قمّة أنقرة… اختبارُ أكبر تحوُّلٍ في تاريخ “الناتو”
كابي طبراني*
عندما يجتمع قادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة يومي السابع والثامن من تموز (يوليو)، لن يكونَ السؤال الحقيقي المطروح هو كيف سيواجه الحلف روسيا، بل كيف سيواجه نفسه.
فبعد أكثر من سبعين عامًا على تأسيسه، يقف “الناتو” أمام لحظةٍ مفصلية قد تُعيدُ رسم هويته ودوره في النظام الدولي. لم تَعُد القضية الأساسية تقتصر على الحرب في أوكرانيا أو زيادة الإنفاق الدفاعي، بل أصبحت تتعلّق بإعادة توزيع المسؤوليات بين الولايات المتحدة وأوروبا، في ظلِّ إدراكٍ متزايد بأنَّ العالم الذي نشأ فيه الحلف عام 1949 لم يعد هو العالم الذي يواجهه اليوم.
هذا التحوُّل لا يرتبط بالرئيس الأميركي دونالد ترامب وحده، رُغمَ أنه أكثر مَن عبَّرَ عنه بصراحة. فالولايات المتحدة بدأت منذ أكثر من عقد إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية، مع انتقال مركز الثقل من أوروبا إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث باتت الصين تُمثّلُ التحدّي الأول للمصالح الأميركية. ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، أصبح هذا التوجُّه أكثر وضوحًا، وتحوَّلَ النقاش داخل الحلف من “تقاسم الأعباء” إلى “نقل الأعباء”، بما يعنيه ذلك من انتقالٍ تدريجي لمسؤولية الدفاع التقليدي عن أوروبا إلى الأوروبيين أنفسهم.
ولا يعني ذلك انسحابًا أميركيًا من القارة الأوروبية، بقدر ما يعني إعادة تعريف للدور الأميركي داخل الحلف. فالولايات المتحدة ستظل الضامن الرئيس للردع النووي، وصاحبة القدرات الاستراتيجية في مجالات الاستخبارات والقيادة والسيطرة والدفاع الصاروخي، لكنها تريد من حلفائها الأوروبيين أن يتحمّلوا النصيب الأكبر من أعباء الدفاع التقليدي.
المفارقة أنَّ أوروبا لم تعد ترفض هذا التحوُّل، بل تخشى طريقة تنفيذه. فالعواصم الأوروبية تُدركُ أنَّ الاعتمادَ الكامل على واشنطن لم يعد خيارًا واقعيًا، لكنها في الوقت نفسه لا تمتلك بعد القدرات الكافية لتعويض الدور الأميركي إذا جرى تقليصه بصورة متسرّعة أو غير مُنَسَّقة.
ولهذا، فإنَّ أكثر ما يحتاجه الأوروبيون اليوم ليس وعودًا أميركية جديدة، بل رؤية واضحة وجدولًا زمنيًا يُحدّدُ طبيعة الوجود العسكري الأميركي خلال السنوات المقبلة، بما يسمح لهم ببناء قدراتهم الدفاعية من دون خلق فجوات في منظومة الردع، خصوصًا في ظل استمرار الحرب الروسية-الأوكرانية.
لكن هذا التحوُّل لا يحمل أبعادًا عسكرية فقط، بل اقتصادية أيضًا.
فزيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي تعني إعادة توجيه مئات المليارات من اليوروات نحو الصناعات العسكرية والتكنولوجية، وهو ما يفتح مرحلة جديدة من المنافسة بين شركات السلاح الأميركية والأوروبية. ومع توسُّع برامج التسلُّح، ستزداد مطالب الحكومات الأوروبية بالحصول على التكنولوجيا وحقوق الإنتاج والتصنيع المحلي، بدل الاكتفاء بشراء المعدات الأميركية الجاهزة، الأمر الذي قد يعيد رسم خريطة الصناعات الدفاعية العالمية خلال العقد المقبل.
وفي الوقت نفسه، سيؤثر هذا التحوُّل في أولويات الإنفاق العام داخل أوروبا، بين متطلبات الأمن والدفاع من جهة، وضغوط النمو الاقتصادي والديون والإنفاق الاجتماعي من جهة أخرى، وهو تحدٍ لا يقل تعقيدًا عن التحديات العسكرية نفسها.
وفي المقابل، تبدو روسيا المستفيد الأول من أيِّ غموض يحيط بمستقبل العلاقة عبر الأطلسي. فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، راهن الكرملين على أنَّ إضعاف التماسك السياسي داخل الناتو قد يحقق له مكاسب أكبر من أيِّ تقدُّمٍ ميداني. ولذلك، فإنَّ أيَّ خلافٍ بين واشنطن والعواصم الأوروبية حول القوات أو التمويل أو الضمانات الأمنية يمثل فرصة استراتيجية لموسكو.
غير أنَّ قراءة قمة أنقرة من زاوية أوكرانيا وحدها تبدو قراءة ناقصة.
فالسنوات الأخيرة أثبتت أنَّ الأمن الأوروبي لم يعد ينتهي عند حدود القارة، بل يمتد إلى الشرق الأوسط والبحر الأحمر ومضيق هُرمُز وشرق المتوسط، حيث تتقاطع مصالح الطاقة والتجارة والملاحة الدولية مع الحسابات الأمنية الغربية.
ومن هنا، فإنَّ أيَّ إعادة صياغة لدور “الناتو” ستكون لها انعكاسات مباشرة على العالم العربي، وليس فقط على أوروبا. فمنذ الحرب في أوكرانيا، ازدادت أهمية دول الخليج كمصدرٍ رئيس للطاقة بالنسبة إلى الأسواق الأوروبية، فيما أصبح أمن الممرات البحرية، من البحر الأحمر إلى مضيق هرمز، جُزءًا من منظومة الأمن الاقتصادي الأوروبي. وهذا يعني أنَّ أيَّ تغيير في أولويات الحلف سينعكس على أسواق النفط، وسلاسل الإمداد، وكلفة النقل البحري، والاستثمارات المرتبطة بالطاقة والبنية التحتية.
وفي هذا السياق، تبرز تركيا بوصفها أحد أهم اللاعبين في المرحلة المقبلة.
فأنقرة لا تستضيف القمة فحسب، بل تُمثّلُ نقطة التقاء معظم الملفات التي يناقشها الحلف. فهي تمتلك ثاني أكبر جيش في “الناتو”، وتقع عند تقاطع أوروبا والشرق الأوسط والبحر الأسود والقوقاز، كما أصبحت صناعاتها الدفاعية عنصرًا متناميًا في معادلة الأمن الأوروبي. والأهم أنها لا تزال تحتفظ بقنوات اتصال مع معظم الأطراف المتنافسة، من موسكو وكييف إلى واشنطن والعواصم الأوروبية، وهو ما يمنحها هامشًا ديبلوماسيًا يصعب تجاهله.
لكن نجاح قمة أنقرة لن يُقاس بعدد البيانات أو التعهّدات المالية، بل بقدرة الحلف على إدارة هذا الانتقال التاريخي من دون أن يفقد تماسكه أو مصداقية منظومة الردع التي شكلت أساس الأمن الأوروبي طوال أكثر من سبعة عقود.
لقد نجح “الناتو” في التكيُّف مع نهاية الحرب الباردة، ثم مع تحديات الإرهاب، ثم مع الحرب في أوكرانيا. أما اليوم، فإنَّ التحدي الأكبر لا يأتي من خارج الحلف، بل من داخله: كيف يعيد توزيع الأدوار بين ضفتي الأطلسي من دون أن تتحوَّلَ إعادة التوازن إلى مصدر ضعف؟
وقد لا تخرج قمة أنقرة بقرارات دراماتيكية، لكن أهميتها تكمن في أنها ستؤسس لمرحلة جديدة داخل الحلف، عنوانها انتقال تدريجي للمسؤوليات من واشنطن إلى العواصم الأوروبية. وسيكون نجاح هذا الانتقال، أو تعثُّره، عاملًا حاسمًا ليس فقط في مستقبل الأمن الأوروبي، بل أيضًا في استقرار أسواق الطاقة، وحركة التجارة العالمية، وتوازنات النظام الدولي خلال العقد المقبل.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani



