سبتة… أزمة حدود أم إنذارٌ للمغرب وأوروبا؟
كابي طبراني*
في 31 تموز (يوليو) الماضي، وفي غضون ساعات، تحوّلت مدينة سبتة من هامشٍ جغرافي صغير إلى مركز أزمة أوروبية واسعة. عشرات الآلاف حاولوا الوصول إلى المدينة الخاضعة للإدارة الإسبانية، بعضهم عبر البحر، فيما كانت رسائل ومقاطع مصوَّرة تنتشر على شبكات التواصل الاجتماعي، مُوحِيةً بأنَّ نافذةً استثنائية قد فُتِحَت للعبور إلى أوروبا.
انتهى المشهد بمأساةٍ إنسانية وسقوط ضحايا، قبل أن تنتقل الأزمة سريعًا من الحدود إلى السياسة. وفي مدريد وبروكسل عاد الجدل الأوروبي المألوف: مَن المسؤول؟ هل أخفقت سياسات الهجرة؟ هل ينبغي تشديد الحدود؟ وما الدور الذي يتعيّن على المغرب أن يؤدّيه في إدارة واحدة من أكثر بوّابات أوروبا حساسيّة؟
لكن أزمة سبتة تتجاوز أسئلة الحدود، لأنها تكشف عن تحوّلات أعمق في طبيعة الهجرة نفسها وفي العلاقة المُعقّدة بين المغرب وأوروبا.
فسبتة ليست معبرًا عاديًا. إنها واحدة من النقاط النادرة التي تلتقي فيها أفريقيا وأوروبا على اليابسة. وعلى مدى سنوات، شكّلت، إلى جانب مدينة مليلة ومسارات جزر الكناري، جُزءًا من جغرافيا الهجرة نحو أوروبا، سواء بالنسبة إلى المغاربة أو إلى مهاجرين قدموا من مناطق أخرى من القارة الأفريقية.
أما المُختلِف هذه المرة، فلم يكن الحجم وحده، بل سرعة الحشد.
فبعد صدور حُكمٍ عن المحكمة العليا الإسبانية، انتشرت على المنصّات الرقمية تفسيرات مُلتبسة ومعلومات مُضَلِّلة أوحت بأنَّ الوصول إلى الأراضي الإسبانية قد يمنح المهاجرين فرصةً للبقاء. ومع تداول صور ومقاطع لأشخاصٍ يتّجهون نحو سبتة، بدأت كرة الثلج تكبر. وفي وقتٍ قصير، تحوّلت المعلومة المُضلِّلة إلى حافز، والحافز إلى حركة بشرية واسعة.
وهنا يكمن ربما الدرس الجديد في أزمةٍ قديمة.
لسنوات، تعاملت أوروبا مع الهجرة باعتبارها مسألة جغرافية وأمنية: أسوارٌ أعلى، دورياتٌ أكثر، مراقبة بحرية أشد واتفاقات مع دول العبور. لكن سبتة تكشف عن مُتغيِّر آخر: الحدود في العصر الرقمي لم تعد تُدار عند السياج وحده. فرسالة على هاتف محمول قد تتحوّل إلى عامل ضغط على حدود دولية قبل أن تتمكّن الحكومات من التحقُّق منها أو احتواء آثارها.
لكن التكنولوجيا تفسّر سرعة الحركة، لا أسبابها كلها.
فالمغرب، شأنه شأن دول عديدة في جنوب المتوسط، يواجه معادلة اقتصادية واجتماعية معقدة: مجتمعٌ شاب ترتفع تطلّعاته بسرعة، في مقابل سوق عمل لا يستطيع دائمًا توفير الفرص بالوتيرة نفسها. وتبقى بطالة الشباب والتفاوتات المجالية ومواءمة التعليم مع حاجات الاقتصاد تحديات حقيقية لا يمكن تجاهلها.
وفي المقابل، تغيّرَ الاقتصاد المغربي نفسه بصورةٍ عميقة خلال العقدين الماضيين. فقد انتقل المغرب تدريجيًا من اقتصادٍ يعتمد بدرجة كبيرة على القطاعات التقليدية إلى منصّة صناعية ولوجستية متنامية تربط الأسواق الأوروبية بالأفريقية، مع حضورٍ بارز في صناعات السيارات والطيران والطاقة المتجددة، واستثمارات واسعة في الموانئ والطرق والسكك الحديدية والبنية التحتية.
وهذه المفارقة مهمة لفهم سبتة: التقدّم الاقتصادي لا يؤدّي بالضرورة إلى اختفاء الهجرة فورًا.
ففي المجتمعات الصاعدة، قد ترتفع تطلّعات الأفراد بوتيرةٍ أسرع من قدرة الاقتصاد على تحقيقها. ومع اتساع الانفتاح والاتصال بالعالم، تتسع المقارنة بين ما هو مُتاح في الداخل وما يبدو ممكنًا في مكانٍ آخر. ومع الهواتف الذكية والصور اليومية للحياة في الضفة الأخرى، تصبح المسافة النفسية إلى أوروبا أقصر بكثير من المسافة السياسية إليها.
من هنا، فإنَّ موجة الهجرة الأخيرة لا تختصر المسار المغربي، بقدر ما تكشف التوتّر القائم بين سرعة التحوُّل الاقتصادي وسرعة ارتفاع التطلُّعات الاجتماعية.
والمغرب، في الوقت نفسه، لم يعد مجرّد بلد تنطلق منه الهجرة. فقد أصبح بلدَ استقبالٍ وعبورٍ لمهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء، وشريكًا رئيسيًا للاتحاد الأوروبي في التجارة والأمن وإدارة الهجرة. كما إنَّ استعداده لتنظيم كأس العالم 2030 مع إسبانيا والبرتغال يقدّم صورةً رمزية لعلاقة لم تعد تقوم فقط على ضفتين متقابلتين، بل على مصالح متشابكة ومستقبل مشترك في ملفات كثيرة.
لذلك، فإنَّ السؤال الأكثر فائدة بعد سبتة ليس فقط: مَن المسؤول؟ بل: كيف يمكن تفادي تكرار المأساة؟ وهنا تبرز أهمية العلاقة المغربية-الإسبانية.
بين الرباط ومدريد تاريخٌ من المصالح والخلافات، لكن الجغرافيا لا تُتيحُ لأيٍّ منهما تجاهل الآخر. فالبلدان يتقاسمان مصالح تجارية وأمنية وبشرية متنامية، وأمن مضيق جبل طارق وغرب المتوسط لا يمكن إدارته من جانبٍ واحد.
وقد أظهرت الأزمة الأخيرة، رغم حجمها، أنَّ آليات التعاون بين البلدين قادرة على العمل تحت الضغط. تحرّكت السلطات على الجانبين، وعاد معظم الذين عبروا خلال فترة قصيرة، ولم تتحوَّل الأزمة إلى مواجهة ديبلوماسية مفتوحة.
ومع ذلك، ظهرت سريعًا روايات تربط ما حدث بحسابات سياسية مغربية وإقليمية. لكن هذه الروايات لا تستند، حتى الآن، إلى أدلّة كافية تنقلها من دائرة التكهُّن إلى دائرة الوقائع. والأجدر بالتحليل ربما هو قدرة المنصات الرقمية على تحويل فرصة مُتَصَوَّرة، أو معلومة مُضلِّلة، إلى تحرّكٍ جماعي خلال ساعات.
فما كان يحتاج في الماضي إلى شبكات وتنظيم وقيادات، قد يبدأ اليوم بمقطعٍ مصوَّر ينتشر في اللحظة المناسبة. وهذه ليست مشكلة مغربية أو إسبانية فحسب، بل تحدّ جديد أمام الدول في إدارة الهجرة والحدود.
أما أوروبا، فعليها هي الأخرى أن تتجنّب الحلول السهلة.
من حقِّ الدول حماية حدودها وتنظيم الدخول إلى أراضيها. لكن وصف كل تدفق للمهاجرين بأنه “غزو” أو “اجتياح” قد يخدم المنافسة السياسية، لكنه لا يصنع سياسة هجرة قابلة للاستمرار.
فأوروبا تواجه شيخوخة سكانية ونقصًا في اليد العاملة في قطاعات متعددة. وهي بذلك أمام مفارقة يصعب تجاهلها: تريد تقليص الهجرة غير النظامية، لكنها ستظل في حاجة إلى الهجرة المنظّمة. وهذا يعني أنَّ النظرَ إلى المغرب باعتباره مجرّد خطِّ دفاعٍ متقدّم عن الحدود الجنوبية لأوروبا لم يعد كافيًا.
فالمغرب يستطيع أن يكون شريكًا في صياغة سياسة متوسطية أكثر توازنًا: ضبطٌ للحدود ومواجهة لشبكات التهريب، يقابلهما فتح مسارات قانونية ومدروسة للهجرة، وتشجيع الاستثمار، وتبادل المهارات، وخلق فرص اقتصادية على الضفتين. فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق فقط بمنع الناس من الرحيل، بل بتوسيع الخيارات المُتاحة أمامهم.
ستبقى سبتة نقطة حساسة ما دامت هناك فجوات في الدخل والفرص بين أفريقيا وأوروبا. ولن تلغي الأسوار الجغرافيا، كما لن تنهي الدوريات وحدها دوافع الهجرة. لكن الأزمة الأخيرة تتيح فرصة لإعادة التفكير في العلاقة بين الضفتين، بعيدًا من منطق الحارس من جهة، والقلعة المحاصَرة من جهة أخرى.
لقد جعلت الجغرافيا من المغرب وأوروبا جارَين. أما السياسة، فهي التي ستُقرّر ما إذا كان هذا الجوار سيبقى مصدرًا للأزمات، أم يصبح أساسًا لشراكة أكثر استقرارًا وعدلًا.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani



