ثلاثةُ تصدُّعات ونهاية “السلام الأميركي” في الشرق الأوسط
مايكل يونغ*
بينما تتخبط الولايات المتحدة في حربها مع إيران، يواصل دونالد ترامب، ببراعته المعهودة في صناعة الصورة السياسية الوهمية، محاولة إقناع الأميركيين وغيرهم بأنَّ العملية العسكرية التي يقودها تنطوي على نصرٍ كبير، رغم الكلفة الباهظة التي ترتبت عليها. غير أنَّ ما يجري قد يحمل نتيجة أبعد من حسابات الحرب نفسها: تسريع الانتقال بعيدًا من حقبة “السلام الأميركي” (Pax Americana) التي حكمت توازنات الشرق الأوسط لعقود.
فالنظام الإقليمي الذي رعته واشنطن قام، في جانبٍ أساسي منه، على شبكة من الترتيبات الأمنية التي ترسّخت بعد انتهاء الحرب الباردة، مستفيدة من لحظة الأحادية الأميركية ومن تفوق الولايات المتحدة شبه المنفرد في المنطقة. لكن هذا النظام بات يواجه تصدعات عميقة، كشفتها بصورة متزايدة الحرب في غزة، ثم المواجهة الأميركية ـ الإسرائيلية مع إيران وما رافقها من حديث عن تغيير النظام في طهران. ويمكن تلمّس ثلاثة تصدعات رئيسية باتت تضرب الأسس التي استند إليها ذلك النظام.
أول هذه التصدعات أخلاقي. فالقتل والدمار المستمران في غزة، في ظل الدعم العسكري والسياسي الذي تقدمه الولايات المتحدة وحلفاء آخرون لإسرائيل، رسّخا لدى قطاعات واسعة في الشرق الأوسط قناعة بأنَّ النظام الذي تقوده واشنطن في المنطقة يمنح أمن إسرائيل ورفاهها أولوية تتقدم على أمن شعوب المنطقة وحقوقها، وفي مقدمتها حقوق الفلسطينيين. وفي هذا السياق، وصف الكاتب الهندي بانكاج ميشرا ما جرى في غزة بأنه يمثل “قطيعة نهائية في التاريخ الأخلاقي للعالم منذ نقطة الصفر عام 1945″، مستعيدًا كذلك توصيف جورج أورويل للقضية الفلسطينية بأنها “قضية لون”.
وبالنسبة إلى كثير من العرب، لم يفقد هذا التوصيف دلالته. فغزة أعادت بقوة إلى الواجهة السؤال عن مدى عالمية منظومة حقوق الإنسان التي تتبناها الدول الغربية، وعن سبب اختلاف مستوى الغضب السياسي والأخلاقي باختلاف هوية الضحايا. والمقارنة التي تفرض نفسها لدى كثيرين هي بين الموقف الغربي من الإسرائيليين الذين استُهدفوا في هجمات 7 تشرين الأول (أكتوبر)، أو من الأوكرانيين منذ اندلاع الحرب مع روسيا، وبين الموقف من الفلسطينيين وما تعرضوا له في غزة. وتزداد هذه الصورة قتامة مع التصريحات المتكررة لمسؤولين إسرائيليين بشأن إخراج الفلسطينيين من القطاع، ومن بينها تصريحات لوزير الدفاع يسرائيل كاتس تحدث فيها عن استعداد حكومته لتسهيل مغادرتهم “بحرًا وجوًا وبكل وسيلة ممكنة”.
وهنا يبرز تناقض يصعب على واشنطن تجاوزه: كيف يمكنها أن تؤسس نظامًا أمنيًا مستدامًا في الشرق الأوسط إذا كانت قدرتها على توفير الأمن لحلفائها وشركائها موضع تساؤل، فيما تتسع في الوقت نفسه الفجوة بينها وبين قطاعات واسعة من شعوب المنطقة في النظرة إلى العدالة والحقوق؟ من هذه الزاوية، لا تبدو أزمة “السلام الأميركي” وليدة الحرب الراهنة وحدها، بل نتيجة هشاشة تراكمت داخل النظام نفسه على مدى سنوات.
وكانت السعودية قد اختبرت جانبًا من هذه الهشاشة في أيلول (سبتمبر) 2019، عندما تعرّضت منشآت “أرامكو” في بقيق وخريص لهجوم واسع من دون أن يقابله رد عسكري أميركي مباشر. وقد عمّق ذلك في الرياض التساؤلات حول حدود المظلة الأمنية الأميركية، ودفعها تدريجًا إلى توسيع خياراتها بدل الارتهان لمسار واحد. وجاء الاتفاق السعودي ـ الإيراني الذي رعته الصين في آذار (مارس) 2023، وأعاد العلاقات الديبلوماسية بين البلدين، تعبيرًا واضحًا عن هذا التحول. فلم يكن المقصود منه استبدال الولايات المتحدة بالصين أو التخلي عن الشراكة مع واشنطن، بقدر ما كان مؤشرًا إلى أنَّ السعودية لم تعد مستعدة لوضع جميع أوراقها الاستراتيجية في سلة أمنية واحدة.
مثّل اتفاق بكين أيضًا اعترافًا سعوديًا ضمنيًا بأنَّ سياسة عزل إيران، أو الرهان على إحداث تغيير جذري في نظامها السياسي، لم تحقق النتائج التي سعت إليها الولايات المتحدة على مدى عقود. وهكذا، أضيف إلى “الصدع الأخلاقي” الذي أصاب صورة النظام الأميركي في المنطقة ما يمكن وصفه بـ”صدع استراتيجي” أخذ يتسع تدريجًا. ومع ذلك، لم يكن التحول السعودي قطيعة مع واشنطن؛ فقد واصلت الرياض السعي إلى الحصول على التزام أميركي أكثر رسوخًا بأمنها. لكن التطورات اللاحقة، وما كشفته المواجهة الأخيرة مع إيران من هشاشة البنية العسكرية الأميركية المنتشرة عبر شبكة واسعة من القواعد في المنطقة، عمّقت الشكوك في قدرة هذه البنية على توفير الحماية التي أُنشئت من أجلها.
لهذا لم تتخلَّ السعودية، بعد اتفاق بكين، عن فكرة الحصول على ضمانات أمنية أميركية. ففي المفاوضات التي سبقت حرب غزة بشأن احتمال تطبيع العلاقات مع إسرائيل، برز مطلبان سعوديان أساسيان: اتفاق دفاعي مع الولايات المتحدة، ودعم أميركي لبرنامج نووي مدني سعودي. غير أنَّ حرب غزة وما رافقها من دمار واسع وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا الفلسطينيين جمّدا هذا المسار عمليًا، إذ أصبح من الصعب سياسيًا على الرياض المضي في اتفاق مع إسرائيل في ظل الغضب الشعبي العربي الواسع، والاتهامات الدولية المتصاعدة لإسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في القطاع.
كان الرهان الأميركي على انضمام السعودية إلى “اتفاقيات أبراهام” يتجاوز في أهميته مجرد إضافة دولة عربية أخرى إلى مسار التطبيع. فالسعودية، بثقلها السياسي والديني والاقتصادي، كانت قادرة على منح المشروع شرعية إقليمية لا توفرها الاتفاقات القائمة وحدها. ومن منظور واشنطن، كان توسيع المصالحة العربية ـ الإسرائيلية جزءًا من تصور أوسع لنظام إقليمي يسمح للولايات المتحدة بتقليص انخراطها العسكري المباشر، من دون خسارة نفوذها أو قدرتها على التأثير. وفي قلب هذا التصور كانت إسرائيل، بما تملكه من تفوق عسكري وتكنولوجي، مرشحة للاضطلاع بدور أمني متقدم، فيما تتفرغ واشنطن بصورة أكبر لمنافسة الصين على المستوى العالمي.
لكن حرب غزة قلبت كثيرًا من هذه الحسابات. فمع حديث بنيامين نتنياهو عن “شرق أوسط جديد”، بدأت بعض دول المنطقة تنظر بقدر أكبر من القلق إلى طبيعة النظام الإقليمي الذي يمكن أن ينشأ إذا اقترنت إعادة التموضع الأميركية بتوسّع حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية. ولم تعد المسألة مقتصرة على غزة؛ فقد امتدت العمليات والتحركات الإسرائيلية إلى ساحات أخرى، من لبنان وسوريا إلى قطر، فيما أضاف الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال بُعدًا جديدًا إلى الحضور الإسرائيلي عند مدخل البحر الأحمر، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية بالنسبة إلى السعودية ودول المنطقة. وجاءت المواجهة مع إيران لتضيف مستوى آخر من عدم اليقين بشأن الاتجاه الذي يمكن أن يقود إليه هذا الترتيب الإقليمي.
ولا يتعلق القلق هنا بإسرائيل وحدها، بقدر ما يتعلق بموقع القوى الإقليمية الكبرى داخل النظام الذي يجري تشكيله. فالسعودية وتركيا ومصر وغيرها من الدول ذات الثقل لا ترى مصلحة لها في الاكتفاء بأدوار ثانوية ضمن ترتيبات تُصاغ أساسًا في واشنطن وتل أبيب، ولا في نقل اعتمادها الأمني من مظلة أميركية إلى أخرى تكون إسرائيل محورها الأساسي. ومن هنا يظهر الصدع الثالث في النظام الأميركي: تراجع القبول بالافتراض الذي ساد منذ نهاية الحرب الباردة بأنَّ الطريق إلى أي نظام إقليمي قابل للحياة لا بد أن يمر عبر أطر تضع الولايات المتحدة قواعدها وتحدد حدودها. فالقضية لم تعد بالنسبة إلى هذه الدول مجرد اختيار الحليف الذي يوفر الحماية، بل المطالبة بدور أكبر في تحديد طبيعة النظام الإقليمي نفسه والقواعد التي تحكمه.
وجاءت إحدى أبرز نتائج هذا التحول في “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” التي وقعتها السعودية وتركيا وباكستان في السابع من آب (أغسطس) الماضي. وقد سارع البعض إلى قراءة الاتفاقية باعتبارها موجهة ضد دول بعينها، أو بوصفها إعلانًا عن ابتعاد الدول الثلاث من الولايات المتحدة. غير أنَّ دلالتها الأعمق قد تكمن في اتجاه مختلف: محاولة وضع حجر أساس لبنية أمنية إقليمية جديدة تقوم على منع انفراد أي قوة بالهيمنة على المنطقة، وعلى بناء توازن بين القوى الرئيسية بدل إحلال مركز إقليمي مهيمن محل آخر. ومن هذا المنظور، لا تشكل الاتفاقية قطيعة مع واشنطن بقدر ما تعكس بحثًا متزايدًا عن ترتيبات أمنية لا تعتمد حصرًا على المظلة الأميركية، ولا تجعل إسرائيل محور النظام الإقليمي المقبل.
وهنا يكمن الفارق بين تصورين لمستقبل الشرق الأوسط. الأول يقوم على إعادة تنظيم المنطقة حول التفوق العسكري الإسرائيلي، مع احتفاظ الولايات المتحدة بدور الضامن الخارجي وتقليص وجودها المباشر تدريجًا. أما الثاني، الذي توحي به التحركات الإقليمية الأخيرة، فيقوم على توازن بين قوى متعددة لا تستطيع إحداها فرض إرادتها منفردة على الآخرين. وإذا أمكن لهذا التوازن أن يتحول من تفاهمات ظرفية إلى مؤسسات وآليات مستدامة، فقد يشكل بداية انتقال فعلي من نظام “السلام الأميركي” (Pax Americana) إلى نظام إقليمي أكثر تعددية، تتحمل فيه دول المنطقة نفسها نصيبًا أكبر من مسؤولية حفظ التوازن والأمن.
لكن هل تستطيع هذه الصيغة النجاح؟ من المبكر تقديم إجابة حاسمة. فما ينشأ اليوم ليس نظامًا إقليميًا مكتملًا بقدر ما هو بحث عن بديل لنظام تتراجع قدرته على أداء الوظائف التي قام عليها. والواضح أنَّ دولًا رئيسية في المنطقة لم تعد مستعدة للاعتماد على الولايات المتحدة وحدها لضمان أمنها أو تحديد شكل التوازن الإقليمي. وقد أسهمت سياسات بنيامين نتنياهو، والحرب مع إيران التي انخرطت فيها إدارة ترامب، في تسريع هذا التحول، بعدما كشفت المواجهة حدود القوة العسكرية في إنتاج نظام سياسي مستقر، وحدود الرهان على إضعاف إيران باعتباره مدخلًا تلقائيًا إلى شرق أوسط أكثر أمنًا.
ولعل المفارقة أنَّ إيران نفسها، التي تنظر إليها دول عديدة في المنطقة بوصفها مصدرًا للتهديد وعدم الاستقرار، أسهمت بصمودها في مواجهة الضغوط العسكرية في تقويض الرهان على إمكان إعادة تشكيل الشرق الأوسط بالقوة وحدها. وبذلك لم تحقق الحرب حتى الآن التصور الذي قام عليه حلم “الشرق الأوسط الجديد” كما طرحه نتنياهو؛ بل ربما عجّلت بنتيجة معاكسة تمامًا: دفع القوى الإقليمية إلى البحث عن توازنات وترتيبات خاصة بها، بعيدًا من فكرة أنَّ أمن المنطقة يمكن أن تحدده قوة خارجية أو قوة إقليمية واحدة.
وهنا قد تكمن المفارقة الأكبر في الحرب كلها. فقد دخلها ترامب وهو يريد إثبات أنَّ الولايات المتحدة لا تزال قادرة على إعادة تشكيل الشرق الأوسط بالقوة، فيما قد تكون النتيجة تسريع إدراك دول المنطقة أنَّ عليها أن تتولى بنفسها دورًا أكبر في تشكيل النظام الذي سيأتي بعد “السلام الأميركي”. والسؤال لم يعد، إذن، ما إذا كانت واشنطن ستغادر الشرق الأوسط، فهي ستظل قوة أساسية فيه، بل ما إذا كانت دول المنطقة مستعدة بعد الآن لأن تترك لواشنطن وحدها تحديد قواعده وحدوده وتوازناته.
- مايكل يونغ هو مُحرّرٌ كبير في مركز مالكولم كير كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيثُ يرأس تحرير مدوّنة “ديوان” التابعة للمركز. وهو كاتب رأي في الشؤون اللبنانية في صحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية، ومؤلف كتاب “أشباح ساحة الشهداء: رواية شاهد عيان عن كفاح لبنان في الحياة” (دار سايمون وشوستر، 2010)، الذي اختارته صحيفة “وول ستريت جورنال” كواحدٍ من الكتب العشرة البارزة لعام 2010. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @BeirutCalling
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.
- يستند هذا المقال إلى عرض قدمه المؤلف مؤخرًا في مؤتمر حول الشرق الأوسط نظمته مجموعة الاشتراكيين والديموقراطيين في البرلمان الأوروبي.



