واشنطن وبكين في الشرق الأوسط: تنافُسٌ لا يَحتَمِلُ الفوضى

كابي طبراني*

منذ سنوات، يتكرّر وصف الشرق الأوسط بأنه الساحة الجديدة للمنافسة بين الولايات المتحدة والصين، وكأنَّ المنطقة تتجه إلى نسخةٍ حديثة من الحرب الباردة. فالصين تُوَسّع استثماراتها، والولايات المتحدة تُعزّزُ حضورها العسكري، ودول المنطقة تنفتح على الطرفين في آن واحد. تبدو الصورة مألوفة: معسكران يتنافسان على النفوذ.

لكن هذه القراءة، رغم شيوعها، تنطلق من افتراض لم يعد صحيحًا: أنَّ كلَّ تنافس بين القوى الكبرى لا بد أن ينتهي إلى استقطاب يشبه الحرب الباردة.

فالشرق الأوسط لا يشهد اليوم حربًا باردة جديدة، بل مفارقة مختلفة تمامًا. فواشنطن وبكين تتنافسان على النفوذ، لكنهما تحتاجان، في الوقت نفسه، إلى الحفاظ على الاستقرار الإقليمي. وليس لأنهما أصبحتا شريكتين، بل لأنَّ تكلفة الفوضى باتت أكبر من مكاسب المنافسة.

وقد كشفت إيران هذه الحقيقة أكثر من أيِّ ملفٍّ آخر.

فكلما تصاعد التوتر حول برنامجها النووي، أو اتسعت المواجهة بينها وبين إسرائيل، أو عاد الحديث عن إغلاق مضيق هرمز، برزت حقيقة لا تحظى بالاهتمام الكافي: الولايات المتحدة والصين تخشيان النتيجة نفسها، حتى وإن اختلفت دوافعهما. فحربٌ إقليمية واسعة لن تُهدِّدَ أمنَ حلفاء واشنطن فقط، بل ستضرب أيضًا الشريان الذي تعتمد عليه الصين لتأمين جُزءٍ كبير من احتياجاتها من الطاقة.

هنا تحديدًا يلتقي الخصمان.

فالشرق الأوسط لم يعد مجرّد مصدر للنفط، بل أصبح العقدة التي تربط الاقتصاد العالمي. ومن مضيق هرمز إلى البحر الأحمر وقناة السويس، تمر طرق التجارة التي تعتمد عليها المصانع الصينية كما تعتمد عليها الأسواق الغربية. ولذلك فإنَّ اضطرابَ المنطقة لم يعد مشكلة إقليمية، بل خطرٌ عالمي.

هذا هو السبب الحقيقي الذي يجعل واشنطن وبكين، رُغمَ صراعهما الاستراتيجي، تتقاطعان في هدف واحد: منع انهيار النظام الإقليمي.

لكن التشابه في الأهداف لا يعني تشابُهًا في الوسائل.

فالولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية المُهيمنة في الشرق الأوسط. قواعدها وتحالفاتها وشبكة ردعها تمنحها دورًا لا يستطيع أيُّ طرفٍ آخر أن يؤدّيه. وقد أثبتت الأزمات المتلاحقة، بما فيها التصعيد مع إيران، أنَّ دول الخليج ما زالت ترى في المظلة الأمنية الأميركية الضامن النهائي للاستقرار.

أما الصين، فقد اختارت طريقًا مختلفًا. فهي لا تبني تحالفات عسكرية، ولا تسعى إلى نشر قواعد عسكرية واسعة، بل تستثمر في الموانئ، والطاقة، والسكك الحديدية، والاتصالات، وسلاسل الإمداد. وحتى في علاقتها الوثيقة مع إيران، بقيت حريصة على ألّا تتحوّل إلى شريكٍ عسكري أو أمني.

وهذا ليس دليلًا على ضعفها بقدر ما يعكس فلسفة مختلفة لإدارة النفوذ.

فبكين تُدرِكُ أنَّ ازدهارها الاقتصادي لا يحتاج إلى أن ترث الدور العسكري الأميركي، بل إلى استمرار النظام الذي يحمي التجارة العالمية. ولذلك فإنها، على نحوٍ متناقض، تستفيد من النظام الأمني الذي تقوده الولايات المتحدة أكثر مما تنافسه.

هذه الحقيقة تكشفها إيران أيضًا.

فلو أُغلق مضيق هرمز، أو تعطلت الملاحة في الخليج، فإنَّ الصين ستكون من أكثر المتضرّرين. لكنها، في الوقت نفسه، لا تملك حتى الآن الأدوات العسكرية التي تُمكِّنها من حماية هذه الممرّات بمفردها. وهذا يعني أنَّ القوة الاقتصادية الثانية في العالم لا تزال تعتمد، بدرجة كبيرة، على منظومة أمنية تقودها القوة العسكرية الأولى.

إنها مفارقة يصعب تجاهلها. لكنها لا تعني أنَّ الولايات المتحدة هي الرابح المطلق.

ففي مقابل تفوُّقها العسكري، تواجه واشنطن تراجُعًا نسبيًا في قدرتها على التأثير السياسي. فمن العراق إلى أفغانستان، ومن الحرب في غزة إلى التصعيد مع إيران، تآكلت صورة الولايات المتحدة لدى قطاعاتٍ واسعة من الرأي العام في المنطقة. وفي المقابل، نجحت الصين في ترسيخ صورة الشريك الاقتصادي الذي يفضّل الاستثمار على التدخُّل، والتجارة على الاصطفاف السياسي.

وهنا تكمن المفارقة الثانية.

فالولايات المتحدة لا تزال المزوّد الرئيسي للأمن الإقليمي، بينما أصبحت الصين الشريك الاقتصادي الأكبر لكثير من دول المنطقة. وكلتاهما تحتاج إلى الأخرى أكثر مما تعترف بذلك.

ولعلَّ أكثر مَن أدرك هذه الحقيقة هي دول الشرق الأوسط نفسها.

فالسعودية والإمارات وقطر ومصر لم تعد ترى نفسها مضطرة للاختيار بين واشنطن وبكين. فهي تعتمد على الولايات المتحدة في الأمن، لكنها تعتمد على الصين في التجارة والاستثمار والتكنولوجيا. وحتى في التعامل مع إيران، لا تريد هذه الدول حربًا شاملة، كما لا تريد في الوقت نفسه فراغًا أمنيًا يُهدّدُ استقرارها.

إنها لا تمارس سياسة توازن بين قوتين عظميين، بل سياسة استقلال عن الاستقطاب نفسه.

ولهذا تبدو الدعوات المتكررة إلى إجبار دول المنطقة على الانحياز إلى أحد المعسكرين بعيدة من الواقع. فالعالم الذي تشكّلَ بعد الحرب العالمية الثانية يتغيّر، ودول الشرق الأوسط تُدركُ أنَّ تعظيم مصالحها يمرُّ عبر تنويع الشراكات، لا الارتهان لشريكٍ واحد.

ولعل الخطأ الأكبر في الحديث عن “الحرب الباردة الجديدة” أنه يفترض أن نجاح أحد الطرفين يقتضي هزيمة الآخر. لكن الشرق الأوسط يقدم صورة مختلفة تمامًا. فالولايات المتحدة لا تستطيع الحفاظ على استقرار المنطقة بالقوة العسكرية وحدها، والصين لا تستطيع حماية مصالحها الاقتصادية بالاستثمارات وحدها. وإيران، بما تمثله من تحدٍ أمني وجيوسياسي، تذكّر الطرفين بأنَّ الاستقرار ليس خدمة يقدمها أحدهما للآخر، بل مصلحة مشتركة لا يستطيع أيٌّ منهما الاستغناء عنها.

لقد اعتدنا النظر إلى الشرق الأوسط باعتباره ساحةً تتنافس فيها القوى الكبرى. لكن ربما يكون الوصف الأدق اليوم أنه المنطقة التي تفرض على هذه القوى قدرًا من التعايش، حتى وهي تتنافس. فالفوضى في الشرق الأوسط لم تعد تهدّد دوله وحدها، بل أصبحت تهدّد النظام الاقتصادي العالمي بأسره. ولهذا، فإنَّ التنافس بين واشنطن وبكين قد يشتد، لكنه يظل تنافسًا لا يحتمل الفوضى.

  • كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى