعية السلاح أم شرعية الطائفة؟
لكن، مع ذلك لم يُترجَم تراجُع الحضور في الميدان والسياسة بشكلٍ تلقائي في مساحة الحضور الشعبي للحزب. فالانتخابات في مجتمعٍ مُثقَلٍ بالذاكرة والخوف لا تُختَزلُ في تصويتٍ تقييمي للأداء السياسي والاقتصادي، بل هي استفتاء على الهوية يستحضر اشباح الماضي وأمجاده وهواجس المستقبل ومجهوله. لذلك تمكن الحزب رُغمَ كلِّ الويلات، وربما يراهن وهو محق، على أن يحافظ على كتلة انتخابية مُعتَبَرة في صندوق اقتراع يُدار بالعاطفة أكثر مما يدار بالسياسة. لذا يرى كثير من المحللين أنَّ الحزب يقارب الانتخابات المقبلة باعتبارها استفتاءً مصيريًا على سلاحه يريد من خلالها تجديد شرعية تمثيله للطائفة واحتكاره لبوصلتها السياسية.
هذه المقاربة اقتضت تقديم سلسلة من التنازلات التكتيكية تُرجِمت على شكل مساكنة إجبارية مع حكومة نوّاف سلام، وتوافُقٍ على مضض مع رئاسة الجمهورية، وتبريدٍ اضطراري للاشتباك مع الرئاسة الثانية لتلطيف المناخ السياسي قبيل موعد الانتخابات، وربما تصل حد القبول باتفاقٍ أمني مع إسرائيل يربط النزاع ويفتح باب التفاوض السياسي.
لكن التموضع التكتيكي بدأ يتحوّل الى معادلة طويلة الأمد تدريجًا. فبهدف الوصول “سالمًا ” الى لحظة الانتخابات يحتاج الحزب إلى تقليل احتكاكاته العسكرية، والحد من التلويح بقدرته على الرد واستخدام السلاح، لأن كلَّ حركة اليوم مرصودة، وأي محاولة لصد تحرك الجيش أو فرض أمر واقع، ستستجلب ضربات دقيقة من مُسَيَّرات متوثّبة، ولا تهضمها البيئة المتململة، ولا تفتح شهية التحالفات الشحيحة، ولا تمنح الحزب ترف المناورة الذي كان يملكه حين كان يمارس فائض القوة. هذه العوامل مجتمعة تُحَوِّلُ الممانعة العلنية لخطة حصر السلاح شمال الليطاني الى أمر واقع لن يقوى الحزب فعليًا على تحدّيه.
بين مطرقة التسوية وسندان الحرب: خيار “الموت التنظيمي”؟
هنا تصطدم الحسابات الانتخابية بتوقيت المفاوضات الإيرانية-الأميركية وإمكانية تحوّلها في غمضة عين إلى حربٍ غير مسبوقة إن انهارت. حاول الحزب عبر مقولة “لن نكون على الحياد” أن يجدَ صفحة تُكتَبُ باسمه بين أوراق المفاوضين، لكنه اصطدم بالوقائع الداخلية نفسها التي يحاول تبريدها: بيئة مُنهَكة، دولة تُطالب بإمساك الأرض، واستحقاق انتخابي لا يحتمل مشروعَ إسنادٍ جديدًا. اصطدم أيضًا بواقعٍٍ عسكري مُختَرَق يعرفُ الحزب قبل غيره أنَّ توسيعَ الاشتباك فيه يضاعف الاستهداف، وبواقعٍٍ مالي لا يحمل أكثر من بضعة أشهر من بدلات الإيواء، في حين تقف أنقاض البيوت المدمَّرة شاهدًا على الحسابات الخاطئة. وأخطر من ذلك أنه اصطدم بحقيقةٍ بديهية في الوعي الشعبي الشيعي: إيران لم تتلقَّ رصاصة واحدة بدلًا عن القرى التي دفعت الثمن، والحديث عن حرب إسناد جديدة يبدو، في لحظة الإعياء الاستراتيجي، كأنه دعوةٌ إلى تكرار الكارثة لا إلى حماية ما تبقّى.
في المقابل، على طاولة التفاوض، تبدو إيران حريصة على فصل ملفها عن ملف حلفائها أو تأجيله إلى هوامش جانبية. والهوامش في السياسة ليست تفصيلًا بريئًا، إنها مساحة المقايضة. ما لا يدخل في المتن يُمكِنُ أن يُدفَعَ ثمنه لاحقًا في ملاحق سرية أو تفاهمات ميدانية تُدار بالضغط والوقت. تدرك طهران ثمن التنازل المطلوب منها في بيئة إقليمية تتغيّر. فصحيحٌ أنها لوّحت بإشعال المنطقة إن تعرّضت لضربة، لكنها تدرك أيضًا أنَّ امتناع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تنفيذ تهديده حتى الآن لا يعودُ إلى الخوف من الترسانة الإيرانية بقدر إنصاته الى مرافعة الدول المحورية في الإقليم، والتي لن تكتفي بثمن “ضبط النفس” الإيراني كمقابل لدورها الفاعل في الملف، بل قد تطلب من الجمهورية الإسلامية انسحابًا تامًا من تلك الساحات وإعادة توزيع الأدوار فيها.
وهنا، يصبح “حزب الله” عالقًا بين مطرقتين: مطرقة الاستحقاق الانتخابي الذي يحتاج فيه إلى سردية قوة وشرعية احتكار، وسندان التسوية الإقليمية التي تجد في تصفير وظائف الأذرع أو تحييدها شرطًا للاستقرار. وإذا اندلعت الحرب، فإنَّ لبنان، بحُكم الجغرافيا والهشاشة، مرشَّح أن يحترق قبل طهران. وإذا لم تندلع، فلا مؤشرَ واقعيًا إلى أنَّ أيَّ إدارة أميركية ستلجم إسرائيل عن استكمال سياسة المَحق ما دام الحزب مكشوفًا، وما دام الضغط يُنتِجُ مكاسب بلا كلفة عالية.
لذا يتساءل الشيعة اليوم، هل نموت نحن والحزب… أم نتركه يموت وحده لنحيا؟ لكن ربما السؤال الأخطر هو الذي يرفض الحزب مواجهته: هل أختار أن “أموت تنظيميًا” كي لا تُفنى بيئتي؟ أي: هل أقبل بأن ينتهي “حزب الله” بصيغته العسكرية-الأمنية-الاقتصادية التي صنعت دويلة داخل الدولة، كي يُكتب للبيئة حد أدنى من النجاة؟
إن غلّب “حزب الله” منطق الكلفة والمنفعة لا الغريزة والإنكار، فقد يختار خطوة تبدو صادمة لكنها وحدها العقلانية: أن يحلَّ نفسه طوعًا كتنظيمٍ عسكري وأمني، أن يسرّح مقاتليه، أن يقفل مؤسساته ذات الطابع التعبوي-الأمني، وأن يُعيدَ إنتاجَ حزبٍ لبناني خالص باسم جديد. حزبٌ يستلهم أدبيات المقاومة والتيار الإسلامي المحافظ كهوية ثقافية وقيمية، من دون شعارات قتالية ولا هياكل عسكرية وأمنية. حزبٌ يخرج من وظيفة الجماعة المسلحة إلى وظيفة التمثيل الاجتماعي والسياسي، ويُعيدُ تعريف المقاومة من قدرة على القتال إلى قدرة على حماية الناس داخل الدولة، لا خارجها.
لا يكفي رتق فجوات السفينة الجانحة فيما تعشِّشُ المياه في محركاتها، “حزب الله” مدعوٌ اليوم للتفكير في تغيير “العلامة التجارية” برمتها، تلك الدمغة الصفراء على جباه عناصره ومناصريه التي تحوّلهم الى أهداف متحركة، كي تحيا الجماعة. البطولة الحقيقية اليوم ليست في رفع سقف الخطاب، ولا في وَعدِ الرد، بل في امتلاك الشجاعة للقول فليَمُت السلاح ليحيا أهله، وقد يجد عندها أنَّ قاعدته الشعبية ستتوسّع، وأنَّ قدرته على مدِّ جسور التحالفات العابرة للطوائف ستعود. فحمايته التي يدَّعيها للشيعة تكمن في مدى قدرته على قراءة المتغيّرات الهائلة في الإقليم والتكيُّف معها لا في محاربتها بالخطابات الرنانة التي لا تُسمِن ولا تُغني من جوع.
- ملاك جعفر عباس هي كاتبة سياسية وإعلامية لبنانية حاورت شخصيات عربية وعالمية عدة خلال عملها في شبكة “بي بي سي نيوز عربي”. وقد تخصصت في دراسة مكافحة الإرهاب والجماعات المسلحة.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.