بعد الانسحاب الأميركي… بغداد تبحثُ عن حدودٍ جديدة لنفوذِ “وكلاء إيران”
مع اقتراب موعد انسحاب قوات التحالف، تواجه بغداد مُعضِلة تتجاوز نزع سلاح الفصائل إلى إعادة رسم حدود نفوذها داخل مؤسسات الدولة. فهل تستطيع الحكومة فصل “المقاومة” عن الحشد الشعبي فيما يبقى الصراع الأميركي ـ الإيراني مفتوحًا؟

علي المولوي*
يحملُ الموعد المُرتَقب في 30 أيلول (سبتمبر) لانسحاب قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من العراق أكثر من مجرد دلالة عسكرية. فمع اقتراب هذا التاريخ، يزداد الغموض بشأن ما ستفعله واشنطن إذا قررت الفصائل العراقية التي تنضوي تحت راية “المقاومة” الاحتفاظ بسلاحها ومواصلة العمل خارج السيطرة الكاملة للدولة. كما يطرح الموعد اختبارًا لا يقلُّ صعوبة أمام الحكومة العراقية الجديدة، التي جعلت من “حصر السلاح بيد الدولة” أحد أبرز أهدافها، لكنها بدأت في الأسابيع الأخيرة تُخفف من حدّة المهلة التي كانت قد وضعتها لإنهاء الوضع المستقل لهذه الفصائل.
فبعدما كانت بغداد تؤكد ضرورة دمج جميع الجماعات المسلحة العاملة خارج سيطرة الدولة في المؤسسات الرسمية بحلول 30 أيلول (سبتمبر)، بات خطابها يشير إلى هذا التاريخ باعتباره بدايةً لمسارٍ مُنسَّق يستهدف استكمال عملية التسريح والدمج، لا موعدًا نهائيًا ينبغي أن تكون العملية قد انتهت عنده. وهذا التحوّل ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل يعكس صعوبة الموازنة بين هدف استعادة الدولة احتكارها للقوة المسلحة وبين واقع سياسي وأمني رسَّخت فيه الفصائل نفوذًا يتجاوز المجال العسكري.
ومنذ أدائه اليمين الدستورية في أيار (مايو)، وضع رئيس الوزراء علي الزيدي مسألة “حصر السلاح بيد الدولة” في صدارة أولوياته. والمقصود بذلك ليس مجرد جمع الأسلحة أو إعادة تنظيم الوحدات المسلحة، بل استعادة الحكومة حقها في اتخاذ القرار المتعلّق بالحرب والسلم، عبر إخضاع جميع القوى المسلحة في البلاد لتسلسل قيادي ينتهي بالمؤسسات الرسمية في بغداد.
ولهذا صاغت حكومة الزيدي آلية تقوم على نقل الترسانات التي تحتفظ بها الفصائل بصورة مستقلة إلى هيئة الحشد الشعبي، بالتوازي مع مشروع قانون لإعادة تنظيم الهيكل المؤسسي للهيئة. وتشمل الخطة أيضًا إعادة توزيع عناصر الفصائل على تشكيلات الحشد، بما يحدُّ من قدرة الألوية المنفردة على الاستمرار كأذرع عسكرية لفصائل سياسية بعينها. وبهذا المعنى، لا تستهدف العملية إنهاء الحشد الشعبي، بل تغيير العلاقة بين مؤسساته الرسمية والفصائل التي حافظت داخله، أو إلى جانبه، على هياكل ولاءات وقيادة مستقلة.
وبدا في البداية أنَّ المشروع يحقّق تقدُّمًا سريعًا. فبعد نحو أسبوعين من تولّي الزيدي منصبه، أعلن فصيل “سرايا السلام” التابع لمقتدى الصدر، والذي لا يُعَدُّ جُزءًا مما يُعرَف بـ”محور المقاومة”، حلَّ نفسه والاندماج الكامل في هيئة الحشد الشعبي. ومنح ذلك رئيس الوزراء زخمًا سياسيًا مهمًا، قبل أن تعلن “عصائب أهل الحق” بقيادة قيس الخزعلي و”كتائب الإمام علي” بقيادة شبل الزيدي بدورهما عزمهما الامتثال لمسار الدمج.
لكن العقدة بقيت عند الفصائل الأبرز المنضوية تحت مظلة “المقاومة الإسلامية في العراق”، والتي تُنسّق عملياتها وتعلن مسؤوليتها عن الهجمات تحت رايةٍ مشتركة. فقد أحجمت “كتائب حزب الله” و”حركة حزب الله النجباء” و”كتائب سيد الشهداء” عن اتخاذ قرار نهائي، مُفضّلة انتظار ما ستسفر عنه المفاوضات مع الحكومة. وفي أواخر حزيران (يونيو)، أعلن المتحدث باسم الحكومة أنَّ 30 أيلول (سبتمبر) سيكون الموعد النهائي لامتثال الفصائل التي لم تحسم موقفها.
غير أنَّ البيئة الإقليمية التي وُضع فيها ذلك الموعد سرعان ما تغيّرت. فقد جاء الإعلان عنه بعد توصل الولايات المتحدة وإيران إلى “مذكرة تفاهم إسلام أباد”، وفي لحظةٍ بدا فيها أنَّ المواجهة بين الطرفين تتجه نحو التهدئة. لكن انهيار وقف إطلاق النار وتجدُّد الأعمال العدائية في مطلع تموز (يوليو) أعادا خلط الحسابات. وبالنسبة إلى الفصائل الرئيسية في “المقاومة”، أضعف تجدد الصراع أحد أهم الحوافز التي كان يمكن أن تدفعها إلى قبول التخلي عن استقلالها العسكري ضمن الجدول الزمني الذي حددته بغداد.
وهنا تبرز المُعضِلة الأعمق التي تواجه الحكومة العراقية. فالتعامل مع هذه الفصائل باعتبارها مجرد “وكلاء لإيران” قد يكون تفسيرًا غير كافٍ لفهم دوافعها، وبالتالي غير كافٍ أيضًا لصياغة سياسة قادرة على دفعها إلى التخلي عن العمل المسلح المستقل. فهي، إلى جانب علاقاتها بطهران، أطراف عراقية فاعلة داخل النظام السياسي، تمتلك قواعد نفوذ ومصالح اقتصادية وشبكات مؤسساتية، كما تحمل تصوّرات إيديولوجية خاصة بشأن هوية الدولة العراقية وموقعها الإقليمي وطبيعة علاقتها بالولايات المتحدة وإيران.
ومن ثم، فإنَّ الاختبار الذي يقترب مع نهاية أيلول (سبتمبر) لا يتعلق فقط بما إذا كانت الفصائل ستُسلّم أسلحتها، بل بما إذا كانت بغداد قادرة على تحويل شعار “حصر السلاح بيد الدولة” إلى ترتيب سياسي وأمني قابل للاستمرار. كما أنه يضع واشنطن أمام سؤال موازٍ: ماذا يبقى من سياسة الانسحاب إذا غادرت قوات التحالف، فيما بقيت الفصائل التي استهدفت الوجود الأميركي محتفظةً بسلاحها وبقدرتها على العمل خارج القرار العسكري للدولة؟
بين السياسة والسلاح… لماذا تختلف حسابات الفصائل؟
وثمة زاوية أخرى لا يمكن فصلها عن الحسابات الداخلية لهذه الفصائل، وهي علاقتها بإيران وموقعها ضمن “محور المقاومة”. فمن هذا المنظور، لا تُعد الفصائل العراقية مجرد قوى محلية ذات أجندات سياسية واقتصادية، بل تشكل أيضًا امتدادًا لمنظومة الأمن القومي الإيراني وجُزءًا من شبكة إقليمية توفر لطهران ما يمكن وصفه بالدفاع المتقدم خارج حدودها. غير أنَّ الصورتين ليستا متناقضتين بالضرورة؛ إذ تستطيع الفصائل أن تسعى إلى توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي داخل العراق، وأن ترى، في الوقت نفسه، أنَّ دورها ضمن المنظومة الدفاعية الإيرانية يخدم تصوّرها الأوسع للأمن والصراع في المنطقة.
وتختلف حسابات الاندماج تبعًا لموقع كل فصيل وطبيعة النفوذ الذي راكمه. فبالنسبة إلى شخصية مثل شبل الزيدي، قائد “كتائب الإمام علي”، تبدو مقايضة التخلي عن العمل المسلح المستقل بدور سياسي أكثر رسوخًا خيارًا قابلًا للحساب. فقد أتاح له قرار الامتثال الانضمام إلى “الإطار التنسيقي”، المظلة التي تضم القوى السياسية الشيعية الرئيسية الداعمة للحكومة. كما دخل الانتخابات الوطنية الأخيرة بتحالف سياسي خاص به حصد تسعة مقاعد في البرلمان، ما نقله إلى موقع يشارك منه بصورة منتظمة في النقاشات والقرارات إلى جانب قادة القوى الشيعية الأكثر نفوذًا.
لكن هذه المقايضة تبدو أقل جاذبية بالنسبة إلى الفصائل الأقدم والأكثر رسوخًا في “المقاومة الإسلامية في العراق”، وفي مقدمها “كتائب حزب الله” و”حركة حزب الله النجباء”. فهذه الجماعات لا تنظر إلى نفسها باعتبارها أحزابًا مسلحة تسعى في نهاية المطاف إلى استبدال البندقية بالمقعد البرلماني، بل تمنح دورها في “المقاومة” مكانة تتجاوز المنافسة السياسية اليومية، وتقدّم نفسها بوصفها قوة حامية للمكوّن الشيعي ولمصالح أوسع ترى أنها مهددة. ومن هذا المنظور، قد يمنحها الاحتفاظ بموقعها العسكري والسياسي المزدوج نفوذًا أكبر مما يمكن أن تحققه إذا تحوّلت إلى طرف حزبي عادي داخل نظام مزدحم أصلًا بالقوى المتنافسة.
وتعزز التجربة الانتخابية هذا التصور لدى بعضها. فقد سبق لـ”كتائب حزب الله” أن اختبرت العمل السياسي من خلال قائمة “حركة حقوق”، إلّا أنَّ نتائجها بقيت محدودة في الانتخابات البرلمانية لعامي 2021 و2025، إذ لم تحصل سوى على ستة مقاعد في انتخابات تشرين الثاني (نوفمبر) الأخيرة. وبذلك، لا يبدو المسار الحزبي وحده قادرًا على توفير مستوى النفوذ الذي تمنحه للفصيل مكانته المسلحة وشبكة علاقاته الإقليمية.
ويزداد ضعف الحافز إلى التخلي عن السلاح ما دام الصراع بين الولايات المتحدة وإيران مفتوحًا. فطهران لا تزال تنظر إلى “محور المقاومة” باعتباره عنصرًا أساسيًا في منظومتها الدفاعية، ولا تظهر استعدادًا للدفع نحو تفكيكه. وفي هذا السياق، رفضت الفصائل العراقية الرئيسية في “المقاومة” صراحة مهلة 30 أيلول (سبتمبر) لنزع السلاح، وقدمت استمرار وجودها المسلح باعتباره ضرورة لحماية السيادة العراقية. وذهبت “كتائب سيد الشهداء”، في بيان أصدرته في 29 آب (أغسطس)، إلى ربط نزع السلاح ليس بانسحاب أميركي كامل من العراق فحسب، وإنما أيضًا ببسط السيطرة الأمنية الاتحادية على كامل الأراضي العراقية، بما فيها المجال الجوي. وهي شروط تجعل الوصول إلى نقطة تعتبر فيها الفصائل أنَّ مبررات الاحتفاظ بالسلاح قد زالت أمرًا بعيد المنال.
وهذا يضع حكومة الزيدي، وكذلك “الإطار التنسيقي”، أمام حدود واضحة لما يمكن تحقيقه بالحوافز السياسية وحدها. فقرار الفصائل بشأن السلاح لن تُحدّده المناصب أو فرص المشاركة في النظام السياسي فقط، بل سيتأثر بدرجة أكبر بمسار الصراع الإقليمي وبما إذا كانت هذه الجماعات لا تزال ترى لنفسها وظيفة عسكرية تتجاوز حدود السياسة العراقية. ومن هنا، قد يكون الرهان على إقناعها بالتخلي الكامل عن السلاح أقل واقعية من محاولة معالجة المشكلة التي تستطيع بغداد التأثير فيها مباشرة: العلاقة الملتبسة بين هذه الفصائل ومؤسسات الدولة.
حين تصبح العلاقة بين الفصائل والدولة هي المشكلة
وبدلًا من حصر السياسة الحكومية في معادلة “الترغيب والترهيب”، تستطيع بغداد التركيز على رسم حدود مؤسسية أكثر وضوحًا بين فصائل “المقاومة” و”قوات الحشد الشعبي”. والهدف هنا ليس مجرد إعادة ترتيب الهياكل الإدارية، بل منع الفصائل التي تحتفظ بقرار عسكري مستقل من الاستفادة في الوقت نفسه من رواتب الدولة وأسلحتها وغطائها المؤسسي. فالجمع بين الاستقلال العملياتي والحماية الرسمية يخلق وضعًا تتحمل فيه الدولة جانبًا من كلفة قرارات لا تملك بالضرورة السيطرة عليها.
وقد كشفت التطورات الأخيرة حجم المخاطر المترتبة على هذا التداخل. ففي تموز (يوليو)، استهدفت ضربات أميركية ـ سعودية مشتركة، جاءت ردًا على هجمات طالت البنية التحتية النفطية السعودية، مواقع للأسلحة والإمداد اللوجستي مرتبطة بقواعد تابعة لـ”الحشد الشعبي” في مناطق مختلفة من العراق، ما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 20 من عناصره وإصابة 32 آخرين. كما فرضت الولايات المتحدة في العام الماضي عقوبات على “شركة المهندس العامة”، وهي شركة مملوكة للدولة أُنشئت تحت مظلة “الحشد الشعبي”، بسبب ما قالت إنها صلات تربطها بـ”كتائب حزب الله” و”فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الإيراني.
ولا تعود جذور هذا الالتباس إلى الحكومة الحالية وحدها. فمنذ عام 2018، وفي ظل حكومات عراقية متعاقبة بدءًا من حكومة عادل عبد المهدي، أخذت الحدود الفاصلة بين بعض فصائل “المقاومة” و”الحشد الشعبي” تفقد وضوحها تدريجيًا. أما اليوم، فتظهر الكلفة بصورة أكثر مباشرة: فعندما تتداخل البنية الرسمية للدولة مع جماعات تحتفظ بقدرة مستقلة على اتخاذ القرار العسكري، يمكن أن تتحول الضربات والعقوبات التي تستهدف تلك الجماعات إلى تهديد لمؤسسات عراقية رسمية ولموارد تتحمل الدولة مسؤوليتها.
لهذا فإنَّ إصلاح “الحشد الشعبي” لا ينبغي النظر إليه باعتباره مسألة تنظيمية داخلية فحسب، ولا مجرّد وسيلة أخرى لإجبار الفصائل على نزع سلاحها. المسألة الأهم هي تحصين الدولة العراقية من تبعات قرارات عسكرية لا تصدر عن مؤسساتها، وإعادة رسم الخط الفاصل بين مَن يعمل ضمن التسلسل القيادي الرسمي ومَن يحتفظ لنفسه بحق استخدام القوة خارجه. ففي نهاية المطاف، لا يكتمل مبدأ “حصر السلاح بيد الدولة” بمجرد تحديد الجهة التي تحمل السلاح، بل بتحديد الجهة التي تملك قرار استخدامه.
إصلاح الحشد الشعبي… ما الذي تستطيع بغداد فعله؟
في أوائل أيلول (سبتمبر)، أكد “الإطار التنسيقي” عزمه دعم مشروع قانون حكومي يهدف إلى تعديل التشريع الذي أرسى الأساس القانوني لـ “قوات الحشد الشعبي” كمؤسسة أمنية تابعة للدولة في عام 2016. وكان العام الماضي قد شهد طرح حكومة محمد شياع السوداني لمشروع قانون معدّل للحشد الشعبي، تضمن سلسلة من التعديلات الهيكلية المفصلة؛ شملت تحديدًا أوضح لهيكل القيادة، واستحداث مناصب قيادية عليا جديدة، وإعادة تنظيم الهياكل الإدارية والعملياتية للقوات. وقد خضع مشروع القانون للقراءة الأولى في البرلمان وجرت مراجعته من قبل اللجنة البرلمانية المختصة، إلا أنه عُلِّق في نهاية المطاف نتيجة ضغوط أميركية ومخاوف أثيرت بشأن بعض بنوده.
وفي حال نظر البرلمان في نسخة مشابهة لمشروع قانون العام الماضي، فقد يشكل ذلك أداة مهمة لإصلاح قوات الحشد الشعبي؛ إذ من شأن مشروع القانون تعزيز سلطة رئيس الوزراء على القيادة العليا للقوات عبر منحه صلاحية التعيين المباشر لنواب رئيس الأركان الخمسة. كما تتضمن البنود المهمة الأخرى اشتراطات لتعزيز التعاون مع وزارتي الدفاع والداخلية، وفرض رقابة إدارية ومالية أكثر صرامة – بما في ذلك التدقيق الإلزامي من قبل هيئة الرقابة المالية الاتحادية في العراق. ومن شأن هذه التدابير مجتمعة أن تساعد على الحد من نفوذ الفصائل الفردية، ونقل ميزان القوى نحو قيادة أقل تسييسًا، ومعالجة الفساد المستشري داخل المؤسسة. والأهم من ذلك، قد يساهم مشروع القانون في ترسيخ التمييز بين الحشد الشعبي كمؤسسة أمنية تابعة للدولة وبين فصائل “المقاومة” التي تزايد نشاطها عبر هياكل الحشد.
كما أن إجراء المزيد من التعديلات على نسخة العام الماضي من مشروع القانون قد يجعله أكثر قابلية للقبول سياسيًا ويساعد على معالجة بعض المخاوف التي حالت دون إقراره؛ وقد يشمل ذلك حذف البند الذي يضع أساسًا قانونيًا لـ”شركة المهندس العامة”. فعندما راجعت لجنة الأمن والدفاع البرلمانية مشروع القانون، أثارت تساؤلات حول جدوى إنشاء أكاديمية مستقلة للحشد الشعبي تمنح الخريجين درجة البكالوريوس في العلوم العسكرية، مشيرةً إلى أن الكلية العسكرية العراقية التابعة لوزارة الدفاع تؤدي هذه المهمة بالفعل. وعلى نطاق أوسع، تتيح المراجعة التشريعية فرصة لإدراج بنود جديدة تقيد قدرة الحشد الشعبي على اتخاذ مواقف سياسية بمعزل عن الحكومة، مما يعزز وضعه كمؤسسة أمنية تابعة للدولة بدلًا من كونه فاعلًا سياسيًا مستقلًا. في نهاية المطاف، تظل قدرة الحكومة على فرض إرادتها على فصائل المقاومة العراقية مقيدة بقوى تتجاوز نطاق سيطرة بغداد بكثير. وطالما استمرت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وظلت طهران تعتبر “محور المقاومة” ركيزة أساسية لأمنها، فمن غير المرجح أن تنجح محاولات كبح جماح أقوى الفصائل العراقية؛ ولذا، فإن الاستخدام الأمثل للرصيد السياسي للحكومة يكمن في معالجة الحدود التي تزداد غموضًا بين هذه الفصائل وقوات الحشد الشعبي.
صحيح أن حكومة الزيدي لا تملك تحديد مسار الصراع الإقليمي، لكنها قادرة على التحكم في مدى السماح لفصائل المقاومة بالتوغل داخل مؤسسات الدولة. وبدلًا من إعطاء الأولوية لجهود حصر السلاح بيد الدولة، ينبغي لبغداد أن تركز على إخضاع الحشد الشعبي -باعتباره مؤسسة تابعة للدولة- لسيطرة الدولة بشكل أكثر حزمًا.
- علي المولوي هو مدير في مجموعة “هورايزن” الاستشارية (Horizon Advisory Group) التي تركز عملها على العراق.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.