الحرب لم تَعُد تُطِيعُ الجنرالات
كابي طبراني*
لم تَعُد الحروب الحديثة تُقاس بعدد الدبابات أو الطائرات أو الصواريخ التي يمتلكها كل طرف، ولا حتى بحجم الدمار الذي تُحدِثه في ساحات القتال. فالحروب التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة، من أوكرانيا إلى غزة، ومن البحر الأحمر إلى المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، كشفت تحوُّلًا أعمق في مفهوم القوة العسكرية نفسها. لم يعد السؤال: مَن يملك القوة الأكبر؟ بل: مَن يملك القدرة الأسرع على التكيُّف مع حربٍ تتغيَّر قواعدها باستمرار؟
طوال القرن الماضي، دخلت الجيوش الحروب وهي تستندُ إلى عقائد قتالية مُستقرّة نسبيًا، تُبنى على خبرات الحروب السابقة وتُترجَم إلى خططٍ واضحة لإدارة المعركة. وكان نجاح أي جيش يعتمد، إلى حد كبير، على جودة التخطيط وكفاءة التنفيذ. أما اليوم، فلم تَعُد الخطة سوى نقطة البداية، لأنَّ الحرب نفسها أصبحت تتغيّر بوتيرةٍ أسرع من قدرة الخطط على مواكبتها.
وهذا لا يعني أنَّ مبادئ الحرب التقليدية فقدت قيمتها، فالتفوُّق في القوّة النارية، والسيطرة على الأرض، وحماية خطوط الإمداد، وإحكام القيادة والسيطرة، لا تزال جميعها عناصر أساسية في أيِّ مواجهة عسكرية. لكن ما تغيّر هو أنها لم تعد تكفي وحدها لتحقيق النصر. فالحرب الحديثة أصبحت أكثر تعقيدًا وتشابكًا من أن تُدار وفق نموذج ثابت أو سيناريو مُعَد سلفًا.
لقد تغيّرت بيئة الحرب نفسها. فالقائد العسكري لم يعد يدير مواجهة بين جيشين فقط، بل يتعامل في الوقت نفسه مع الأقمار الاصطناعية، والذكاء الاصطناعي، والهجمات السيبرانية، والطائرات المُسيّرة، وسلاسل الإمداد العالمية، وأسواق الطاقة، والإعلام الرقمي، والرأي العام، والبيانات الآنية. وأصبح أيُّ تغييرٍ في أحد هذه العناصر قادرًا على فرض تعديل فوري في الخطة العسكرية، مهما بلغت دقتها.
ولعلَّ هذا ما يجمع بين الحروب الأربع الأخيرة، رُغمَ اختلاف أطرافها وسياقاتها. ففي أوكرانيا، فرض الانتشار الكثيف للطائرات المسيّرة إعادة النظر في كثير من مفاهيم المناورة والحماية، وأظهرت الحرب أنَّ أسلحةً مُنخَفِضة الكلفة تستطيع استنزاف منظومات دفاعية باهظة الثمن. وفي البحر الأحمر، أجبرت هجمات جماعة الحوثيين قوى بحرية كبرى على تعديل انتشارها وأساليب عملها لحماية أحد أهم الممرات التجارية في العالم. أما في غزة، فقد أثبتت المعارك أنَّ السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة السيطرة على مسار الحرب، وأنَّ البيئة الحضرية والأنفاق والمعلومات أصبحت عوامل لا تقل أهمية عن التفوُّق العسكري التقليدي.
ثم جاءت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران لتضيف بُعدًا جديدًا لهذا التحوُّل. فقد أظهرت الولايات المتحدة تفوُّقًا عسكريًا واضحًا، لكنها وجدت نفسها أمام خصمٍ يُدرك أنَّ مجاراتها وفق قواعد الحرب التقليدية أمرٌ غير ممكن. لذلك لم يحاول خوض المعركة بالشكل الذي يريده خصمه، بل سعى إلى تغيير طبيعة المعركة نفسها، مُتنقلًا بين الصواريخ والطائرات المسيّرة، والضغط على الملاحة البحرية، والتأثير في أسواق الطاقة، واستخدام الحرب النفسية والإعلامية. وبغض النظر عن تقييم نتائج المواجهة، فإنَّ اللافت أنَّ جميع الأطراف كانت تُعيد تعديل خططها وأساليبها بصورة متواصلة، وكأنَّ الحرب أصبحت عملية تَعَلُّم مستمرّة أكثر منها تنفيذًا لخطة جاهزة.
وهنا يكمن التحوُّل الحقيقي. فلم يعد التفوُّق العسكري يُقاس بما تمتلكه الدولة من أسلحة فقط، بل بقدرتها المؤسّسية على استيعاب المتغيّرات وإعادة تنظيم نفسها بسرعة. لقد انتقل مركز الثقل في القوة العسكرية تدريجًا من امتلاك السلاح إلى امتلاك القدرة على التكيّف. فالجيوش التي تتعلّم أسرع، وتعدّل تكتيكاتها بسرعة، وتدمج التكنولوجيا بمرونة، وتستخلص الدروس وهي لا تزال تقاتل، باتت تملك أفضلية قد لا تقل أهمية عن امتلاك أحدث المنظومات القتالية.
ومن هنا، لم تعد التكنولوجيا مجرّد أداة جديدة في الحرب، بل أصبحت العامل الذي يسرّع إيقاعها إلى درجة تجعل العقائد العسكرية التقليدية تتقادم بسرعة غير مسبوقة. ففي الماضي، كانت الجيوش تستخلص الدروس بعد انتهاء الحرب، ثم تُعيدُ بناء عقائدها استعدادًا للحرب التالية. أما اليوم، فإنَّ الدروس تُولد أثناء المعركة نفسها، وقد تصبح الخطة التي وُضِعَت قبل أسبوع بحاجة إلى إعادة كتابة كاملة بعد أيام قليلة.
وهذا يعني أنَّ الجيوش لم تعد وحدها مَن تخوض الحروب. فشركات التكنولوجيا، ومصانع الذخيرة، ومراكز البحث العلمي، ومهندسو البرمجيات، وخبراء الأمن السيبراني، وشبكات الاتصالات، أصبحت جميعها جُزءًا من القوة العسكرية للدولة. فالحرب الحديثة لم تعد صراعًا بين جيوش فقط، بل بين منظومات وطنية متكاملة، تتداخل فيها الصناعة والاقتصاد والابتكار مع القوة العسكرية في معادلة واحدة.
وربما يكون الخطأ الأكبر الذي قد تقع فيه الدول اليوم هو الاستعداد للحرب المقبلة بعقليات الحرب الماضية. فالتاريخ العسكري لم يكن يومًا تاريخ الأسلحة وحدها، بل تاريخ الدول التي أدركت مبكرًا أنَّ طبيعة الحرب قد تغيّرت. أما الدول التي تمسّكت بالمفاهيم القديمة طويلًا، فقد دفعت ثمن ذلك في ميادين القتال.
لذلك، فإنَّ الدرس الأهم الذي تتركه الحروب الأخيرة لا يتمثل في أنَّ الدبابات أو الطائرات أو الصواريخ فقدت قيمتها، بل في أنَّ القوة العسكرية لم تعد مفهومًا جامدًا. فالمعركة المقبلة لن يحسمها بالضرورة الجيش الذي يمتلك أكبر ترسانة، بل المؤسسة العسكرية الأكثر قدرة على التعلّم، والأسرع في التكيّف، والأقدر على إعادة تعريف أساليبها قبل أن يفرض الخصم عليها ذلك. وفي عالمٍ تتغيَّر فيه طبيعة الحرب بوتيرة غير مسبوقة، قد لا يكون السلاح الأكثر تطورًا هو العامل الحاسم، بل العقل الأكثر مرونة.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: www.gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani



