حين يُصبِحُ الحليفُ شريكًا

كابي طبراني*

على مدى عقود، استند النفوذ الأميركي إلى معادلةٍ بسيطة: كلَّما ازدادَ اعتمادُ الحلفاء على الولايات المتحدة في أمنهم ودفاعهم، ازدادت قدرة واشنطن على التأثير في خياراتهم السياسية والاستراتيجية. غير أنَّ إدارة الرئيس دونالد ترامب تُحاول اليوم إعادة صياغة هذه المعادلة بطريقةٍ تبدو، في ظاهرها على الأقل، مُتناقِضة؛ فهي تدعو الحلفاء إلى تحمُّل مسؤولية أمنهم وتقليص اعتمادهم على الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه تتوقّع منهم أن يواصلوا الاصطفاف خلف سياساتها كما لو أنَّ شيئًا لم يتغيَّر.

ولا تقتصرُ هذه المُفارقة على الخطاب السياسي، بل بدأت تنعكس على طبيعة العلاقات الأميركية مع شركائها حول العالم، وتثير سؤالًا جوهريًا: هل تستطيع دولة عظمى أن تُقلّصَ التزاماتها الخارجية، وتحتفظ في الوقت نفسه بالمستوى نفسه من النفوذ السياسي؟

منذ عودته إلى البيت الأبيض، لم يُخفِ ترامب قناعته بأنَّ الحلفاء استغلّوا الولايات المتحدة لعقود. فقد كرّرَ انتقاداته لدول حلف شمال الأطلسي بسبب ضعف إنفاقها الدفاعي، ولوّحَ أكثر من مرة بإعادة النظر في الالتزامات العسكرية الأميركية في أوروبا وآسيا، مُعتبرًا أنَّ مبدأ “أميركا أولًا” يقتضي أن يتحمّلَ كلُّ طرفٍ مسؤولية أمنه قبل أن يطلب حماية واشنطن.

من حيث المبدَإِ، لا تبدو هذه الفكرة بعيدة من المنطق. فالولايات المتحدة أنفقت مئات المليارات من الدولارات على منظومةٍ أمنية عالمية نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، بينما استفادت دولٌ كثيرة من هذه المظلة لتوجيه مواردها نحو التنمية الاقتصادية بدلًا من التسلُّح. ومن الطبيعي أن يُطرَحَ اليوم سؤالٌ مشروع حول مدى استدامة هذا النموذج في ظلِّ التحدّيات الاقتصادية والمالية التي تواجهها الولايات المتحدة نفسها.

لكن المشكلة لا تكمن في مطالبة الحلفاء بتحمُّلِ مسؤولياتٍ أكبر، بل في الاعتقاد بأنَّ ذلك لن يُغيِّرَ طبيعة العلاقة السياسية بينهم وبين واشنطن.

فالاستقلال لا يتجزّأ.

فالاعتمادُ الأمني لا يخلق فقط حاجة إلى الحماية، بل يمنح أيضًا الطرف الذي يوفّرها نفوذًا. وحين تتراجع الحاجة إلى الحماية، يتراجع معها هذا النفوذ تدريجًا، حتى لو بقي التفوُّق العسكري على حاله. وكلّما ازدادت قدرة دولةٍ ما على حماية نفسها، ازدادت أيضًا قدرتها على اتخاذ قراراتها بعيدًا من الضغوط الخارجية، حتى لو كانت تلك الضغوط صادرة عن أقرب حلفائها.

ولم يَعُد هذا التناقض مجرّد فرضية نظرية، بل بدأ يظهر في ملفّات عملية.

ولعلَّ الحملة الأميركية الأخيرة ضد المحكمة الجنائية الدولية تكشفه بوضوح. فقد أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أنَّ الإدارة ستعمل على “تفكيك المحكمة حجرًا حجرًا”، فيما لوّح مسؤولون أميركيون بإعادة النظر في طبيعة العلاقة مع الدول التي تستفيد من المساعدات الأميركية إذا استمرّت في الاعتراف بسلطة المحكمة.

بمعنى آخر، تدعو واشنطن الدول إلى أن تصبح أكثر استقلالًا عسكريًا، لكنها لا تبدو مستعدّة لقبول استقلالها السياسي أو القانوني عندما يتعارض مع المصالح الأميركية.

وهنا يظهر التناقض الحقيقي.

فالنفوذ الأميركي بعد الحرب العالمية الثانية لم يكن قائمًا على القوة العسكرية وحدها، بل على شبكة واسعة من التحالفات والمؤسسات الدولية والقواعد المشتركة. وقد قَبِلَ كثيرٌ من الحلفاء القيادة الأميركية، ليس لأنهم كانوا مُجبَرين عليها، بل لأنهم رَؤوا فيها مصدرًا للاستقرار والقدرة على التنبّؤ، ولأنها كانت تُمارَس، في معظم الأحيان، ضمن أُطُرٍ مؤسّساتية واضحة.

وبهذا المعنى، لم يكن النفوذ الأميركي مجرد نتيجة للتفوُّق العسكري، بل كان أيضًا ثمرة ثقة.

أما اليوم، فإنَّ الإدارة الأميركية تراهن على معادلة مختلفة: التزامات أقل، مقابل نفوذ أكبر. أي تقليص الوجود العسكري والمساعدات، مع الحفاظ على القدرة نفسها على توجيه سياسات الحلفاء.

غير أنَّ التاريخ لا يقدّم أمثلة كثيرة على نجاح مثل هذه المعادلة.

فالدول التي تتحرّر من الاعتماد الأمني على قوة عظمى، تتحرّر معها تدريجًا من القيود السياسية التي كان يفرضها هذا الاعتماد. ومَن يحمي نفسه، يملك أيضًا مساحة أوسع لاتخاذ قراره بنفسه.

وتُقدّمُ أوروبا نموذجًا واضحًا على ذلك. فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، رفعت دولها إنفاقها الدفاعي إلى مستويات غير مسبوقة، وأطلقت ألمانيا أكبر برنامج لإعادة بناء قدراتها العسكرية منذ الحرب العالمية الثانية، فيما بات الحديث عن “الاستقلالية الاستراتيجية” جُزءًا ثابتًا من النقاش الأوروبي.

والمفارقة أنَّ هذه هي التطوُّرات التي طالما دعت إليها واشنطن.

لكنها تحمل في الوقت نفسه نتيجة يصعب تجاهلها؛ فكلما أصبحت أوروبا أكثر قدرة على الدفاع عن نفسها، ازدادت قدرتها أيضًا على تبنّي سياسات قد لا تتطابق دائمًا مع الرؤية الأميركية، سواء في العلاقات مع الصين، أو في قضايا المناخ، أو في تنظيم الاقتصاد الرقمي، أو حتى في الموقف من المؤسسات القضائية الدولية.

ولا يقتصر هذا التحوُّل على أوروبا. فاليابان وكوريا الجنوبية وأوستراليا، إلى جانب عدد من دول الشرق الأوسط، تعمل هي الأخرى على تعزيز قدراتها الدفاعية وتقليص اعتمادها على المظلة الأمنية الأميركية. ومن الطبيعي أن يقود ذلك، مع مرور الوقت، إلى مساحة أوسع من الاستقلال في صنع القرار. وهذا ليس فشلًا للتحالفات، بل نتيجة طبيعية لنجاحها. فالحليف القوي ليس تابعًا، بل شريكًا يمتلك القدرة على الاتفاق والاختلاف في آنٍ واحد.

لكن القضية الأعمق هي ما إذا كانت واشنطن لا تزال تُدرِكُ أنَّ النفوذ في القرن الحادي والعشرين لم يعد يُقاس فقط بحجم القوة العسكرية، بل أيضًا بالقدرة على الإقناع، وبالمصداقية، وباحترام استقلالية الشركاء.

فالنفوذُ الذي يقوم على الاعتماد الكامل قد يحقق نتائج سريعة، لكنه يبقى هشًّا. أما النفوذ الذي يقوم على الشراكة والثقة، فهو أكثر استدامة، حتى عندما تظهر الخلافات.

ولهذا، فإنَّ أكبر تحدٍ يواجه السياسة الخارجية الأميركية اليوم ليس إقناع الحلفاء بزيادة إنفاقهم الدفاعي، بل التكيُّف مع عالمٍ أصبح هؤلاء الحلفاء فيه أكثر قدرة على اتخاذ قراراتهم بأنفسهم.

فإذا كانت واشنطن تريد بالفعل حلفاء أقوى، فعليها أن تقبل بالنتيجة المنطقية لذلك: حلفاء أكثر استقلالًا. فالاستقلالُ لا يتجزّأ، سياسيًا كما هو أمنيًا. ومَن يُطالب حلفاءه بتحمُّل مسؤولية أمنهم، عليه أن يقبلَ أيضًا بحقّهم في اتخاذ قراراتهم.

  • كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى