من بغداد إلى بيروت: مَن يَملُكُ قرارَ الحرب؟

كابي طبراني*

قد تبدو معركة حصر السلاح بيد الدولة في العراق شأنًا عراقيًا، فيما يبدو الجدل حول سلاح “حزب الله” في لبنان أزمةً لبنانية لها تاريخها وحساباتها الخاصة. لكنَّ البلدين يقفان اليوم، وإن في ظروفٍ مختلفة، أمام السؤال نفسه: هل تستطيع دولة أن تكون ذات سيادة فعلًا إذا لم تكن صاحبة القرار الوحيد في استخدام القوة، وفي تحديد متى تُحارِب ومتى تُسالِم؟

في العراق، خرج هذا السؤال أخيرًا من الغرف السياسية المغلقة إلى شاشة التلفزيون. في مشهدٍ درامي بثّه الإعلام الرسمي، يغضب أبٌ لأنَّ ابنه حميد، المقاتل في إحدى الفصائل، يرفض تسليم سلاحه. فتسأل الأم: “إذن مَن سيحمي البلد؟”. تمرُّ في السماء مقاتلة عراقية، فيشير إليها الأب باعتبارها رمزًا لقوات الدولة، ثم يوجّه كلامه إلى ابنه: العراق آمن، سلّم سلاحك. وينتهي الإعلان بشعار “من السلاح إلى الحياة”.

المشهد دعائي بالتأكيد، لكنه يختصر مُعضِلة سياسية حقيقية. فالحكومة العراقية لا تحاول جمع البنادق والصواريخ فقط؛ إنها تحاول تفكيك فكرة ترسّخت طوال عقدين، مفادها أنَّ الدولة لا تستطيع وحدها حماية المجتمع، ولذلك تحتاج البلاد إلى قوة مسلّحة موازية لها.

كان لهذه الفكرة ما يبرّرها في مراحل سابقة. اكتسبت الفصائل الشيعية شرعية خلال مقاومة الوجود الأميركي الذي أعقب إسقاط صدام حسين في العام 2003، ثم اكتسبت شرعية أكبر عندما اجتاح تنظيم “داعش” مساحات واسعة من العراق في العام 2014 وانكشفت هشاشة القوات الحكومية. ولعبت فصائل “الحشد الشعبي” دورًا مهمًا في الحرب التي انتهت بإسقاط دولة التنظيم.

لكنَّ الضرورة الاستثنائية تتحوّل إلى مشكلة حين تصبح حقًا دائمًا.

اليوم لم يعد “داعش” يسيطر على مدن عراقية، فيما تؤكد واشنطن وبغداد أنَّ المهمة العسكرية للتحالف الدولي ستنتهي في 30 أيلول (سبتمبر). وحدّدت الحكومة العراقية اليوم نفسه مُهلةً لحصر السلاح بيد الدولة. وقد أبدت فصائل استعدادًا للاندماج أو وضع أسلحتها تحت سلطة المؤسسات الرسمية، فيما لا تزال قوى أكثر تشدُّدًا، وفي مقدمها “كتائب حزب الله”، ترفض التخلّي عمّا تُسمّيه “سلاح المقاومة”.

لكنَّ النقاش العراقي نفسه يكشف أنَّ القضية أكثر تعقيدًا من مشهد مقاتل يسلّم بندقيته. فإحدى الآليات المطروحة تقضي بتسليم أسلحة الفصائل إلى “الحشد الشعبي”، وتسجيلها وتحديد مخازنها، على أن تصبح حركتها واستخدامها خاضعَين لأوامر القائد العام للقوات المسلحة.

وهنا نصل إلى جوهر القضية: المشكلة ليست في مكان وجود السلاح فقط، بل في مكان وجود قرار استخدامه.

وهذا بالضبط ما يجعل التجربة العراقية تلتقي مع التجربة اللبنانية من دون أن تتطابق معها.

في العراق، المشهد متشظٍّ: “الحشد الشعبي” مؤسسة قانونية ضمن المنظومة الأمنية للدولة، لكنَّ عددًا من الفصائل المنضوية فيه أو المتقاطعة معه يحتفظ بهياكل وولاءات وقدرات تتجاوز عمليًا التسلسل الرسمي للقرار. أما في لبنان، فالمشكلة أكثر تركّزًا: “حزب الله” تنظيم سياسي وعسكري متماسك، راكم على مدى عقود ترسانةً وبنيةً قتالية مستقلة عن الجيش، وأصبح سلاحه مرتبطًا أيضًا بموقعه في شبكة النفوذ الإقليمي الإيراني.

بعبارة أخرى، يعاني لبنان منذ زمن مُعضِلة دولة إلى جانبها قوة مسلّحة، فيما يواجه العراق مُعضِلة أكثر التباسًا: السلاح موجود داخل الدولة وخارجها في الوقت نفسه.

ومع ذلك، يستخدم حَمَلة السلاح في البلدين منطقًا متشابهًا. تقول الفصائل العراقية الرافضة للتسليم إنَّ الدولة لم تصبح قوية بما يكفي، وإنَّ التهديدات الخارجية لم تنتهِ، وإنَّ الدفاعات الجوية العراقية لا تزال ضعيفة. وفي لبنان، يرفض “حزب الله” نزع سلاحه ما دام الاحتلال الإسرائيلي قائمًا، فيما تربط إسرائيل انسحابها من الجنوب بنزع سلاح الحزب. وهذا هو جوهر المأزق الذي يعرقل تنفيذ “اتفاق الإطار” الذي تم التوصل إليه في واشنطن في 26 حزيران (يونيو).

وهكذا تنشأ الحلقة المغلقة نفسها: السلاح يبقى لأنَّ الدولة ضعيفة، والدولة تبقى ضعيفة لأنها لا تحتكر السلاح.

إذا كان لكل تنظيم مسلّح الحق في أن يقرر بنفسه متى أصبحت الدولة قوية بما يكفي ليستغني عن سلاحه، فلن تأتي تلك اللحظة أبدًا. وإذا كان لكلِّ فصيلٍ تعريفه الخاص للخطر الخارجي، وحقه في الاحتفاظ بالصواريخ والمسيّرات إلى أن يُقرّرَ هو أنَّ الخطر زال، تصبح السيادة مشروطة بموافقة مَن يحمل السلاح.

وتظهر المُعضِلة أكثر تعقيدًا حين لا تنتهي سلسلة القرار العسكري عند حدود الدولة نفسها.

فإيران بنت، على مدى عقود، جُزءًا مهمًّا من نفوذها الإقليمي عبر قوى مسلّحة حليفة تعمل داخل دول عربية، لكنها تحتفظ بعلاقات سياسية وعقائدية وعسكرية وثيقة مع طهران. وفي العراق، جاءت زيارة قائد “فيلق القدس” إسماعيل قاآني إلى بغداد وسط الصراع على مستقبل سلاح الفصائل، فيما طرحت قوى مرتبطة بإيران شروطًا إضافية للتخلّي عنه. وفي لبنان، يصعب فصل مستقبل ترسانة “حزب الله” عن موقع الحزب في الاستراتيجية الإيرانية الأوسع، خصوصًا بعد الحرب الأخيرة التي أظهرت مُجدَّدًا كيف يمكن أن ينتقل الصراع الإقليمي إلى الأراضي اللبنانية.

وهنا يصبح السؤال أكبر من إيران نفسها، وأكبر من “حزب الله” أو “الحشد الشعبي”.

فالدولة لا تحتكر السيادة لأنها تمتلك العدد الأكبر من الجنود، بل لأنها الجهة الوحيدة المخوّلة اتخاذ قرار يمكن أن يُعرّض المجتمع كله للحرب.

اختبر لبنان هذه الحقيقة بكلفة باهظة. عندما يقرر “حزب الله” فتح جبهة مع إسرائيل، لا تقع نتائج القرار على الحزب وحده، بل على القرى والمدن والاقتصاد والبنية التحتية والمجتمع اللبناني كله. وقد شهد لبنان منذ آذار (مارس) حربًا أوقعت آلاف القتلى وشرّدت أكثر من مليون شخص، فيما لا تزال إسرائيل تحتل أراضي في الجنوب وتربط انسحابها بنزع سلاح الحزب.

والعراق عُرضة للمفارقة نفسها. فهجوم تنفذه جماعة مسلّحة على هدف أميركي أو إسرائيلي يستطيع أن يستدرج ردًّا يقع داخل الأراضي العراقية، ثم تجد بغداد نفسها تحتجُّ على انتهاك سيادتها بعدما اتُّخذ القرار الذي استدعى الرد من داخل حدودها ومن دون موافقتها.

لا تستطيع دولة أن تطالب الخارج باحترام سيادة لا يحتكر الداخل قرارها.

لكنَّ ذلك لا يعني أنَّ الحل هو حرب الدولة على الفصائل في العراق أو على “حزب الله” في لبنان. فالنزع القسري للسلاح قد يحوّل ازدواجية السلطة إلى صدامٍ أهلي. والحل الأصعب هو تحويل العلاقة بين السلاح والدولة: دمج المقاتلين حيث يكون الدمج ممكنًا، وتوحيد القيادة والتمويل والقرار العملياتي، ومنع أن يصبح “الاندماج” مجرد تغيير في اللافتة مع بقاء الولاءات والقرارات القديمة.

وفي لبنان، لا يمكن فصل حصر السلاح بيد الدولة عن بناء جيش قادر فعلًا على حماية الحدود، وعن انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية وإعادة سلطة الدولة إلى الجنوب. فالدولة لا تستطيع أن تقول للمواطن فقط: سلّمني سلاحك لأنني الدولة؛ عليها أيضًا أن تقنعه بأنها تستطيع حمايته بعدما يفعل.

وهنا ربما تكمن أصعب مهمة أمام بغداد وبيروت معًا. فاستعادة الدولة لقرار الحرب لا تتم بمرسوم، كما إنَّ السلاح الذي راكم خلال عقود شرعية سياسية واجتماعية وعقائدية لا يختفي بمجرد تحديد موعد لتسليمه. المطلوب إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة بحيث لا يعود وجود قوة موازية شرطًا للشعور بالأمن، ولا يصبح ضعف المؤسسات ذريعة دائمة لاستمرارها.

لهذا فإنَّ السؤال الذي طرحته الأم العراقية في الإعلان الحكومي “مَن سيحمي البلد؟”  ليس السؤال الكامل.

السؤال الأصعب، من بغداد إلى بيروت، هو: مَن يملك الحق في أن يقرر متى يذهب البلد إلى الحرب؟

يمكن أن تمتلك الدولة جيشًا قويًا وأجهزة أمن متعددة وترسانة كبيرة. لكنَّ ما لا تستطيع دولة ذات سيادة أن تتحمله طويلًا هو وجود أكثر من سلطة تملك قرار استخدام القوة.

فإذا لم يكن قرار الحرب للدولة وحدها، تبقى مشكلة السلاح قائمة. لكنَّ المشكلة الأكبر تصبح عندها الدولة نفسها.

  • كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى