خطة إسرائيلية لاحتلال دمشق: لماذا كان لبنان على خريطة الحرب؟
خريطة عسكرية إسرائيلية وُضعت قبل حرب 1973 تكشف أن الطريق إلى دمشق كان يمرّ، في أحد السيناريوهات، عبر لبنان. وبعد أكثر من نصف قرن، تعيد التهديدات الإسرائيلية الحالية السؤال نفسه: هل يستطيع لبنان البقاء خارج حربٍ تضعه خرائط الآخرين في قلبها؟

السفير الدكتور بسام النعماني*
نشرت إحدى الصحف اللبنانية، نقلًا عن موقع “واللا” العبري، تسريبات تشير إلى احتمال توسيع العمليات العسكرية الإسرائيلية في سوريا، تضمّنت حديثًا عن طرح فكرة “غزو دمشق”. وبحسب الموقع، فإنَّ توسيع العمليات داخل الأراضي السورية قد يشمل القرى والمناطق الفاصلة بينها، بما يعني عمليًا التقدم شرقًا من محور السويداء–الجولان–جبل الشيخ في اتجاه العاصمة السورية. وأضاف “واللا” أنَّ عددًا كبيرًا من الجنود الإسرائيليين أبدوا، خلال زيارة قام بها رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زمير إليهم قبل أسبوعين، رغبتهم في “التقدم نحو دمشق”، بل إنَّ فكرة “غزو” العاصمة السورية طُرحت أيضًا، بدلًا من الاكتفاء بالتقدم نحوها وتهديدها، كما حدث في حرب 1973.
وكنتُ قد نشرت في العام 2024 خريطة إسرائيلية مأخوذة من أطلس عسكري كبير الحجم صدر في العام 1983، أي بعد عشر سنوات على اندلاع حرب 1973، وضم نحو 82 خريطة وبيانًا معلوماتيًا عن تلك الحرب. وكان الأطلس عند صدوره مصنَّفًا “سريًا”، ومخصصًا لقيادات الأركان فقط، فيما حذرت حواشيه من تداوله خارج دائرة الأشخاص المخوَّلين الاطلاع عليه. وطُبع منه نحو ألف نسخة مرقمة بصورة منفردة، وحمل بالعبرية عنوانًا مبسطًا هو “حرب يوم كيبور”. إلّا أنَّ نسخة منه تسربت لاحقًا من أحد الذين حصلوا عليه، قبل أن تجد طريقها إلى الإنترنت. ولعل مرور نصف قرن على حرب تشرين الأول (أكتوبر) ساهم في رفع جانب من السرية التي أحاطت بوثائقها، ولا سيما أنَّ الذكرى الثالثة والخمسين للحرب تحل بعد ثلاثة أسابيع من اليوم. ففي الذكرى الخمسين، في العام 2023، سمحت الرقابة العسكرية الإسرائيلية بنشر نحو 42 خريطة من أصل 82، أي ما يقارب نصف خرائط الأطلس، بعدما اعتبرت أن نشرها لم يعد يشكل خطرًا على الأمن القومي الإسرائيلي. وظهرت هذه الخرائط بصورة متفرّقة ضمن سَيلٍ من المذكرات والكتب والوثائق والمعلومات التي نُشرت في مناسبة الذكرى، لكن هذا التراخي في القيود الرقابية فتح الباب أيضًا أمام بعض المدوّنات الإلكترونية لتسريب مجموعة الأطلس بكاملها.
خريطة سرية لاحتلال دمشق
ما استوقفني في هذا الأطلس تحديدًا خريطة واحدة تتعلق بعملية عسكرية حملت الاسم الكودي “Coyote” أو “القيوط”. والمفارقة أنَّ القيوط فصيلة من الذئاب موطنها أميركا الشمالية، وهي أصغر حجمًا من الذئاب المعروفة وأقرب في شكلها إلى الثعالب. وهنا يطرح الاسم سؤالًا بحد ذاته: هل اختيرت هذه التسمية، والتسميات الكودية غالبًا ما تحمل دلالات ورموزًا يقصدها واضعوها، تمهيدًا لعرض الخطة على الأميركيين والحصول على موافقتهم عليها؟ لا نملك جوابًا قاطعًا، ولن نعرف الغرض الحقيقي من اختيار الاسم ما لم تكشف وثائق إضافية أو يتحدث أحد الذين شاركوا في وضع الخطة.
أما ما تكشفه الخريطة بوضوح، فهو أنَّ خطة “القيوط” وُضعت في أيار (مايو) 1973، وفق التاريخ المثبت عليها، أي قبل اندلاع الحرب بنحو خمسة أشهر، وأنَّ هدفها كان احتلال دمشق ثم مواصلة التقدم شمالًا نحو القطيفة، الواقعة على مسافة نحو 25 كيلومترًا شمال دوما وحوالى 40 كيلومترًا شمال العاصمة السورية. ويبقى السؤال: لماذا اختيرت القطيفة تحديدًا لتكون الحد الشمالي الأقصى للتقدم وفق الخطة الإسرائيلية؟ هنا لا نملك سوى التحليل والتكهُّن. فمن الناحية الجغرافية، يقع هذا الحد على خط أفقي إذا امتد غربًا يصل تقريبًا إلى رياق في سهل البقاع، بما يتيح، وفق هذا التصور، إحكام السيطرة الإسرائيلية على طريق دمشق–بيروت بكامله.
ما الخصائص التي اعتمدتها خطة “Coyote” في العام 1973؟ يكتسب هذا السؤال أهمية خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أنَّ دمشق تعرّضت، خلال القرن العشرين، للغزو والاحتلال من الجنوب والشرق أكثر من مرة. ففي كانون الأول (ديسمبر) 1918، تقدمت القوات البريطانية من جبهة الجولان نحو دمشق، فيما ساندتها القوات العربية الفيصلية الآتية من جهة درعا. بل إنَّ القوات العربية سبقت الجيش البريطاني إلى دخول العاصمة بيوم واحد، وهو ما اعتبره قائد الحملة، الجنرال إدموند آلنبي، فشلًا ضمنيًا له. وفي تموز (يوليو) 1920، دخلت قوات الجنرال غورو دمشق من جهة الشرق، عبر عنجر والبقاع. ثم تكرر المشهد في حزيران (يونيو) 1941، عندما دخلت قوات الحلفاء والديغوليين العاصمة وأسقطت حكومة فيشي، بعد تقدمها من محور مرجعيون–عنجر في البقاع الغربي، ومن محور ثانٍ عبر القنيطرة، فيما ساندتها من محور ثالث قوات إمارة شرق الأردن، أي الفيلق العربي، الآتية من جهة درعا، على غرار ما حدث في الحرب العالمية الأولى.
وفي حرب حزيران (يونيو) 1967، شهد الجيش السوري انهيارًا كبيرًا في اليوم السادس والأخير من العمليات العسكرية، أعقبه انسحاب متسرّع وشامل من دون مقاومة تُذكر، في مشهد شبيه بما كان قد حدث في سيناء في اليوم الثالث من الحرب. وخشيت الحكومة السورية آنذاك أن يواصل الإسرائيليون تقدمهم نحو دمشق، ولا سيما في ضوء التهديدات التي كان رئيس الأركان يومها إسحق رابين قد أطلقها قبل الحرب، إلى حدٍّ أنَّ قائد جبهة الجولان وعددًا من أعضاء الحكومة فرّوا إلى حماة. إلّا أنَّ الجيش الإسرائيلي توقف بعد وصوله إلى الخط الذي جرى الاتفاق عليه دوليًا، والممتد من جبل الشيخ شمالًا إلى الحمة جنوبًا. وفي حرب 1973، وبعد تدمير القوات السورية المدرّعة التي اقتحمت الجولان، تقدم الإسرائيليون في اتجاه مدينة سعسع إلى عمق بلغ نحو 32 كيلومترًا داخل الأراضي السورية، ولم تعد تفصلهم عن دمشق سوى مسافة مماثلة تقريبًا، أي نحو 34 كيلومترًا. لكن تقدمهم توقف عند تل شمس، خصوصًا بعدما بدأت القوات العراقية والأردنية مساندة الجيش السوري من الجهة الجنوبية للجبهة، أي من محور درعا.
ثلاث مراحل للإطباق على دمشق
وفي هذا السياق، وضعت خطة “Coyote” الإسرائيلية للعام 1973 تصوُّرًا لتنفيذ العملية على ثلاث مراحل زمنية متتابعة. ففي المرحلة الأولى، كان من المقرر أن تدخل الفرقة الثانية مشاة من إصبع الجليل في اتجاه مرجعيون والبقاع الغربي، وأن تواصل تقدّمها حتى خط يقع شمال جب جنين، أي إلى عمق نحو 60 كيلومترًا داخل سهل البقاع. وفي الوقت نفسه، كان على الفرقتين الإسرائيليتين السادسة والثلاثين والمئة وأربع وستين مشاة الاكتفاء بالمناورة بقواتهما أمام خط الهدنة شمال القنيطرة، من دون الانتقال إلى احتلال الأرض. واللافت أنَّ هذا الأسلوب، القائم على الدخول والخروج والتحرك الميداني من دون احتلال دائم، يشبه إلى حد بعيد التكتيك الذي تتبعه إسرائيل اليوم في “المناطق الصفراء” في لبنان، وكذلك في مناطق جبل الشيخ والسويداء وريف دمشق في سوريا، بما يمكن اعتباره مناورة استباقية تتيح التمهيد لعمليات هجومية مستقبلية.
ومع انتهاء المرحلة الأولى، تبدأ المرحلة الثانية بتقدم إسرائيلي على محورين متوازيين: تتحرّك الفرقتان المتمركزتان أمام القنيطرة في اتجاه الكسوة مرورًا بالصنمين، إلى عمق يقارب 50 كيلومترًا، فيما تتحرك الفرقة الثانية من جب جنين مسافة نحو 25 كيلومترًا لتتوقف عند بلدة مجدل عنجر. أما المرحلة الثالثة والأخيرة، فتقوم على إطباق الفرق الثلاث، من الشرق والجنوب وفي توقيت متزامن، على دمشق، بعدما تكون المسافة الفاصلة بينها وبين العاصمة قد تقلصت إلى نحو عشرة كيلومترات فقط، بالتوازي مع دفع رتل عسكري مستقل في اتجاه القطيفة.

خريطة عملية “Coyote” التي جهزتها هيئة الأركان الإسرائيلية في أيار (مايو) 1973 لاحتلال دمشق كما نُشِرَت بالعبرية في الأطلس العسكري السري في 1983.

خريطة عملية “القيوط” لاحتلال دمشق في العام 1973 بعد ترجمة الشروح إلى العربية وإظهار بعض المعالم الجغرافية.
في الختام، لا بد من توجيه ملاحظة إلى المسؤولين اللبنانيين تتعلق بمنهجية التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي وما يمكن أن تكشفه الخرائط أحيانًا عن هذا التفكير. فالأطلس العسكري الإسرائيلي الذي تناول حرب 1973 يضم نحو 82 خريطة وبيانًا، لكن اللافت أنَّ بين هذا العدد الكبير خريطتين افتراضيتين فقط. الأولى تتعلق بعملية “غرانيت 2″، أي الخطة المصرية السرية لعبور قناة السويس. وفي المقابل، لا يتضمن الأطلس، على سبيل المثال، خريطة افتراضية تظهر استعدادًا إسرائيليًا لعبور قناة السويس غربًا والتقدم نحو القاهرة، أو التحرك شمالًا وشرقًا لمحاصرة الجيشين المصريين الثاني والثالث. ومع معرفتنا بمنهجية التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، يصعب الاعتقاد بأنَّ خططًا وخرائط من هذا النوع لم تكن موجودة أو مُعَدّة سلفًا، لكنها، في كلِّ الأحوال، لم تُكشف ولم تُنشر ضمن هذا الأطلس.
أما الخريطة الافتراضية الثانية فهي خطة ” Coyote” لاحتلال دمشق. وما يستحق التوقف عنده هنا أنَّ التسلسل الزمني للعملية، كما تُظهره الخريطة، يبدأ بدخول القوات الإسرائيلية إلى سهل البقاع اللبناني قبل الشروع في المناورات العسكرية أمام هضبة الجولان. وإذا كان من المنطقي الافتراض أنَّ لدى إسرائيل خططًا أخرى لحربٍ محتملة مع سوريا أو لاحتلال مساحات واسعة من أراضيها، فإنَّ سؤالًا أساسيًا يطرح نفسه ولا أجد له جوابًا شافيًا: لماذا اختيرت هذه الخريطة تحديدًا لتظهر ضمن الأطلس، وهي تتضمن دخول القوات الإسرائيلية إلى الأراضي اللبنانية، مع أنَّ لبنان لم يدخل أصلًا حرب 1973 ولم يكن طرفًا فيها؟
وهنا تصبح المسألة أبعد من مجرد تفصيل عسكري في خريطة مضى على إعدادها أكثر من نصف قرن. فهل كان إدراج خطة كهذه في الأطلس يحمل في طيّاته رسالة مستترة إلى لبنان مفادها أنه لن يكون بمنأى عن حروب المنطقة، حتى عندما يختار عدم المشاركة فيها؟ وهل تكشف الخريطة، بصورة أعمق، أنَّ موقع لبنان الجغرافي قد يجعله جزءًا من الحسابات العسكرية الإسرائيلية في أيِّ مواجهة واسعة مع سوريا، بصرف النظر عن موقفه السياسي منها؟ وإذا كان بعض اللبنانيين يدعو اليوم إلى انتهاج مبدأ الحياد لحماية البلاد من صراعات المنطقة، يبقى السؤال الذي تفرضه خريطة ” Coyote” بعد أكثر من نصف قرن: هل يكفي أن يختار لبنان الحياد إذا كانت خرائط الآخرين لا تختار له ذلك؟
- السفير الدكتور بسام عبد القادر النعماني هو ديبلوماسي لبناني بارز، شغل منصب سفير لبنان في دول عدة منها باكستان، السعودية، الكويت، وتونس، وعمل في بعثات واشنطن ولندن. تولى منصب الأمين العام لوزارة الخارجية اللبنانية بالوكالة (2007) وشارك في ملفات الحدود اللبنانية، وهو خبير سياسي يكتب ويحاضر في قضايا الحدود والديبلوماسية.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.