الذكاء الاصطناعي خبيثٌ وكذَّاب

هنري زغيب*

تتهاطل علينا كلَّ يوم زبائلُ ڤيدْيُوَاتٍ متلاحقة، فيها الكثيرُ من الأُمور الخبيثة والمواضيع الكذَّابة، يغلِب أَنْ يصدِّقَها المواطنون، ويتناقلوها ويبنُوا عليها، فيما هي مغلوطةٌ أَو منحولةٌ أَو حتى مؤْذية. فمن عناصر هذه الڤيدْيُوَات، أَنها مركَّبةٌ بشكل حاذقِ الدقَّة، يجعلُ المشاهد يرى الشخص فيها كثيرَ الشبه بالشخص المنحول، ويحرِّكُ شفتَيه بكلماتٍ تَصدر عنهما بدقَّة عالية حتى لكأَنه فعلًا يقولها في تصريح أَو مناسبة.

أَحدثُ ما وصلَني من هذه الأَكاذيب المنتشرة توزيعًا واسعًا، حديثٌ للدكتور فيليب سالم يدلي فيه بنصائحَ طبيةٍ للمُصابين بآلام المفاصل والطقْطَقة والتَيَبُّس والشعور بثقْل في الساقَين والتَعَب المستمرّ. والمعروف أَنَّ الدكتور فيليب سالم اختصاصيٌّ عالَميٌّ بمعالجة أَمراض السرطان، ولا علاقةَ له مطلقًا بآلام المفاصل وتوابعها. ومَن يعرفُ الدكتور سالم، ومئاتِ أَحاديثه الإِذاعية والتلڤزيونية، يدركُ فورًا أَنْ ليست هذه لهجتَه، ولا هذه حركاتِ وجهِه ويديه. ومَن لا يعرفُه، قد يصدِّق ما يقوله ويصفه من علاجٍ ربما يؤْذي المصاب به حتى الهلاك. لذا ينبغي إِلغاءُ هذا الڤيديو فورًا، وعدمُ مشاركته مع أَحد، لأَنه ڤيديو خبيث وكذَّاب، كمعظم الإِرسالات التي شوَّهَت منافعَ “السوشال ميديا” منَصاتٍ ومواقع.

وقبل أَسابيع، وصلَني ڤيديو كذَّابٌ آخَر، منحول عن حديث مشترَك بين عاصي ومنصور والياس الرحباني، لا أَساس له من الصحة، مع أَنه مُرَكَّبٌ بشكل بارع يجعل ملامح الإِخوة الثلاثة قريبةً جدًّا من وجوههم.

إِن هذه الظاهرة خطيرةٌ جدًّا في مجتمعنا، ومؤْذيةٌ جدًّا، ومُخَرِّبةٌ جدًّا، خصوصًا في صفوف السُذَّج والبُسَطاء، والناس الذين عندَهم وقْت لتضييع الوقت في متابعة هذه التفاهات، ونشْرِها وتوزيعِها على أَشباههم العاطلين عن العمَل المفيد.

هذا الذكاءُ الاصطناعي، مفيدٌ في نَواحٍ بنَّاءة، ومساعدٌ في بعض المسائل بعدَ التدقيق فيها والتحقُّق منها. لكنه، ببراعةِ ما يستطيع تركيبَه وفبركتَه وإِيهامَه، مُضِرٌّ مؤْذٍ مُخرِّبٌ للساذجين مُصَدِّقيه، ومُتَبَنّي كلَّ ما يَرِدُ عنه ومنه إِلى أَجهزتهم الخَلَوية، خصوصًا في شؤُونٍ طبية وعلْمية وفنية، وما يُذيعه غالبًا من أَخبارٍ شخصيةٍ وخاصةٍ عن أَهل السياسة والفن، لِما يكون فيها من دَسٍّ خبيثٍ ومعلوماتٍ كاذبة.

لا بدَّ أَن يكونَ، في القانون والقضاء، موادُّ رادعةٌ هذه الموجةَ التخريبية، تَحمي المعنيِّين بضرَرها، وتُوَعِّي السُذَّجَ مُصدِّقيها، لأَنَّ لها أَضرارًا تعصِفُ بمجتمعٍ كاملٍ، وتقْصِفه بأَخبارٍ مدسوسةٍ كذَّابة.

أَتمنى أَلَّا يكونَ في مجتمعنا كثيرُون من أُولئِك السُذَّج المغَفَّلين.

  • هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى