زيارةُ السيّدة “سيّدةَ الزيارة”
هنري زغيب*
بعض اللقاءات حضُور، وبعضها نُور.
وأَنا، أَوَّل من أَمس، كنتُ في “حضرة النُور”: حجابُ سيّدة استثنائية من جبل عامل، وإِسكيمُ راهبة استثنائية من جبل لبنان..
“الحضْرةُ”، تحديدًا، هي “صفاءُ القلب، تقْويةُ الصلة بالله، والترقِّي الروحي”..
بهذه الهالة من التقوى، ضَمَّتْنا “فيلوكاليَّا”، جمعيةً ومعهدًا ورسالةً، إِلى لقاءٍ غيرِ عاديّ، بين السيّدة الدكتورة رباب الصدر والأُخت الـمُكرَّسَة الدكتورة مارانا سعد.. وبين “مؤَسسات الإِمام الصدر” في صُوْر، و”دير راهبات الزيارة” في عينطورة (كسروان)، تهادى الحديثُ في هيبة الإِيمان برَبّ العالِمين الرحمن الرحيم، الإِلهِ الواحدِ الآبِ الضابطِ الكُلَّ برحمته..
واتَّشَح نقاءُ الحديث بالحوار الإِسلامي المسيحي في جوهره الأَنقى، تتناهى آياتُهُ إِلينا من القرآن الكريم: “… وإِنَّا وإِياكُم لَعَلى هُدًى، أَو في ضَلال مُبين” (سبَأ: 24)، ومن إِنجيل لوقا: “أَقُولُ لَكُم: لا تَدينُوا فَلَا تُدانُوا. واغفِرُوا يُغْفَرْ لكمْ” (6/37).. وتتَّحد في المبدأَين المبارَكَين الآيةُ الكريمةُ “يا أَهلَ الكتاب، تعالَوا إِلى كلمةٍ سواء بيننا وبينكم، أَلَّا نعبُدَ إِلَّا الله” (آل عمران: 64)، وهي الآية التي طالَما ردَّدَها الإِمام موسى الصدر وهو يتحدَّث في كنائس لبنان مع مطلع الحرب (1975-1976)، محذِّرًا من فتنةٍ بين أَهل الديانتَين السماويتَين..
وجاءَ في الحديثِ حديثُ ما تقوم به رسالةُ “مؤَسسات الإِمام الصدر” إِنسانيًّا وتربويًّا واجتماعيًّا، وما تقوم به رسالةُ “فيلوكاليَّا” جماليًّا وروحانيًّا، وكلتاهما في خدمة لبنان، والإِنسان في لبنان، والمواطَنَة السليمة بين أَهله جميعًا.. وكانت سائدةً طوال الكلام لغةُ الإِيمان بالإِله الواحد والوطن الواحد والمواطن الواحد المتعدِّد الطقوس الموحَّدِ الابتهال.. فالرسالة واحدة بين يسوع في قوله الحنيف “ما جِئْتُ لأَنْقُضَ بَـل لأُكَمِّل” (متى 5/17)، وبين النبي محمد في الحديث الشريف “… إِنما بُعثْتُ لأُتمِّم مكارمَ الأَخلاق”..
وجاء في الحديثِ حديثُ الأَدعية والأَجواء الرضيَّة، وما تقوم به راهنًا كلٌّ من الرسالتَين لكرامة الإِنسان وصحته الجسدية (المساعدات العينية لحالات اللجوء) والنفسية (معالجات آثار الحرب على النفوس)، شِبْهَ ما كانتْهُ الأُمّ تريزا للمُعْوَزين في كالكوتا، لا تمييز لديها بين مذهبٍ وطائفة..
وجاء في الحديثِ حديثُ المقامات ومقاربتهم خُشوعًا.. وإِذا كان طبيعيًّا انتماءُ الأُخت مارانا إِلى البطريرك الراعي، راعي ديرها البطريركي، وتقبيلُها بَنَويًّا كفَّ البابا فرنسيس يومَ زارتْه في الفاتيكان، ففوقَ الطبيعي أَن تَطلبَ السيّدة رباب من البابا فرنسيس (حيال عدم مصافحتِه واحترامِه طقوسَها) أَن تُقَبِّل طرفَ ردائه (وفْقَ تقليد متَّبَع في حضرة كبار المراجع الدينيين)، وأَن يوافقَ البابا قائلًا لها: “صلِّي لي”، ويستبْقيها 40 دقيقة عوض ربع الساعة المعطى لزيارتها (شباط 2019).. وقبْل أَسابيع (أَيار 2026) طلبَت من ابنها البكْر رائد أَن يصحبها إِلى مزار سيدة لبنان في حريصا.. وأَمام المذبح في كنيسة المزار، رفعت يدَيها ابتهالًا إِلى ربّ العالمين..
وجاء في الحديثِ حديثُ التوعية على جوهر الدين كي لا يوغلَ الضالُّون في القتل الاجتماعي: “مَن قَتَلَ نَفْسًا بغير نَفْسٍ أَو فَسَادٍ فِي الأَرض، فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناسَ جميعًا” (المائدة:32)، و”تَعَالَوْا إِليَّ يا جميعَ المتْعَبين، وأَنا أُريحُكم” (متى: 11/28).. هكذا تمَّحي نقْمةُ الموت وتتجلَّى نعمةُ الحياة، في رؤْيةٍ صحيحةٍ إِلى التطلُّع نحو غدٍ سليمٍ دعا إِليه البطريركُ الراعي “شركةً ومحبةً”، ودعا إِليه الإِمامُ الصدر “وحدةَ كلمة” ومُواطَنَةَ “انتماءٍ إِلى لبنان وطنًا لأَبنائه جميعًا”..
لم أَشعر بانزلاق الوقت طيلةَ زيارةِ السيّدة ربَاب أُختَها مارانا في دير “سيدة الزيارة”.. كنا حدَّ الوقت فلم يمُرَّ بنا، ونحن حولهما نُصغي في خشْعة الرهابين إِلى سيّدةٍ من جبل عامل وراهبةٍ من جبل لبنان، تتحادثان في بَرَكة الخير ورجاء السلام..
أَول من أَمس (الأَربعاء)، كنتُ في “حضرة النُور”.. هذا الذي وحدَه، بطقوسٍ تتلاقى، يُنقِذُ إِلى طائفةٍ واحدةٍ: لبنان اللبناني..
بارِكْ يا رب.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار” (بيروت)



