تركيا وعقدة المال الإيراني: هل تُغَيِّرُ واشنطن قواعدَ العقوبات؟
بين النفط والذهب والمصارف وشركات الصرافة، بنت إيران شبكة مالية عابرة للحدود لمواجهة العقوبات. لكن ظهور تركيا مجدّدًا في هذه الشبكة يضع واشنطن أمام سؤال أصعب: هل تواصل ملاحقة الوسطاء واحدًا تلو الآخر، أم تنقل الضغط إلى أنقرة نفسها؟

محمد زين الدين*
لم يكن قرار وزارة الخزانة الأميركية في الرابع من أيلول (سبتمبر) فرض عقوبات على بنك “غولدن غلوبال ياتيريم بنكاسي” التركي وشركتين تابعتين له مجرد إضافة أسماء جديدة إلى القائمة الطويلة من المؤسسات والأفراد الذين تستهدفهم واشنطن في إطار الضغط الاقتصادي على إيران. فالمصرف الاستثماري الذي يتخذ من إسطنبول مقرًا له صغير نسبيًا، ويحتل المرتبة الخامسة والثلاثين بين المصارف التركية بحسب “رويترز”. لكن أهمية الخطوة تكمن في طبيعة الاتهامات الأميركية، وفي كونها تطال مؤسسة مالية داخل تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، في وقتٍ تحاول فيه واشنطن تشديد الخناق على القنوات التي تستخدمها طهران لتحويل عائدات النفط إلى أموال قابلة للاستخدام خارج النظام المالي الإيراني.
بحسب وزارة الخزانة، سهّل البنك معاملات بعشرات ملايين الدولارات مرتبطة ب”فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الإيراني، ووفّر وصولًا مصرفيًا ساعد مؤسسات إيرانية على تحريك الأموال دوليًا. والأهم أنَّ واشنطن تقول إنَّ البنك استُخدِمَ في نقل عائدات مبيعات النفط الإيراني من الصين إلى تركيا، حيث يمكن تحويل الأموال إلى نقد وذهب. البنك، من جهته، نفى هذه الاتهامات، وقال إنه لم يجر معاملات مع الأشخاص والمؤسسات المذكورين في القرار الأميركي، وأعلن عزمه استخدام الوسائل القانونية للاعتراض عليه.
القضية، إذن، لا تتعلق بما إذا كانت واشنطن قد عثرت على مصرف صغير يخالف العقوبات فحسب. السؤال الأوسع هو ما إذا كانت تركيا باتت تمثل حلقة ثابتة في البنية المالية الموازية التي طوّرتها إيران للالتفاف على القيود الأميركية، وما إذا كانت واشنطن مستعدة للانتقال من ملاحقة المؤسسات والأشخاص واحدًا تلو الآخر إلى مطالبة أنقرة نفسها بتشديد الرقابة على هذه الشبكات.
ما هي شبكة “راهبر”؟
لفهم أهمية الاتهام الأميركي، لا بد من التوقف عند مصطلح “راهبر” الذي يتكرّر في وثائق وزارة الخزانة. الكلمة تعني بالفارسية “المرشد”، لكنها في قاموس العقوبات الأميركية لا تشير هنا إلى المرشد الأعلى الإيراني. وتستخدمها وزارة الخزانة لوصف شركات خاصة تنشئها أو تستخدمها مصارف إيرانية خاضعة للعقوبات لإدارة المدفوعات الدولية لعملائها من خلال شبكة من الشركات الواجهة والصرافين والحسابات الموجودة خارج إيران. وتقول الوزارة إنَّ هذه الآلية تسمح للمصارف الإيرانية المعزولة عن النظام المالي الدولي بتنفيذ عمليات الاستيراد والتصدير وتحريك الأموال عبر ولايات قضائية متعددة.
وهذا التفصيل يغيّر دلالة قضية “غولدن غلوبال”. فإذا صحّت الرواية الأميركية، لا يكون البنك قد خدم صفقة إيرانية معزولة، بل وفّر منفذًا إلى نظامٍ أوسع لتحريك أموال مصارف وكيانات إيرانية خاضعة للعقوبات. وكانت الخزانة قد كثفت خلال 2026 استهداف شبكات “راهبر” ومكاتب الصرافة والشركات الوهمية المرتبطة بها، مشيرةً إلى أنها تتعامل سنويًا بمليارات الدولارات، وأنَّ جزءًا مهمًا من الأموال يأتي من مبيعات النفط والبتروكيماويات الإيرانية في الخارج.
وهنا تبرز الصين في بداية السلسلة وتركيا في مرحلة لاحقة منها. فوزارة الخزانة تقول إنَّ إيران تحصل على جُزءٍ كبيرٍ من عائدات نفطها باليوان الصيني، ما يخلق حاجة إلى تحويل تلك الإيرادات إلى عملات أو أصول أكثر قابلية للاستخدام. وفي 24 آب (أغسطس)، أطلقت واشنطن حملة “عملية المنبوذ الاقتصادي” (Operation Economic Outcast) ووسعت نطاق القطاعات التي يمكن استهداف المتعاملين مع إيران بسببها، ومن بينها الذهب. وبرّرت الخزانة الخطوة بأنَّ طهران تلجأ بصورة متزايدة إلى الذهب في محاولة لحماية الريال من التضخم ومواجهة الضغوط التي يعانيها القطاع المالي الرسمي.
من هنا يمكن فهم فرضية أن تكون تركيا جذابة لمثل هذه العمليات، بما لديها من سوق كبيرة للذهب وقطاع واسع للصرافة وعلاقات تجارية ومالية ممتدة مع إيران. لكن الانتقال من هذه المعطيات إلى القول إنَّ تركيا أصبحت مركزًا رسميًا لتحويل عائدات النفط الإيراني إلى الذهب يحتاج إلى حذر: الوثائق الأميركية تثبت اتهام مصرف تركي محدد بالمشاركة في هذه الآلية، لكنها لا تثبت أنَّ النظام المصرفي التركي ككل يؤدي هذا الدور.
تاريخ يعود إلى “هالك بنك”
مع ذلك، يصعب فصل القضية الجديدة عن تاريخ طويل من النزاع الأميركي – التركي حول العقوبات على إيران. ففي العقد الماضي أصبحت قضية رجل الأعمال التركي الإيراني رضا ضراب و”هالك بنك” واحدة من أكبر قضايا الالتفاف على العقوبات الإيرانية التي وصلت إلى القضاء الأميركي.
وفق وثائق وزارة العدل الأميركية، استُخدمت عائدات مبيعات النفط الإيراني المودعة لدى “هالك بنك” لتمويل مشتريات ذهب في تركيا، ثم تصدير الذهب وتحويل قيمته إلى أموال يمكن لإيران استخدامها. وأكدت المحاكم الأميركية أنَّ عمليات تمويه استُخدمت لإتاحة وصول كيانات إيرانية إلى الشبكات المالية الدولية، بما فيها مؤسسات مالية أميركية.
وبعد سنوات من النزاع القضائي والسياسي، اتخذ الملف منعطفًا مهمًا هذا العام. ففي آذار (مارس) جرى التوصل إلى اتفاق لتسوية القضية، وفي حزيران (يونيو) تحركت وزارة العدل لإسقاط الدعوى الجنائية. وبحسب “رويترز”، لم يتضمّن الاتفاق إقرارًا من “هالك بنك” بارتكاب مخالفات أو غرامة مالية، لكنه ألزم البنك بتجنب معاملات تفيد إيران والخضوع لمراجعة امتثال. وأكد البنك نفسه تقديم طلب مشترك مع الادعاء الأميركي لإسقاط القضية.
وبين قضية “هالك بنك” والعقوبات الجديدة، برز أيضًا اسم رجل الأعمال التركي صدقي آيان. ففي كانون الأول (ديسمبر) 2022، فرضت الخزانة الأميركية عقوبات عليه وعلى شبكة من شركاته، مُتَّهمةً إياه بتسهيل بيع نفط إيراني بمئات ملايين الدولارات لصالح “فيلق القدس”، بما في ذلك مبيعات إلى مشترين في الصين وشرق آسيا وأماكن أخرى، والمساعدة على إعادة العائدات إلى الجانب الإيراني.
هذه الوقائع لا تكفي وحدها للقول إنَّ الدولة التركية ترعى شبكة مالية إيرانية، لكنها تجعل من الصعب أيضًا النظر إلى كلِّ قضية باعتبارها حادثة منفصلة تمامًا. ثمة نمط متكرر: النفط الإيراني، أسواق آسيوية، شركات وسيطة، صرافة وذهب، ومؤسسات أو رجال أعمال في تركيا يظهرون في مراحل مختلفة من حركة الأموال.
لماذا تعاقب واشنطن مصرفًا ولا تضغط على القطاع كله؟
المفارقة الأبرز تظهر عند مقارنة ما فعلته واشنطن في تركيا بما فعلته قبل أيام في الإمارات. فقد اقترحت شبكة مكافحة الجرائم المالية الأميركية “FinCEN” استخدام المادة 311 ضد الفروع الخمسة لبنك مصر في الإمارات، بعد تقديرها أنَّ هذه الفروع عالجت نحو 1.8 مليار دولار لمصلحة 103 شركات يُشتبه في ارتباطها بشبكات الظل المصرفية الإيرانية بين كانون الثاني (يناير) 2024 وحزيران (يونيو) 2026. وإذا أصبح الإجراء نهائيًا، فسيمنع المؤسسات المالية الأميركية من فتح أو الاحتفاظ بحسابات مراسلة لهذه الفروع، ويلزمها باتخاذ إجراءات لمنع مرور معاملاتها بصورة غير مباشرة عبر حسابات مصارف أجنبية أخرى.
أما “غولدن غلوبال” فتعرَّضَ لعقوبات حجب أصول وإدراج على قائمة العقوبات. وهي خطوة مؤثرة وفورية بالنسبة إلى البنك المستهدف، لكنها لا تعادل ممارسة الضغط على النظام المصرفي التركي بأكمله.
يمكن تفسير هذا الاختلاف بأكثر من عامل. فقد ترى واشنطن أنَّ حجم المصرف التركي وحجم المعاملات المنسوبة إليه لا يستدعيان أداة أوسع. وقد يكون اختيار العقوبة المباشرة أسهل وأسرع من مسار تنظيمي أوسع. كما لا يمكن تجاهل العامل السياسي: تركيا حليف في “الناتو”، وتحتفظ واشنطن معها بملفات أمنية وإقليمية تتجاوز إيران بكثير.
وتُعزّز تصريحات السفير الأميركي في أنقرة توم برّاك هذا الاحتمال. فبعد إعلان العقوبات، حرص على القول إنَّ القرار لا يستهدف تركيا ولا القطاع المصرفي التركي، وإنما مؤسسات مالية محددة متّهمة بتسهيل تحويل الأموال لمصلحة “فيلق القدس”. الرسالة واضحة: واشنطن تريد إظهار الصرامة تجاه القناة التي تقول إنها اكتشفتها، من دون تحويل العقوبات إلى مواجهة مالية مع أنقرة.
معضلة الضغط الأميركي
هذا التوازن قد يصبح أكثر صعوبة مع اتساع الحملة الأميركية على إيران. فعند إطلاق “عملية المنبوذ الاقتصادي” (Operation Economic Outcast) ، قالت وزارة الخزانة إنَّ الدول ستحصل على مهلة محددة لإغلاق الأنشطة الإيرانية التي تحددها واشنطن، وإنها ستتحرك ضد مَن لا يستجيب. كما وسعت نطاق العقوبات الثانوية المحتملة ليشمل قطاعات الذهب والشحن والطيران والتكنولوجيا والأصول الرقمية.
لكن فعالية هذه السياسة لا تتوقف على عدد الأسماء التي تضاف إلى قوائم العقوبات، بل على قدرة الولايات المتحدة على جعل كلفة تسهيل التجارة والتمويل الإيرانيين أعلى من المكاسب التي يحققها الوسطاء. وهذه معضلة قديمة في أنظمة العقوبات: عندما تُغلق قناة، تبحث الشبكات المستهدفة عن قناة أخرى، وتنتقل العمليات بين شركات واجهة ومصارف وصرافين وولايات قضائية مختلفة. وتشير الخزانة نفسها إلى شبكات تمتد من الإمارات وتركيا إلى هونغ كونغ والصين وسنغافورة وغيرها.
لذلك، قد تكون قضية “غولدن غلوبال” اختبارًا يتجاوز حجم البنك نفسه. فإذا بقيت القضية محصورة في مؤسسة واحدة، ستكون واشنطن قد عطّلت قناة محددة من دون تغيير البيئة التي تقول إنها تسمح بظهور قنوات بديلة. أما إذا تبعتها مطالب أميركية أكثر وضوحًا لأنقرة بتشديد الرقابة على المصارف والصرافين وتجارة الذهب، فإنَّ العقوبات قد تصبح بداية مرحلة جديدة في التعامل مع الدور التركي.
وبالنسبة إلى أنقرة، المسألة لا تقل حساسية. فهي معنية بحماية مصارفها من مخاطر العقوبات الأميركية والحفاظ على ارتباطها بالنظام المالي العالمي، لكنها في الوقت نفسه تدير علاقات اقتصادية وسياسية مع إيران وتحرص تقليديًا على هامش من الاستقلال في سياستها الإقليمية.
لهذا تبدو القضية الجديدة أقل أهمية بسبب عشرات ملايين الدولارات التي تقول واشنطن إنها مرت عبر البنك، وأكثر أهمية بسبب السؤال الذي تطرحه: هل تتعامل الولايات المتحدة مع تركيا باعتبارها موقعًا تظهر فيه بين حين وآخر جهات تخرق العقوبات، أم باعتبارها إحدى العقد التي تحتاج إيران إليها بصورة متكررة لتحريك عائداتها؟
حتى الآن، توحي المقاربة الأميركية بأنها لا تزال تفضّل الفصل بين الأمرين: استهداف المؤسسة التي تقول إنها تملك أدلة عليها، مع تجنب توجيه اتهام إلى القطاع المالي التركي أو الدولة التركية. لكن كلما تراكمت القضايا، من ضراب و”هالك بنك” إلى شبكة آيان ثم “غولدن غلوبال”، يصبح الحفاظ على هذا الفصل أكثر صعوبة.
وهنا تكمن المُعضِلة أمام واشنطن. فالضغط الواسع على أنقرة قد يفتح أزمة مع حليف مهم، بينما الاكتفاء بإغلاق قناة بعد أخرى قد يسمح للشبكات الإيرانية بالتكيف والانتقال إلى قنوات جديدة. وبين هذين الخيارين، ستكشف الخطوات الأميركية المقبلة ما إذا كان استهداف “غولدن غلوبال” مجرد حلقة جديدة في سياسة العقوبات، أم بداية مراجعة أوسع للطريقة التي تتعامل بها واشنطن مع المسارات التركية في شبكة التمويل الإيراني.
- محمد زين الدين هو مراسل “أسواق العرب” في واشنطن.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.