سوريا تَعودُ إلى الخريطة: مركزٌ للتجارة أم ممرٌّ لمصالح الآخرين؟
تُعيدُ اضطرابات المنطقة اكتشاف سوريا بوصفها عقدة محتملة للتجارة والطاقة بين الخليج والعراق وتركيا والبحر المتوسط. لكن تدفق الاستثمارات وعودة الممرات يطرحان سؤالًا أكبر: هل تتحوّل الجغرافيا السورية إلى رافعة لإعادة بناء البلاد، أم إلى ساحة جديدة لتنافس القوى ومصالحها؟

جيسي ماركس ونيكولاس لايال*
في أوائل نيسان (أبريل)، عبرت الأراضي السورية قافلة من 299 صهريجًا محمّلًا بالوقود العراقي في طريقها إلى ميناء بانياس على البحر المتوسط، في مسارٍ وفّر للعراق منفذًا بديلًا إلى الأسواق الدولية في ظل إغلاق مضيق هرمز. وكانت تلك المرة الأولى التي يعبر فيها النفط العراقي سوريا بصورة قانونية منذ عام 2003. وفي أواخر الشهر نفسه، عزّز العراق هذا المسار بإعادة فتح معبر “ربيعة” الحدودي الشمالي، المغلق منذ أكثر من عقد بسبب الحرب السورية. وبين نيسان (أبريل) وأواخر تموز (يوليو)، نُقل أكثر من 2.1 مليوني طن متري من الوقود العراقي إلى الساحل السوري.
ولم يكن دور سوريا ممرًّا للتجارة الإقليمية جديدًا. فقبل اندلاع الحرب الأهلية عام 2011، شكّل موقعها حلقة وصل بين العراق والأردن ولبنان وتركيا والبحر المتوسط، وربط بصورة غير مباشرة دول الخليج بالأسواق الأوروبية. لكن سنوات الحرب غيّرت طبيعة هذا الدور، إذ أصبحت طرق العبور مرتبطة بدرجة كبيرة بنقل الأسلحة والإمدادات الإيرانية إلى “حزب الله” في لبنان، إلى جانب الوقود والمخدرات وغيرها من الأنشطة التجارية غير المشروعة التي وفّرت إيرادات لنظام بشار الأسد من دون أن تنعكس بفوائد اقتصادية تُذكَر على السوريين.
وبعد سقوط نظام الأسد على يد “هيئة تحرير الشام”، التي كان يقودها الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، في أواخر عام 2024، بدأت حركة التجارة الإقليمية تستعيد نشاطها تدريجيًا. وبحلول آب (أغسطس) 2025، عبرت إلى سوريا، وفق تقديرات هيئة الجمارك السورية، نحو 327 ألف شاحنة محمّلة بأكثر من سبعة ملايين طن من البضائع. وتزامن ذلك مع توسُّع العلاقات الاقتصادية مع الأردن وقطر والسعودية وتركيا، فيما تحرّكت السلطات الجديدة في دمشق لاستعادة علاقاتها مع شركاء إقليميين ودوليين وإنهاء سنوات العزلة الاقتصادية.
لكن استعادة طرق التجارة ليست سوى خطوة أولى أمام تحدي إعادة بناء اقتصاد أنهكته أكثر من عشر سنوات من الحرب. ففي عام 2025، قدّر البنك الدولي تكلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، أي ما يقارب عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي المتوقع للبلاد في عام 2024.
تسعى القيادة السورية اليوم إلى استثمار التحوّلات التي أحدثتها الاضطرابات الإقليمية في موقع البلاد الاقتصادي. فمنذ اندلاع الحرب مع إيران في أواخر شباط (فبراير)، برز اهتمام متزايد بسوريا بوصفها ممرّاً بديلًا يتيح الوصول إلى البحر المتوسط عبر شبكة من الطرق البرية والبحرية، في وقت ارتفعت فيه مخاطر الاعتماد على مضيق هرمز.
وترى دمشق في هذا التحوُّل فرصة لجذب استثمارات جديدة وتنشيط حركة التجارة والعبور، بما يوفّر مصادر إضافية للإيرادات ويساعد على إعادة تقديم سوريا كمركز للربط الإقليمي بعد سنوات ارتبطت خلالها بالحرب واللجوء وعدم الاستقرار. غير أنَّ تدفق الاستثمارات بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسات السورية على إدارتها قد يحمل مخاطر موازية، خصوصًا إذا غابت الشفافية والرقابة أو تركزت عوائد المشاريع في مناطق وقطاعات محددة.
العودة إلى خريطة العبور الإقليمية
الحاجة إلى تنويع طرق التجارة والنقل في الشرق الأوسط ليست جديدة، لكن الحرب السورية أخرجت البلاد لنحو 15 عامًا من شبكات العبور الإقليمية. ففي عام 2009، بحثت السعودية وتركيا إعادة تطوير مسار “سكة حديد الحجاز” التاريخية، قبل أن تتوقف الخطط مع اندلاع الحرب عام 2011. وبين عامي 2010 و2021، تراجعت الصادرات السورية بنحو 90 في المئة، فيما أُغلقت طرق عبور رئيسية مع انقسام البلاد إلى مناطق نفوذ وسيطرة متنافسة.
وعادت فكرة الممرات الإقليمية بقوة في السنوات الأخيرة. ففي عام 2023، طرحت الهند والسعودية والإمارات والولايات المتحدة وشركاء أوروبيون مشروع “الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا”، بهدف تعزيز الربط التجاري بين آسيا والخليج وأوروبا، مع إسرائيل كإحدى نقاط الاتصال على المسار المقترح.
وأضفت اضطرابات مضيق هرمز إلحاحًا أكبر على البحث عن طرق بديلة. ففي نيسان (أبريل) وحزيران (يونيو) من العام الجاري، اتفقت الأردن والسعودية وسوريا وتركيا على إعادة تطوير سكة حديد الحجاز خلال ثلاث إلى أربع سنوات. وتشير تقديرات لممرات إقليمية مماثلة إلى إمكانية نقل نحو 1.5 مليون حاوية سنويًا في المراحل الأولى، مع إمكانية مضاعفة العدد إذا توسعت قدرات السكك الحديدية والموانئ.
وتتقاطع هذه المشاريع مع رؤية طرحها الرئيس السوري أحمد الشرع تحت عنوان “البحار الأربعة والممرات التسعة”، وتسعى إلى وضع سوريا في قلب شبكة تربط الخليج العربي ببحر قزوين والبحر الأسود والبحر المتوسط، عبر ممرات لنقل السلع والطاقة والنفط.
ويبرز العراق كأحد أكبر المستفيدين المحتملين من هذه التحولات. ففي تموز (يوليو)، اتفقت بغداد ودمشق على إعادة تأهيل خط أنابيب “كركوك–بانياس”، المتوقف منذ عام 2003، بما يمنح النفط العراقي منفذًا مباشرًا ودائمًا إلى البحر المتوسط.
وإذا أُنجز المشروع وفق الجدول الزمني المقدَّر بأربع سنوات، فقد تصل طاقته إلى مليوني برميل يوميًا بحلول عام 2030، أي ما يعادل نحو 60 في المئة من صادرات العراق من النفط الخام قبل الحرب مع إيران. ومع تطوير مسارات إضافية عبر تركيا، يمكن لبغداد أن تحول أكثر من 80 في المئة من صادراتها النفطية بعيدًا من مضيق هرمز، بعدما ظلت تعتمد بصورة شبه كاملة على موانئ الخليج.
وبذلك، لا تقتصر أهمية عودة سوريا إلى شبكة النقل الإقليمية على توفير إيرادات لاقتصادها المنهك، بل تمتد إلى إعادة رسم بعض مسارات التجارة والطاقة في المنطقة، في وقتٍ أصبحت مرونة طرق التصدير والوصول إلى الأسواق عاملًا اقتصاديًا واستراتيجيًا متزايد الأهمية.
لكن تحوّل سوريا إلى مركز للعبور الإقليمي لا يضمن بالضرورة تحسُّنًا مماثلًا في الأوضاع الاقتصادية والسياسية للسوريين. فالموقع الجغرافي الذي يمنح البلاد أهمية متزايدة للدول الباحثة عن مساراتٍ بديلة للتجارة والطاقة، يضعها أيضًا وسط منافسة إقليمية متصاعدة. ففي الوقت الذي تتقارب السعودية وتركيا في عدد من الملفات الأمنية، توسّع الإمارات حضورها التجاري في الموانئ والخدمات اللوجستية، فيما تسعى إسرائيل إلى الحد من النفوذ التركي قرب حدودها. وقد تتحول المنافسة على تمويل الممرات الجديدة وتشغيلها وحمايتها إلى مصدر إضافي للضغوط على دولة لا يزال استقرارها هشًّا.
وحاولت دمشق تقليص هذه المخاطر عبر الانفتاح على أكبر عدد ممكن من الشركاء القادرين على دعم إعادة الإعمار وعودة سوريا إلى محيطها الدولي، من قطر والسعودية وتركيا والإمارات والولايات المتحدة إلى الصين وروسيا. إلّا أنَّ الحفاظ على هذا التوازن قد يصبح أكثر صعوبة مع تزايد نفوذ الدول الأكثر قدرة على توفير التمويل والاستثمارات، ولا سيما قطر والسعودية وتركيا. وإذا احتدمت المنافسة على الممرات والمشاريع الجديدة، فقد تجد دمشق نفسها أمام ضغوط خارجية متعارضة يصعب إدارتها.
وتبرز إسرائيل كعاملٍ آخر يمكن أن يعقّد عودة سوريا إلى خريطة التجارة الإقليمية. فإعادة تشغيل “سكة حديد الحجاز” وتطوير ممرات تصل الخليج بالبحر المتوسط عبر الأراضي السورية قد يقلصان أهمية إسرائيل بوصفها إحدى نقاط الربط في “الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا”. وقد عبّر مسؤولون إسرائيليون بالفعل عن قلقهم من التحوّلات الجارية؛ ففي شباط (فبراير)، حذر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من تنامي “محور سني إقليمي” يضم سوريا وقطر والسعودية وتركيا، فيما اعتبرت وزيرة النقل ميري ريغيف، في حزيران (يونيو)، أنَّ مشاريع التجارة والطاقة الإقليمية التي تتجاوز إسرائيل تمثل “تهديدًا استراتيجيًا” لأمنها القومي.
ولا تنفصل هذه المخاوف عن التوتر العسكري المستمر. فقد شنت إسرائيل خلال عام 2025 سلسلة غارات داخل سوريا، استهدفت بينها مواقع وقواعد جوية كانت تركيا تدرس إمكان استخدام بعضها، بالتزامن مع توسع السيطرة الإسرائيلية في جنوب البلاد. وفي آب (أغسطس) 2026، استهدفت ضربة إسرائيلية قاعدة “أبو الظهور” الجوية، وسط اتهامات إسرائيلية لدمشق بالاستعداد للسماح بوجود عسكري تركي فيها.
وفي المقابل، امتنعت السلطات السورية عن الرد العسكري المباشر، واتجهت إلى مفاوضات برعاية أميركية في محاولة لاحتواء التصعيد ودفع إسرائيل إلى الانسحاب. لكن استمرار الضربات والتوترات الأمنية من شأنه أن يرفع مخاطر الاستثمار ويعرقل مشاريع البنية التحتية التي تعتمد عليها خطط التعافي وإعادة الإعمار.
وهنا تكمن إحدى المعضلات التي تواجه دمشق: فنجاحها في استعادة دور سوريا كممر للتجارة والطاقة يحتاج إلى استثمارات وشراكات خارجية واسعة، لكنه يتطلب في الوقت نفسه قدرًا من الاستقرار السياسي والأمني يسمح بتحويل موقع البلاد الجغرافي من ساحة للتنافس الإقليمي إلى مصدر مستدام للنمو والإيرادات.
الدفع مقابل النفوذ
لا يقتصر تأثير القوى الأجنبية في سوريا على الأمن والسياسة، بل يمتد إلى طبيعة عملية إعادة الإعمار وتوزيع مواردها. فخلال الحرب، منح نظام بشار الأسد حلفاءه امتيازات واسعة مقابل دعمهم؛ إذ أقامت روسيا قواعد عسكرية وحصلت على مصالح في قطاعات الفوسفات والنفط والغاز والموانئ، فيما استخدمت إيران الأراضي السورية ممرًّا إلى لبنان ونشرت آلاف العناصر والقوات فيها.
وبعد سقوط الأسد، عملت الحكومة الجديدة على تقليص هذا الإرث، فأخرجت القوات الإيرانية و”حزب الله”، وفككت شبكات الممر العسكري الإيراني، واستعادت السيطرة على قواعد كانت خاضعة للنفوذ الروسي، وإن استمرَّ تشغيل بعضها بصورة مشتركة. لكن استعادة السيادة الاقتصادية والإدارية لا تزال غير مكتملة، في ظل إرث طويل من تعدد السلطات المحلية وأنظمة الجمارك والمعابر، ولا سيما في المناطق التي كانت تديرها “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا”. ورغم استعادة دمشق السيطرة على معابر مع العراق في تلك المناطق، لا يزال المعبر الرئيسي منها إلى تركيا مغلقًا.
وفي مسعى لجذب رؤوس الأموال، فتحت الحكومة الجديدة الباب على نطاق واسع أمام المستثمرين الأجانب. ففي حزيران (يونيو)، أصدر الرئيس أحمد الشرع مرسومًا يتيح الملكية الأجنبية الكاملة في معظم القطاعات، وحرية تحويل الأرباح إلى الخارج، إلى جانب حوافز ضريبية وجمركية واسعة.
وفي المقابل، تتركز صلاحيات منح التراخيص وتخصيص أراضي الدولة والحوافز الاستثمارية في مؤسسات مرتبطة بالرئاسة، بما يمنح السلطة التنفيذية دورًا كبيرًا في تحديد وجهة الاستثمارات والمستفيدين منها. وقد يسرّع ذلك تنفيذ المشاريع، لكنه يثير أيضًا تساؤلات حول الشفافية والرقابة وتكافؤ الفرص، خصوصًا في غياب مؤسسات رقابية مستقلة وراسخة.
وتظهر أهمية الاستثمارات الأجنبية بوضوح في قطاع الموانئ. فقد حصلت شركة “سي أم إيه – سي جي أم” (CMA CGM) الفرنسية على امتياز لمدة 30 عامًا لتشغيل ميناء اللاذقية، أكبر موانئ البلاد، على أن تحصل الحكومة السورية على 60 في المئة من إيراداته. كما تتولى “دي بي وورلد” (DP World) الإماراتية تمويل وتطوير بنية تحتية جديدة في ثاني أكبر الموانئ السورية مقابل حقوق تشغيلية لمدة 30 عامًا، قبل عودة السيطرة إلى دمشق. إلّا أنَّ عدم إعلان تفاصيل تقاسم الإيرادات في الاتفاق الأخير يجعل العائد المتوقع للدولة وآليات إدارته غير واضحة حتى الآن.
ويصعب على سوريا الاستغناء عن مثل هذا التمويل في ظل ضخامة فاتورة إعادة الإعمار. فالبنك الدولي خصص منحًا تقارب 500 مليون دولار لمشاريع في الكهرباء والمياه والصحة والمؤسسات المالية، وهو مبلغ لا يمثل سوى جزء ضئيل من احتياجات البلاد المقدرة.
وفي تشرين الأول (أكتوبر)، أعلن الشرع أنَّ حكومته استقطبت خلال عشرة أشهر تعهدات استثمارية بنحو 28 مليار دولار من مستثمرين أتراك وخليجيين، أي نحو 13 في المئة من إجمالي احتياجات إعادة الإعمار المقدرة. لكن الجُزء الأكبر من هذه الأموال يتجه إلى مشاريع البنية التحتية والاستثمار، بما فيها محطات الطاقة والموانئ والمطارات والاتصالات والمشاريع العقارية، فيما تحظى إعادة الخدمات الأساسية والمساكن في المناطق الأكثر تضرُّرًا بحصة أقل من الاهتمام.
كما إنَّ جُزءًا مهمًّا من المبالغ المعلنة لا يزال في صورة تعهدات واتفاقيات أولية، ما يعني أنَّ حجم الاستثمارات المنفذة فعليًا قد يكون أقل بكثير من الأرقام المعلنة. ومن هنا، لا يتعلق التحدي بجذب رأس المال الأجنبي فحسب، بل بقدرة دمشق على توجيهه بحيث تخدم إعادة الإعمار الاقتصاد والمجتمعات السورية، من دون أن تتحوّل الامتيازات طويلة الأجل إلى شكل جديد من أشكال النفوذ الخارجي.
وأنشأت حكومة الشرع صندوقين لإدارة جانب من عملية إعادة الإعمار. الأول هو “صندوق التنمية السوري”، المخصص لاستقبال التبرعات والمنح وتمويل إعادة تأهيل البنية التحتية العامة، من طرق وجسور وشبكات مياه وكهرباء. أما الثاني فهو “الصندوق السيادي السوري”، المستوحى من تجربة صناديق الثروة السيادية الخليجية، ويتولى إدارة أصول الدولة والاستثمار في الممتلكات العامة والمشاركة في المشاريع الاستراتيجية.
ويمكن لهذه المؤسسات أن تساعد على تنظيم التمويل وإدارة أصول عامة عانت طويلًا من التشتت وسوء الإدارة. لكن هيكل “الصندوق السيادي السوري” يثير تساؤلات حول الحوكمة والشفافية، إذ تخضع إدارة الأصول فيه مباشرة لسلطة الرئيس، من دون رقابة مستقلة واضحة، فيما لا تزال المعلومات المتاحة عن هيكليته وآليات عمله محدودة.
وينطبق الأمر نفسه على بعض المؤسسات الجديدة المرتبطة بالاستثمار. فالمركز المزمع إنشاؤه للتحكيم في النزاعات الاستثمارية والتجارية سيتبع “هيئة الاستثمار السورية”، المرتبطة بدورها برئاسة الجمهورية. ومن شأن هذه المركزية أن تسرّع اتخاذ القرارات، لكنها تمنح الرئاسة أيضاً نفوذًا واسعًا في تحديد المشاريع والمستثمرين والمناطق المستفيدة من تدفقات رأس المال، ما يجعل بناء آليات مستقلة للرقابة والمساءلة ضروريًا لتفادي إعادة إنتاج ممارسات اقتصادية ارتبطت لعقود بتركيز السلطة والثروة.
جني الثمار
ولا يكفي بناء الممرات وجذب الاستثمارات لضمان تعافٍ اقتصادي مستدام إذا بقيت الفجوات واسعة بين دمشق والمناطق الطرفية الأكثر فقرًا وتضرّرًا من الحرب. فقدرة سوريا على تحويل رأس المال الأجنبي إلى مكاسب محلية ترتبط في النهاية بمدى نجاح الحكومة في ترسيخ الاستقرار وإعادة توحيد مؤسسات الدولة.
ورغم التقدّم الذي أحرزته دمشق في هذا الاتجاه، لا تزال المهمة صعبة. فقد شهدت عملية إعادة بسط سلطة الدولة خلال العامين الماضيين مواجهات دامية في الساحل ذي الغالبية العلوية، وفي السويداء ذات الغالبية الدرزية، وفي مناطق الشمال الشرقي التي كانت خاضعة لسيطرة الأكراد، ما عمّق انعدام الثقة بين السلطة المركزية وبعض المجتمعات المحلية.
وكانت المواجهة مع “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) أبرز اختبار لهذه العملية. فبعد الاتفاق الذي وقعته دمشق و”قسد” في آذار (مارس) 2025، تعثّر التنفيذ بسبب الخلافات حول دمج القوات ومستقبل الحكم الذاتي الكردي، قبل أن تندلع مواجهات في كانون الثاني (يناير) أدت إلى نزوح أكثر من 170 ألف شخص.
وبعد وقفٍ لإطلاق النار بوساطة أميركية، توصّل الطرفان إلى اتفاق جديد يقضي بنقل السيطرة على المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز والمؤسسات المحلية إلى دمشق، ودمج مقاتلي “قسد” في الجيش السوري. وبعد أشهر من التنفيذ التدريجي، أعلن قائد “قسد” مظلوم عبدي في آب (أغسطس) حل التحالف كقوة مستقلة وإنهاء الإدارة الذاتية التي قادها الأكراد في شمال شرق البلاد، بالتوازي مع نقل البنية التحتية والموارد إلى سلطة الدولة المركزية.
ويتيح هذا الاتفاق لدمشق، من حيث المبدَإِ، توحيد إدارة الحدود والموارد وفتح الطرق التي أغلقتها سنوات الحرب، وإنهاء تعدد المؤسسات والسلطات في شمال شرق البلاد. لكن نجاحه سيظل مرتبطًا بقدرة الحكومة على ضمان حقوق الأكراد وتمثيلهم ضمن النظام الجديد. فأيُّ تعثّر في عملية الدمج قد يعيد التوتر إلى المنطقة، ويعرقل مساعي دمشق لتوحيد أراضي البلاد وتأمين ممرات التجارة والعبور التي تراهن عليها في مرحلة إعادة الإعمار.
وتزيد عودة ملايين السوريين إلى مناطقهم من حجم التحدّي. فبحلول نهاية أيار (مايو)، كان نحو 1.67 مليون لاجئ و1.92 مليون نازح داخلي قد عادوا إلى مجتمعاتهم الأصلية، كثير منهم إلى مناطق تعاني أصلًا نقصًا في المساكن وفرص العمل والخدمات الأساسية. ومع استمرار العودة، قد تتصاعد المنافسة على الموارد والخدمات وتظهر بؤر جديدة للتوتر المحلي، ما يفرض على دمشق منح المحافظات والبلديات الموارد والصلاحيات اللازمة للاستجابة سريعًا لاحتياجات السكان والعائدين.
وفي الوقت نفسه، تحتاج الحكومة إلى ضمان ألّا يتحوّل اقتصاد ما بعد الحرب إلى نموذج يعتمد على رسوم العبور والامتيازات الممنوحة للشركات والدول الأجنبية. فالفرصة الحقيقية تكمن في إعادة استثمار جُزء من عائدات الموانئ والطرق والطاقة والمشاريع الكبرى داخل الاقتصاد المحلي، من خلال تطوير شبكات الطرق والكهرباء والخدمات، وخلق فرص العمل، وربط الاستثمارات الأجنبية بالتوظيف المحلي وتقاسم العائدات.
وتملك دمشق في هذا المجال هامشًا لم يكن مُتاحًا للنظام السابق. فاهتمام دول الخليج وتركيا وأوروبا والولايات المتحدة والمؤسسات الدولية بالسوق السورية وممراتها يمنح الحكومة فرصة للمفاضلة بين الشركاء والتفاوض على شروط أفضل. لكن الاستفادة من هذه المنافسة تتطلب اتفاقيات شفافة وأولويات واضحة لإعادة الإعمار، إلى جانب تسويات مستقرة مع الأقليات والمجتمعات المحلية تعزز الثقة بالدولة ومؤسساتها.
لقد أعادت التحوّلات الإقليمية سوريا إلى الخريطة بوصفها حلقة محتملة في شبكات التجارة والطاقة بين الخليج والعراق وتركيا والبحر المتوسط، ومنحت دمشق مصادر جديدة للدخل والنفوذ في لحظة تحتاج فيها بشدة إلى كليهما. لكن القيمة الحقيقية لهذا الموقع لن تُقاس بعدد الشاحنات التي تعبر أراضيها أو المليارات التي تتعهّد بها الدول والشركات، بل بمدى انعكاسها على حياة السوريين وقدرة الدولة على إعادة بناء مؤسساتها واقتصادها.
فالتحدي أمام سوريا لم يعد مجرد العودة إلى الخريطة الإقليمية، بل تحديد موقعها عليها: هل تصبح مركزًا اقتصاديًا يربط المنطقة ويستفيد السوريون من عائداته، أم تبقى مجرّد ممرٍّ هشّ تعبره تجارة الآخرين ومصالحهم؟
- جيسي ماركس هو باحث في مركز الدراسات العربية والإسلامية بالجامعة الوطنية الأوسترالية.
- نيكولاس لايال هو باحث أول ومحلل سياسات في مجموعة “تريندز” (Trends Group) في أبوظبي.
- يصدُرُ هذا المقال بالعربية في “أسواق العرب” توازيًا مع صدوره بالإنكليزية في “فورِن أفِّيرز” الأميركية.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.