… بل عفيفة كرم أَوَّل روائيَّة عربيَّة (1 من 4)

“المكاري والكاهن” للريحاني – مطلع السرد القصصي (1903)

هنري زغيب*

في السائد العام أَنَّ المصري محمد حسين هيكل (1888-1956) رائد الرواية العربية وأَول روائي عربي في روايته “زينب” (1914). مش صحيح. ريادة الرواية العربية ترقى إِلى الكاتبة اللبنانية عفيفة كرم (1883-1924) في روايتها “بديعة وفؤَاد” (1906 – منشورات جريدة “الهدى” – نيويورك). 

قبل أَيام صدرت للباحث الإِيطالي فرنشسكو ميديتشي Francesco Medici دراسة عن الروائية اللبنانية في أَميركا عفيفة كرم (في موقعKahlil Gibran Collective ). هنا مقاطع منها، أَضفتُ إِليها معلومات أُخرى من أَبحاثي الشخصية.

“زينب بقلم مصري فلاح”

سنة 1925: حدث سينمائي في مصر، بصدور أَول فيلم صامت: “زينب”، بطولة بهيجة حافظ، سراج منير، زكي رستم، وإِخراج محمد كريم، عن رواية “زينب” لمحمد حسين هيكل. ثم أَصدر المخرج ذاته هذا الفيلم ناطقًا سنة 1952، بطولة راقية ابرهيم، يحيى شاهين، فريد شوقي. لكن الرواية، حين صدرَت طبعتها الأُولى في القاهرة سنة 1914، ظهرت “بقلم مصري فلَّاح”، وفي عنوانها الجانبي أَنها “مناظر وأَخلاق ريفية”. وما إلَّا عند صدور طبعتها الثانية (1920) حتى ظهر اسم صاحبها المحامي الدكتور في الحقوق، لأَنه كان، سنة 1914، ظنَّ أَن هذه الكتابة القصصية لا تليق بمقامه السياسي (رئيس “حزب الأَحرار الدستوريين” ورئيس مجلس الشيوخ ووزير المعارف ثلاث مرات). ومع صدُورها بالاسم الصريح، راح النقاد يعتبرونها “أَول رواية عربية”. سوى أَنهم “ارتجلوا” هذا الرأْيَ اعتباطًا. ولو دقَّقوا لعرفوا أَن أَول رواية عربية، كانت صدرَت قبل “زينب” بنحو 8 سنوات في نيويوركن على بُعد 9050 كلم من القاهرة. وضعَتْها سيدة لبنانية الأَصل (من عمشيت، جبل لبنان) عاشت في ولاية لويزيانا الأَميركية، وزاولت الصحافة فكان لها أَثر بالغ في الصحافة المهجرية. وكانت ناشطة جدًّا في الدفاع عن حقوق المرأَة (نشاط جديد وجريء في حينه)، حتى أن اسمها وارد مع نبذة عنها في كتاب صدر أَخيرًا عن تاريخ الولاية.

“الأَجنحة المتكسّرة” لجبران – تطوُّر السرد القصصي (1912)

مطالع السرد القصصي

كانت الرواية، في تلك الفترة، فنًّا أَدبيًّا غير معروف تمامًا في العالم العربي (وكان مزدهرًا في الغرب)، فلم يصدر منه إِلَّا بعض محاولات قريبة في سردها من الرواية، دون اكتمال هيكليتها الفنية.

مع ذلك يذكر النقاد والمؤَرخون في هذه الإطار مؤَلَّفاتٍ في مطلع القرن العشرين لكتَّاب لبنانيين هاجروا إِلى الولايات المتحدة، وأَسسوا في نيويورك لِـ”الأَدب المهجري”، وكتبوا قصصًا تنحو في طولها وشكلها إِلى أَن تكون سردًا روائيًّا مستقلًّا في ذاته.

من تلك المحاولات: “القلوب المتحدة في الولايات المتحدة” سنة 1904 لسليم سركيس (1876-1926)، و”المكاري والكاهن” سنة 1904 لأَمين الريحاني (1876-1940)، وسنة 1912 “الأَجنحة المتكسرة” لجبران (1883-1931). وفي عدد تشرين الأَول/أُكتوبر 1913 بدأَ الريحاني ينشر في مجلة “الفنون” لنسيب عريضة (1887-1946) فصولًا مسلسلة من روايته “زنبقة الغَور”. وكانت عفيفة كرم المرأَة الوحيدة التي، في نيويورك تلك الحقبة، زاولت الصحافة والكتابة والترجمة، وبين 1906 و1910 أَصدرت ثلاث روايات متكاملة الشروط الفنية. وحين أَصدر جبران “الأَجنحة المتكسرة” سنة 1912 كان مضى عامان على إِصدار عفيفة كرم روايتَها الثالثة والأَخيرة. فهي إِذًا سبقَت جبران و”المهجريين” بريادة الرواية العربية.

“القلوب المتحدة” لسليم سركيس – سرد قصصي بدائي (1904)

هي

ولدت عفيفة كرم نهار 26 تموز/يوليو 1883 (أَي سنة مولد جبران) في بلدة عمشيت الساحلية (جبل لبنان – 4 كلم بعد مدينة جبيل) في أُسرة ميسورة. كان والدُها يوسف صالح كرم طبيبًا شهيرًا يخدم في الجيش العثماني. أَدخل ابنته إِلى مدرسة الراهبات في البلدة، ورعاها في طفولتها وصباها فعاشت حياة هانئة. لكن حياة الأُسرة انقلبَت مأْساةً وعَوَزًا بوفاة الوالد الطبيب سنة 1895. وبعد سنتين (1897)، تقدَّم للزواج منها كرم حنا صالح كرم، نسيبُها من جهة والدها، تاجر جمع ثروة واسعة من صفقاته في الولايات المتحدة. كان يكبرها بـــ13 سنة، فتخلَّت عن مدرستها وتزوجتْه عامئذٍ، ولم تبلُغ الرابعة عشرة بَعد، واصطحبها مع والدتها فْروسينا وشقيقتها الصُغرى أَمينة، إِلى حيث مقرُّ أَعماله في مدينة شريڤْـپـورت Shreveport (ولاية لويزيانا).

الحلقة الثانية: نشاطها الصحافي في “الهدى” – نيويورك.

  • هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
  • يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دبي)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى