مَن سيبني المشرق العربي؟ (6 من 6)

الحروب التي تعصف بالمشرق العربي لم تنتهِ بعد، لكنَّ الصراعَ على ما سيأتي بعدها بدأ بالفعل. في هذه السلسلة نسأل: مَن سيعيد بناء دول المشرق واقتصاداته، ومَن سيموّل نهوضه، وأي توازنات ستُحدد موقعه في النظام الإقليمي المقبل؟

الحوار مع القطاع الخاص في سوريا: إعادة بناء الاقتصاد تبدأ أيضًا بإعادة بناء الثقة بين الدولة والمستثمرين، وتحويل رأس المال إلى شريك في التعافي والاستقرار.

الحلقة السادسة والأخيرة

المشرق بعد الحرب… مَن يُعيدُ بناءَ الدولة والحقوق؟

كابي طبراني*

عندما تصمُت المدافع، تبدأ عادةً لغةٌ أخرى في الظهور: كلفة الأضرار، مليارات إعادة الإعمار، المساكن التي يجب بناؤها، وشبكات الكهرباء والمياه والطرق والمستشفيات التي ينبغي إصلاحها. وفي غزة وسوريا ولبنان والعراق، تبدو هذه المهمة هائلة بما يكفي لكي تختزل، للوهلة الأولى، تحدّي ما بعد الحرب كله في سؤالٍ واحد: مَن سيُمَوِّل إعادة البناء؟

لكن المال قد يكون الجُزءُ الأسهل من المعادلة.

فالحروب لا تدمّر الحجر وحده. إنها تُغيِّرُ علاقة الإنسان بأرضه ودولته ومجتمعه. ملايين البشر نزحوا أو لجَؤوا إلى الخارج، عائلات تفرّقت، قرى وأحياء اختفت أو تغيّرت معالمها، وثائق وسجلات فُقدت أو تضرّرت، وملكيات أصبحت موضع نزاع. وفي الوقت نفسه، رسّخت سنوات الصراع جماعات مسلحة ومراكز نفوذ واقتصادات حرب وسلطات محلية نمت في المساحات التي تراجعت فيها الدولة.

ولهذا، قد يكون بناء جسر أو محطة كهرباء، على صعوبته وكلفته، أقل تعقيدًا من الإجابة عن أسئلة تبدو أبسط: لمَن تعود الأرض التي سيُبنى عليها المنزل؟ مَن يستطيع العودة إليها؟ مَن يضمن أمن العائدين؟ مَن يحتكر السلاح؟ وأيُّ سلطة ستفصل في الحقوق والنزاعات التي خلّفتها الحرب؟

هذه الأسئلة ليست تفصيلًا يأتي بعد إعادة الإعمار. إنها جُزءٌ من تعريفه.

فإعادة بناء المشرق بعد الحرب تجري على أربع طبقات مترابطة: إعادة بناء الحجر، وإعادة بناء الحقوق، وإعادة بناء الدولة، وإعادة بناء الثقة. ولا تستطيع واحدة منها أن تعوّض غياب الأخرى.

فالمنزل الجديد لا يكفي إذا فقد صاحبه حقه فيه، والعودة لا تستقر إذا غاب الأمن، والدولة لا تكتمل إذا تعدّدت مراكز القوة، والسيادة لا تصنع سلامًا دائمًا إذا بقي المجتمع منقسمًا على نفسه.

لهذا، قبل أن يبدأ المشرق بإزالة ركام حروبه، سيكون عليه أن يواجه ركامًا أقل ظهورًا وأكثر تعقيدًا: ركام الحقوق والسلطة والثقة الذي تراكم تحت أنقاض المدن.

مَن يملك الأرض… ومَن يملك حق العودة؟

إذا كان الدمار هو الوجه الأكثر وضوحًا للحرب، فإنَّ ما يحدث للملكية قد يكون من أكثر آثارها تعقيدًا وأطولها عمرًا. فحين ينهار منزل، لا تختفي الجدران وحدها؛ قد تضيع معها الوثائق، وتتغيّر معالم الأرض، ويموت أصحاب الحقوق أو يتفرّق الورثة، فيما يكون السكان قد نزحوا إلى منطقة أخرى أو لجَؤوا إلى بلدٍ آخر. وعندما تبدأ إعادة الإعمار، يظهر سؤال يبدو بسيطًا لكنه قد يكون من أصعب أسئلة ما بعد الحرب: لمن تعود هذه الأرض أصلًا؟

هذه ليست مشكلة واحدة في غزة وسوريا وجنوب لبنان، ولا يمكن اختزالها في نموذج قانوني موحَّد. لكن الحالات الثلاث تكشف، بدرجات وأشكال مختلفة، أنَّ الحرب تستطيع تدمير العلاقة القانونية والمادية بين الإنسان والمكان، وأنَّ إعادة هذه العلاقة قد تكون أصعب من إعادة المبنى نفسه.

في غزة، حيث دُمّرت أحياء كاملة وتغيّر المشهد العمراني على نطاق هائل، لا تتعلق إعادة الإعمار فقط بعدد الوحدات السكنية التي يمكن بناؤها أو بحجم الأموال التي يستطيع المانحون توفيرها. فحين تختفي الشوارع والمعالم التي كانت تفصل بين العقارات، وتتضرّر المؤسسات والوثائق، يصبح تثبيت الحقوق في الأرض والملكية جُزءًا من عملية الإعمار نفسها.

وتزداد حساسية المسألة لأنَّ إعادة البناء الواسعة ستتطلّب، على الأرجح، إعادة تخطيط مناطق مدمَّرة، وشق طرق وبناء بنية تحتية ومرافق وأحياء جديدة. وهنا يصبح القرار العمراني قرارًا سياسيًا واجتماعيًا أيضًا: هل يُعاد الحي كما كان؟ هل تتغيّر استعمالات الأراضي؟ ماذا يحدث إذا ارتفعت قيمة منطقة مدمرة بعد إعادة تخطيطها؟ ومَن يملك حق الموافقة عندما يكون أصحاب العقارات نازحين أو لاجئين أو مفقودين؟

وهذه تحديدًا إحدى المسائل التي أثارتها المحامية زها حسن في “أسواق العرب” عند تناولها خطط إعادة إعمار غزة، محذّرةً من أنَّ إدارة الأراضي وإعادة تسجيل الملكيات وإعادة التخطيط قد تتحوّل، إذا لم تُحمَ حقوق السكان، من أدواتٍ لإعادة الإعمار إلى أدواتٍ لإعادة تشكيل القطاع وسكانه. المسألة هنا لا تتعلق برفض التخطيط الجديد، بل بالسؤال عمَّن يضعه، وبأيِّ قواعد، وبأيِّ مشاركة من أصحاب الحقوق.

لكن غزة ليست استثناءً في هذا الجانب.

في جنوب لبنان، أدى التدمير الإسرائيلي الواسع في القرى الحدودية إلى إزالة آلاف المباني وإلحاق أضرار بالأراضي الزراعية والبنية العمرانية، فيما أظهرت دراسات متخصصة بعد الحرب مشكلة تتعلق بوثائق السكن والأرض والملكية لدى بعض النازحين، بما في ذلك فقدان وثائق أو تضرّرها، وما يمكن أن يعنيه ذلك بالنسبة إلى التعويض وإعادة البناء واستعادة الحقوق.

وهنا ينبغي التمييز بين السجل العقاري الرسمي وبين العلامات والوثائق والمعرفة المحلية التي تثبت الملكية على الأرض. فقد يبقى القيد موجودًا في السجل، لكن اختفاء المنزل والسياج والطريق والمعالم التي كانت تحدد العقار يمكن أن يجعل إعادة تثبيت الحدود أكثر تعقيدًا، ولا سيما في الملكيات المشتركة أو الموروثة، أو حيث لم تُستكمل معاملات التسجيل، أو عندما يكون أصحاب الحقوق في الخارج.

وتظهر المشكلة بصورة أوسع في سوريا. فالحرب جاءت فوق نظام عقاري كان يعاني أصلًا من انتشار الملكيات والمعاملات غير المسجلة رسميًا، ثم أضافت سنوات النزوح واللجوء والدمار طبقات جديدة من التعقيد. تضررت سجلات وأرشيفات عقارية أو أصبحت غير متاحة في بعض المناطق، وتغيرت حيازة عقارات خلال غياب أصحابها، وجرت معاملات في ظروف الحرب، فيما انتشر ملايين السوريين داخل البلاد وخارجها.

ولهذا قد تكون عودة اللاجئ إلى سوريا أسهل من عودته إلى منزله.

فالحدود تستطيع أن تسجل دخوله إلى البلاد، لكن ذلك لا يعيد إليه تلقائيًا عقارًا تهدّم، أو منزلًا أصبح مشغولًا من آخرين، أو ملكية يحتاج إلى إثباتها بوثائق لم تعد في حوزته. وقد يكون صاحب الحق قد توفي في المنفى، تاركًا ورثة موزَّعين بين دولٍ عدة، أو أطفالًا يحتاجون إلى مَن يمثّلهم قانونيًا، أو أفرادًا لا يستطيعون العودة أصلًا لتقديم مطالباتهم.

ومن هنا يتضح أنَّ “حقَّ العودة” لا يمكن اختزاله في فتح الحدود أو توفير وسيلة النقل. لكي تصبح العودة فعلية ومستدامة، يحتاج الإنسان إلى مكان يستطيع السكن فيه، وحق يستطيع إثباته، وأمن يثق باستمراره، وخدمات ومصدر دخل. وإلّا فقد يعود اللاجئ إلى وطنه، من دون أن يستطيع العودة إلى الحياة التي يفترض أن يستعيدها فيه.

والمشكلة لا تخصُّ أصحاب الملكية المسجّلة وحدهم. فالحروب تقتلع أيضًا المستأجرين، وسكان المساكن غير الرسمية، والعائلات التي كانت تقيم منذ عقود في عقارات لا تحمل سندات واضحة. وإذا اقتصرت التعويضات وإعادة الإسكان على مَن يستطيع إبراز وثيقة ملكية مكتملة، فقد يجد جزء من السكان نفسه خارج عملية الإعمار، رُغمَ أنه من ضحايا الحرب.

وهنا تكمن إحدى أخطر مفارقات إعادة الإعمار: الأموال التي يُفترَض أن تُعيدَ الناس إلى أماكنهم يمكن، إذا سبقت تثبيت حقوقهم، أن تساعد على إقصائهم عنها.

ولا يعني ذلك أنَّ المدن والقرى يجب أن تُعاد كما كانت حرفيًا. فالدمار الواسع قد يفرض تخطيطًا جديدًا، وقد تكون هناك حاجة إلى طرق أوسع ومرافق أفضل وأحياء أكثر أمانًا وكفاءة. لكن الفارق جوهري بين إعادة تخطيط تتمُّ مع أصحاب الحقوق، وإعادة تخطيط تتمُّ على حسابهم.

لهذا ينبغي أن تسبق الجرافات، أو تسير معها، بنية أقل ظهورًا من الأبراج والطرق لكنها لا تقل أهمية: حماية السجلات الموجودة ورقمنتها، وإعادة تكوين ما فُقد منها، والمسح العقاري وتثبيت الحدود، والاعتراف بأشكال الإثبات البديلة حيث تقتضي الضرورة، وإنشاء آليات مستقلة للنظر في المطالبات المتعارضة، ووضع نظام شفاف للتعويض والطعن، مع تمكين اللاجئين والنازحين من تسجيل مطالباتهم حتى وهم خارج مناطقهم أو بلدانهم.

وفي الحالات التي اختفت فيها المعالم المادية، تصبح الخريطة والسجل والمسّاح والقاضي جُزءًا من ورشة إعادة الإعمار بقدر ما تكون الجرافة والمهندس وشركة البناء جُزءًا منها.

والأمر نفسه ينطبق على أموال الإعمار. ففي دول تعاني ضعف المؤسسات والمحسوبية والفساد، لا يكون السؤال فقط كم سيصل من المال، بل مَن سيديره، وكيف ستُختار المناطق والمشاريع والمستفيدون، ومَن يستطيع الاعتراض على القرار. فمن دون قواعد مُعلَنة للتعويض، ورقابة على العقود، وقضاء قادر على الفصل في المنازعات، تستطيع إعادة الإعمار أن تُعيدَ إنتاج شبكات النفوذ القديمة أو أن تُنشِئ شبكات جديدة.

في النهاية، قد تستطيع الحكومات والمانحون العثور على مليارات الدولارات اللازمة لبناء آلاف المساكن. لكن ذلك لن يحلَّ المشكلة إذا لم يعرفوا لمَن ينبغي تسليم مفاتيحها. فإعادة بناء الحقوق ليست مرحلة تأتي بعد إعادة الإعمار؛ إنها أحد شروطه.

وهنا تقودنا الأرض والعودة إلى السؤال التالي: حتى إذا عرفنا مَن يملك المنزل ومَن يملك حق العودة إليه، مَن سيحمي العائدين، ومَن سيحمل السلاح، ومَن يملك القرار داخل الدولة؟

مَن يحمل السلاح… ومَن يملك الدولة؟

إذا كانت استعادة الأرض والمُلكية شرطًا لعودة الناس، فإنَّ استدامة هذه العودة تتوقّف على سؤالٍ أكثر حساسية: مَن يضمن أمنهم، ومَن يملك حق استخدام القوة؟

فالحرب لا تخلّف منازل مُهَدَّمة ولاجئين ونازحين فقط. إنها تُخلّف أيضًا مقاتلين وتنظيمات مسلحة وشبكات تمويل ومصالح اقتصادية ومؤسسات أمنية متنافسة، وقد تخلق لدى جماعات كاملة شعورًا بأنَّ أمنها يعتمد على قدرتها الذاتية على حمل السلاح أكثر مما يعتمد على الدولة.

وهنا تصبح إعادة بناء الدولة أصعب من إعادة مؤسساتها إلى العمل. فقد تعود الوزارات والمحاكم والشرطة إلى مبانيها، من دون أن تكون الدولة قد استعادت فعليًا حقها الحصري في استخدام القوة واتخاذ قرار الحرب والسلم.

لكن المشكلة لا تأخذ الشكل نفسه في دول المشرق، ولا يمكن التعامل معها بشعارٍ واحد من نوع “نزع السلاح”. فالسلاح في لبنان ليس السلاح في العراق، وما تواجهه سوريا في إعادة تشكيل مؤسساتها الأمنية يختلف عن السؤال الفلسطيني في غزة. ومع ذلك، تلتقي الحالات كلها عند مُعضِلة واحدة: كيف تنتقل القوة من الجماعات التي راكمتها خلال الحرب إلى مؤسسات الدولة من دون أن يؤدي الانتقال نفسه إلى حربٍ جديدة؟

في لبنان، لا تتعلق القضية فقط بجمع سلاح “حزب الله”، بل بنقل وظيفة الحماية وقرار الحرب والسلم إلى الدولة. وهذا يعني أنَّ على الدولة ألّا تُطالب جماعة بالتخلّي عن وسيلة تقول إنها تحميها من دون أن تكون قادرة على توفير بديل أمني موثوق، وإقناع البيئة التي استند إليها هذا السلاح بأنَّ مؤسسات الدولة قادرة على حماية أمنها ومصالحها.

أما العراق، فقد أظهر أنَّ إدخالَ قوى مسلحة في أطر رسمية لا يعني تلقائيًا انتهاء مراكز القوة الموازية. فإذا بقيت للفصيل قيادته وشبكات تمويله ومصالحه السياسية والاقتصادية وسلسلة ولائه الخاصة، فإنَّ تغيير صفته القانونية لا يكفي لإنشاء مرجعية وطنية واحدة للسلاح.

وفي سوريا، تطرح المسألة تحدّيًا أكثر تأسيسًا. فسنوات الحرب لم تخلق جماعات مسلحة متعددة فحسب، بل أوجدت مناطق ومجتمعات وقوى محلية اكتسبت خبرة في إدارة شؤونها والدفاع عن نفسها، فيما ترك العنف المتبادل مخاوف عميقة بين مكونات المجتمع. وهنا لا يكون السؤال فقط كيف تستعيد دمشق السيطرة على كامل البلاد، بل أي دولة ستستعيد هذه السيطرة.

فالأكراد والدروز والعلويون وسواهم من مكونات المجتمع السوري ليسوا “ملفات أمنية” ينبغي إغلاقها، بل مواطنون ينبغي أن يعرفوا موقعهم في النظام الجديد، وضمانات أمنهم وحقوقهم وتمثيلهم، وما إذا كانت المؤسسات التي يُطلب منهم تسليم السلاح لها ستكون مؤسسات وطنية فعلًا أم أدوات في يد طرف آخر.

ولهذا ترتبط قضية السلاح في سوريا بشكل الدولة نفسها: كيف تُدمج القوى المسلحة أو يُعاد تنظيمها داخل مؤسسات وطنية؟ وما حدود المركزية واللامركزية التي تستطيع طمأنة المجتمعات المحلية من دون أن تتحوّل إلى تقسيمٍ فعلي؟ وكيف يُبنى جيش وأجهزة أمنية لا يشعر جزء من المواطنين بأنها موجَّهة ضده؟

أما في غزة، فإنَّ إعادة الإعمار لا يمكن فصلها عن سؤال مَن سيحكم القطاع ومَن سيتولى الأمن فيه. فالمموّل يستطيع إعادة بناء مدرسة أو مستشفى، لكنه يحتاج إلى معرفة أي سلطة ستديرهما وأي جهاز سيحميهما، وكيف ستنتظم العلاقة بين غزة والسلطة الفلسطينية، وما سيكون عليه موقع “حماس” وسلاحها في أيِّ نظام سياسي وأمني يأتي بعد الحرب.

وفي الحالات كلها تظهر الحلقة المغلقة نفسها: الجماعة تحتفظ بالسلاح لأنها لا تثق بالدولة، والدولة لا تستطيع أن تصبح دولة كاملة لأنَّ الجماعة تحتفظ بالسلاح. وكسر هذه الحلقة يحتاج إلى أكثر من جمع الأسلحة.

فالتجارب الخارجة من الحروب تتحدّث عادةً عن ثلاث عمليات مترابطة: نزع السلاح، وتسريح المقاتلين، وإعادة دمجهم. غير أنَّ هذه ليست عملية أمنية فقط، بل سياسية واجتماعية واقتصادية أيضًا. فالمقاتل الذي أمضى سنوات داخل تنظيم مسلح لا يفقد بسحب بندقيته مصدر قوته وحده؛ قد يفقد أيضًا دخله ومكانته وشبكة العلاقات التي وفّرت له ولأسرته الحماية والوظيفة والهوية.

ولهذا لا يمكن نقل جميع المقاتلين ببساطة إلى الجيش أو الشرطة، كما لا يمكن ترك أعداد كبيرة ممَن عاشوا سنوات داخل اقتصاد الحرب بلا عمل أو أفق. بعضهم يمكن دمجه في المؤسسات الأمنية بعد التدقيق والتدريب، وبعضهم يحتاج إلى العودة إلى الحياة المدنية من خلال التعليم والتأهيل وفرص العمل. وإِلّا يُصبحُ نزع السلاح من دون إعادة دمج وسيلة لنقل المشكلة من نهاية حرب إلى بداية أزمة أخرى.

والأمر لا يقتصر على الأفراد. فالجماعات المسلحة التي تحوّلت خلال الحرب إلى أحزاب وشركات ومؤسسات اجتماعية وشبكات اقتصادية لا تختفي بمجرد إغلاق مخازن أسلحتها. لذلك فإنَّ الانتقال الحقيقي يحدث عندما تنتقل المنافسة من ميدان القوة المسلحة إلى السياسة والقانون، وتصبح القوى المختلفة قادرة على الدفاع عن مصالحها والوصول إلى السلطة والخروج منها من دون أن يكون السلاح ضمانتها الأخيرة.

لكن الدولة نفسها تخضع هنا لاختبارٍ مُماثل.

فاحتكارُ القوة لا يعني استبدال سلاح الجماعات بسلاح أجهزة لا تخضع للقانون. الجيش والشرطة وأجهزة الأمن تحتاج بدورها إلى قيادة مدنية ومساءلة وقضاء قادر على محاسبتها. وإِلّا يصبح “احتكار الدولة للسلاح” مجرّد انتقالٍ للقوة من يدٍ غير خاضعة للمساءلة إلى يد أخرى غير خاضعة لها.

فالهدف ليس إنشاء دولة أقوى في مواجهة المجتمع، بل دولة لا يحتاج المجتمع إلى قوة أخرى لحماية نفسه منها أو من خصومه. ولهذا فإنَّ احتكار الدولة للسلاح هو نتيجة لبناء الثقة بقدر ما هو شرط لبناء الدولة.

حين يثق المواطن بأنَّ الشرطة لن تُميّز ضده، وأنَّ الجيش لن يتحوّل إلى أداةٍ لطائفة أو حزب، وأنَّ القضاء يستطيع إنصافه، تتراجع القيمة التي يمنحها للسلاح الموازي. أما عندما تنهار هذه الثقة، فيتحوّل السلاح في نظر حامله من أداة قوة إلى بوليصة تأمين ضد المستقبل. والدولة تستعيد احتكار القوة بصورة مستدامة عندما يصبح الاحتكام إليها أكثر أمانًا من الاحتماء بالسلاح خارجها.

لكن استعادة قرار القوة في الداخل لا تحسم المسألة كلها. فقد توحّد الدولة مؤسساتها الأمنية، فيما يبقى القرار المتعلق بأرضها وحدودها وحربها وسلمها عرضة لقوى من خارجها.

هل يُمكنُ إعادة بناء دولة فيما تظلُّ سيادتها منقوصة؟

حتى إذا أمكن تثبيت حقوق الملكية وتهيئة شروط العودة، وحتى إذا استعادت الدولة تدريجيًا احتكار السلاح، تبقى طبقة أخرى من إعادة البناء لا تقل صعوبة: هل تملك الدولة فعلًا السيادة على أرضها وحدودها وقرارها الأمني؟

المسألة هنا ليست مَن يملك النفوذ في المشرق، بل ما إذا كان بالإمكان تثبيت إعمار طويل الأجل في دولة لا تملك بصورة كاملة القرار المُتعلّق بأرضها وحدودها وحربها وسلمها.

فإعادة الإعمار تفترض، في جوهرها، رهانًا على المستقبل. الأسرة التي تعيد بناء منزلها، والمستثمر الذي ينشئ مصنعًا، والدولة التي تقترض لبناء محطة كهرباء أو طريق، والجهة الدولية التي تموّل مستشفى أو مدرسة، تفعل ذلك على افتراض أنَّ ما يُبنى اليوم لن يُدمّر مرة أخرى بعد سنوات قليلة. ومن دون هذا الحد الأدنى من اليقين، يصبح الإعمار عملية لإصلاح ما بين حربين بدل أن يكون بداية للخروج من الحرب.

غزة هي التعبير الأكثر حدة عن هذه المعضلة. فإعادة بناء القطاع لا تتوقف على العثور على الأموال اللازمة لذلك، بل على ما سيكون عليه وضع الأرض والحدود والمعابر وحركة السكان والبضائع والترتيبات الأمنية بعد الحرب. وإذا بقيت هذه المسائل بلا تسوية مستقرة، فإنَّ السؤال الذي سيواجه كل مشروع جديد سيكون بسيطًا: مَن يستطيع أن يضمن ألّا يُدمَّر مرة أخرى؟

وهنا تصبح السيادة جُزءًا من الحساب الاقتصادي للإعمار، لا مفهومًا سياسيًا مجردًا.

فالمستشفى يحتاج إلى أجهزة وأطباء، لكنه يحتاج أيضًا إلى حرية إدخال المعدات والأدوية. والمصنع يحتاج إلى رأس المال والكهرباء، لكنه يحتاج كذلك إلى القدرة على استيراد مواده وتصدير إنتاجه. والأسرة التي تعيد بناء منزلها تحتاج إلى أكثر من الإسمنت؛ تحتاج إلى يقين معقول بأنها لن تضطر إلى النزوح منه مرة أخرى.

وفي جنوب لبنان تظهر المشكلة بصورة مختلفة، لكنها تقود إلى السؤال نفسه. فإعادة إعمار القرى الحدودية لا يمكن فصلها عن الوضع الأمني على الحدود مع إسرائيل، وعن قدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها، وعن الجهة التي تملك في النهاية قرار الحرب والسلم. وإذا بقيت المنطقة عُرضةً لجولة جديدة من المواجهة، فإنَّ إعادة بناء المنازل والطرق والمدارس قد تعيد الحياة إليها، لكنها لا تضمن استقرارها.

وتكشف التجربة اللبنانية هنا مفارقة مؤلمة: يمكن إعادة بناء المكان أكثر من مرة من دون معالجة السبب الذي يجعله قابلًا للتدمير مرة أخرى.

لذلك لا ينبغي أن يُقاس نجاح إعادة إعمار الجنوب فقط بعدد الوحدات السكنية التي أُنجزت أو الطرق التي أُصلحت، بل بقدرة السكان على العودة من دون أن يعيشوا وهم يستعدون للنزوح التالي.

أما سوريا فتضع مفهوم السيادة أمام اختبار آخر. فوجود حكومة مركزية ومؤسسات رسمية لا يكفي إذا لم تكن سلطة الدولة قابلة للممارسة على أراضيها، وإذا بقيت ترتيبات السيطرة و”الوجودات” العسكرية الأجنبية والحدود عُرضةً للتغيير. فمدينة لا يُعرف على وجه اليقين مَن يسيطر على أمنها غدًا تواجه صعوبة في جذب استثمار طويل الأجل وفي إقناع سكانها بالعودة والاستقرار.

وفي العراق، حيث استعادت الدولة قدرًا كبيرًا من قدرتها على إدارة أراضيها ومؤسساتها بعد الحرب على “داعش”، يبقى المعيار نفسه: أن تكون العلاقات والارتباطات الخارجية امتدادًا لقرار الدولة لا بديلًا منه، وأن يصدر قرار الأمن والحرب والعلاقات مع الخارج في النهاية عن مؤسساتها.

ولا تعني السيادة هنا عزل دول المشرق عن محيطها، ولا الاستغناء عن المساعدة والضمانات الدولية. فالدول الخارجة من حروب طويلة قد تحتاج إلى مراقبين دوليين أو آليات لمراقبة وقف إطلاق النار والحدود أو ترتيبات أمنية انتقالية. السؤال هو ما إذا كانت هذه الأدوات تساعد الدولة على استعادة قدرتها، أم تتحوّل مع الوقت إلى نظام دائم لإدارة ضعفها.

وهذا التمييز مهم أيضًا في إعادة الإعمار نفسها.

ففي الدول التي ضعفت مؤسساتها، قد يكون من المغري تجاوزها لإنجاز المشاريع بسرعة أكبر: صندوق دولي يدير الأموال، منظمة خارجية تقدّم الخدمات، شركة أجنبية تبني وتشغّل، أو هيئة خاصة تتولى ما تعجز عنه الإدارة العامة. وقد تكون بعضُ هذه الترتيبات ضرورية مرحليًا. لكن إذا أصبحت هي القاعدة، تظهر مفارقة خطرة: إعادة إعمار الدولة من خلال مؤسسات تحل محل الدولة.

لذلك ينبغي ألّا يُقاس نجاح أيّ آلية دولية للإعمار فقط بما أنجزته أثناء وجودها، بل بما تتركه وراءها عندما تنتهي مهمتها. هل تساعد البلدية على إدارة المدينة؟ هل تعيد بناء الإدارة العقارية بدل أن تنشئ سجلًّا موازيًا لها؟ هل تقوّي القضاء الوطني وآليات الرقابة؟ وهل تنتقل المعرفة والقدرة إلى المؤسسات المحلية عندما ينتهي التمويل؟

فالسيادة لا تستعاد فقط بخروج القوات الأجنبية أو برفع علم الدولة على الحدود. إنها تُبنى أيضًا عندما تصبح المؤسسات الوطنية قادرة على أداء الوظائف التي كانت تؤديها جهات أخرى بدلًا منها.

وهنا يلتقي مفهوم السيادة بمفهوم الاستدامة. فما يحتاجه المشرق ليس مجرد فترة ينخفض فيها إطلاق النار بما يكفي لإعادة البناء، بل قدرًا من القدرة على التنبؤ يجعل العودة إلى الحرب أكثر صعوبة.

فإعادة الإعمار تحتاج في النهاية إلى شيءٍ لا تستطيع الجرافات بناءه ولا الصناديق الدولية تمويله: يقين معقول بأنَّ قواعد اللعبة لن تتغير بالقوة كل بضعة أعوام.

لكن استعادة السيادة لا تُنهي آثار الحرب داخل المجتمع. فقد تعود الحدود إلى الدولة وتتوحّد المؤسسات، فيما يبقى قتلى ومفقودون ومعتقلون وضحايا وذاكرة متنازع عليها ومجتمعات عاشت سنوات وهي تخاف بعضها من بعض.

وهنا يبدأ الاختبار الأصعب: كيف تُعاد بناء الثقة بعد أن تتوقف الحرب؟

من إعادة الإعمار إلى إعادة بناء العقد الاجتماعي

قد يكون إصلاحُ سجلٍّ عقاري أو إعادة بناء قرية أو إعادة تنظيم مؤسسة أمنية مهمّة شاقة، لكنها تظلُّ قابلة للقياس نسبيًا. أما إعادة بناء الثقة بعد حربٍ طويلة، فلا ميزانية مُحدَّدة لها ولا جدولَ زمنيًا واضحًا لإنجازها.

فالحربُ لا تنتهي في اليوم الذي يتوقف فيه إطلاق النار. تبقى في ذاكرة مَن فقدوا أبناءهم، وفي عائلات لا تعرف مصير مفقوديها، وفي المعتقلين والناجين من السجون، وفي النازحين الذين يعودون إلى أحياء عاش فيها آخرون خلال غيابهم، وفي روايات متناقضة عمّن كان الضحية ومَن كان الجلاد.

وقد يكون من الممكن جمع هذه الفئات كلها تحت سلطة دولة واحدة. الأصعب هو جعلها تقبل العيش تحت قانون واحد، وتثق بأنَّ هذا القانون سيحميها بالتساوي. وهنا تنتقل إعادة الإعمار من بناء الدولة بوصفها مؤسسات إلى إعادة بناء المجتمع الذي يمنح هذه المؤسسات شرعيتها.

في سوريا، تبدو هذه المُعضِلة بوضوح استثنائي. فسنوات الحرب خلّفت قتلى ومفقودين ومعتقلين ومهجرين وانتهاكات ارتكبتها أطراف متعددة، كما خلّفت مجتمعات تحمل روايات مختلفة جذريًا لما حدث ولمَن يتحمّل مسؤوليته. ومع انحسار الحرب، ستعود إلى الواجهة مظالم لم تُحسَم، وملفات مفقودين ومعتقلين، ومطالب بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وأسئلة صعبة حول كيفية تحقيق العدالة من دون تحويلها إلى عقابٍ جماعي.

وإذا كان الاستقرار الجديد سيُبنى على مطالبة الضحايا بنسيان ما حدث، فإنَّ الهدوء قد يخفي صراعًا مؤجّلًا. وإذا تحوّل السعي إلى العدالة، في المقابل، إلى عقابٍ جماعي أو تصفية حسابات بين الطوائف والمناطق والجماعات، فقد تصبح العدالة نفسها وقودًا لحربٍ جديدة. ولهذا فإنَّ التحدّي ليس الاختيار بين العدالة والمصالحة، بل إيجاد صيغة تجعل العدالة طريقًا إلى المصالحة بدل أن تكون نقيضًا لها.

وهذا يقتضي التمييز بين المسؤولية الفردية والهوية الجماعية. فلا يجوز أن تتحوّلَ جريمة ارتكبها جهاز أو تنظيم أو مجموعة من الأفراد إلى إدانة لطائفة أو منطقة أو جماعة بأكملها. كما لا يمكن بناء الثقة إذا شعر الضحايا بأنَّ التسوية السياسية اشترت الاستقرار مقابل محو ما جرى لهم.

ويُقدّم العراق مثالًا آخر على صعوبة هذه المرحلة. فبعد هزيمة تنظيم “داعش”، لم يكن تحدّي إعادة النازحين إلى بعض المناطق مجرّد إصلاح المنازل والخدمات. ففي مجتمعات شهدت القتل والتهجير والانضمام إلى التنظيم أو التعاون معه، كان على عائلات العودة أحيانًا إلى أماكن يشك فيها الجيران بولائها أو يُحمّلونها مسؤولية أفعال أفراد منها.

ولهذا أصبحت المصالحات المحلية والحوار بين العشائر والسلطات والعائلات والمجتمعات جُزءًا من عملية العودة نفسها. فالبيت يمكن إصلاحه بقرارٍ إداري وميزانية، لكن إعادة أسرة إلى مجتمع يرفض استقبالها تحتاج إلى نوعٍ آخر من إعادة البناء.

وتكشف التجربة اللبنانية وجهًا مختلفًا للمشكلة. فقد أنهى اتفاق الطائف الحرب الأهلية وأعاد بناء المؤسسات وسمح بإطلاق عملية إعمار واسعة، لكنه لم يعالج بالكامل ذاكرة الحرب أو ملف المفقودين أو المسؤولية عن كثيرٍ من الانتهاكات. وساعد العفو العام على إخراج البلاد من الحرب، لكنه ترك جُزءًا من الماضي بلا مساءلة، فيما انتقل عدد من قادة الحرب أنفسهم إلى مؤسسات النظام السياسي الذي أعقبها.

وليس المقصود أنَّ لبنان كان يستطيع ببساطة اختيار مسار آخر، أو أنَّ المحاكمات كانت ستنتج بالضرورة مجتمعًا أكثر استقرارًا. فالعدالة الانتقالية لا تملك وصفة واحدة تصلح لكلِّ المجتمعات. لكن التجربة اللبنانية تُذكّر بأنَّ إنهاء الحرب سياسيًا لا يعني بالضرورة أنَّ المجتمع قد عالج ذاكرتها.

وفي غزة، سيكون حجم الخسائر والدمار والنزوح جُزءًا من الذاكرة السياسية والاجتماعية لأجيال. ولذلك لن يكون الإعمار المادي قادرًا وحده على إعادة الحياة إلى مجتمعٍ يحمل هذا القدر من الفقد. فالاعتراف بالضحايا، وتوثيق المفقودين، وحفظ الحقوق، ومعالجة الآثار الاجتماعية للحرب، وإعطاء السكان دورًا حقيقيًا في تقرير شكل مستقبلهم، ليست قضايا منفصلة عن الإعمار؛ إنها جزءٌ مما يجعل المجتمع قادرًا على العيش في المكان الذي سيُعاد بناؤه.

ولا تعني العدالة الانتقالية المحاكمات وحدها. فقد تشمل معرفة مصير المفقودين، وتوثيق الانتهاكات، والاعتراف بالضحايا وتعويضهم، واستعادة الحقوق، وإصلاح المؤسسات التي شاركت في الانتهاكات. وقد تكون المحاسبة القضائية ضرورية في حالات، فيما تحتاج حالات أخرى إلى آليات للحقيقة والمصالحة أو إلى تسويات محلية. القاعدة الأهم هي ألّا يصبح السلام اسمًا آخر للإفلات الكامل من المحاسبة، وألّا تصبح العدالة اسمًا آخر للانتقام.

ولا تستطيع الحكومة المركزية وحدها إدارة هذه العملية. فالمصالحة الحقيقية تحدث غالبًا في القرية والحي والمدرسة ومكان العمل أكثر مما تحدث في المؤتمرات الوطنية. ويمكن للبلديات والقضاء المحلي والقيادات المجتمعية والمنظمات المدنية وعائلات المفقودين والضحايا أن تكون جزءًا من إعادة بناء الثقة، شرط ألّا تتحوَّل المصالحة المحلية إلى وسيلة لفرض الصمت أو حماية الأقوى.

لكن العقد الاجتماعي الجديد لا يحتاج بالضرورة إلى وثيقة تحمل هذا الاسم. إنه يظهر في أشياءٍ أكثر عملية: هل يستطيع المواطن تسجيل ملكيته من دون واسطة؟ هل يستطيع اللاجئ العودة من دون خوف؟ هل يستطيع ابن طائفة أو منطقة أن يلجأ إلى الشرطة وهو واثق بأنها ستحميه؟ هل يستطيع الخاسر في الانتخابات أن يغادر السلطة من دون أن يلجأ إلى السلاح؟ وهل يستطيع الضحية أن يطالب بحقه من دون أن يتحوّل ذلك إلى انتقام من جماعة كاملة؟

عندما تصبح الإجابة عن هذه الأسئلة أقرب إلى نعم، تكون الدولة قد بدأت فعلًا بالخروج من الحرب.

وهنا يصبح السؤال الذي تختتم به هذه السلسلة أكثر وضوحًا: بعد كل ما دُمّر، هل المطلوب أن يعيد المشرق بناء ما كان قائمًا، أم أن يبني شيئًا مختلفًا؟

أيُّ مشرق سيخرج من تحت الركام؟

بدأت هذه السلسلة من سؤال بدا، للوهلة الأولى، اقتصاديًا: مَن سيبني المشرق العربي بعد حروبه؟ لكن الرحلة من تحوّلات النظام الإقليمي إلى الدولة ورأس المال والجغرافيا وموازين النفوذ قادت إلى نتيجة أكثر تعقيدًا: البناء الذي يحتاج إليه المشرق أكبر بكثير من إعادة ما هدّمته الحروب.

فالأموال ستكون ضرورية، وسيحتاج المشرق إلى استثمارات هائلة لإعادة بناء المساكن والطاقة والمياه والنقل والصحة والتعليم والبنية التحتية. وسيأتي جُزءٌ مهم من هذه الأموال والخبرات من الخارج. لكن المال يستطيع أن يقرّر سرعة البناء، ولا يستطيع وحده أن يقرّر نوع الدولة التي ستقوم فوقه.

وهنا ربما تكمن الخلاصة الأساسية لهذه السلسلة. فالأطراف الخارجية تستطيع أن تموّل وتستثمر وتقدم الخبرة والضمانات، لكنها لا تستطيع أن تبني بدل مجتمعات المشرق المؤسسات والتسويات التي تجعل دولها قابلة للحياة.

ولذلك لن يكون الاختبار الحقيقي حجم الأموال التي ستتدفق إلى المنطقة، بل ما الذي ستتركه وراءها عندما تنتهي المشاريع: هل تترك مدنًا جديدة فقط، أم مؤسسات تستطيع إدارتها؟ هل تعيد بناء المنازل، أم تعيد أصحابها إليها أيضًا؟ وهل تساعد الدولة على استعادة وظائفها، أم تنشئ إلى جانبها منظومة جديدة تعتمد على الخارج؟

بهذا المعنى، ليست إعادة الإعمار مشروعًا هندسيًا يأتي بعد انتهاء السياسة. إنها واحدة من أهم ساحات السياسة التي ستحدد شكل المشرق لعقود.

وقد ينتهي رفع الركام، وتعود الكهرباء، وتُفتح المدارس، وتُعبَّد الطرق، فيما تبقى الحرب كامنة في ملكياتٍ مُتنازَع عليها، وسلاح لم يدخل الدولة، وضحايا لم يُعترف بهم، ومجتمعات لا تثق ببعضها، وقرار وطني لا يزال موزَّعًا بين الداخل والخارج.

وعندها يكون المشرق قد أعاد بناء ما دمرته الحرب، لكنه لم يعالج ما جعل الحرب ممكنة. لهذا فإنَّ الفرصة التاريخية أمام المنطقة ليست أن تُعيدَ بناء ما كان قائمًا قبل الحرب. فبعضُ ما كان قائمًا هو نفسه ما ينبغي ألا يُعاد بناؤه.

الدولة الضعيفة، وتعدد مراكز القوة، والمؤسسات التي لا تحمي الحقوق، والاقتصادات التي تعجز عن توفير الاستقرار والفرص، والمجتمعات التي تبحث كل جماعة فيها عن حماية خارج الدولة، ليست إرثًا ينبغي ترميمه، بل جُزءٌ من النظام الذي أوصل المشرق إلى ما هو فيه.

ولا توجد “خطة مارشال” جاهزة يمكن إسقاطها على المنطقة، ولا نموذج دولة يمكن استيراده مع التمويل. فما يصلح لغزة لن يكون بالضرورة ما يصلح لسوريا أو لبنان أو العراق، ولكلِّ مجتمع حربه وتركيبته وموازين قواه وذاكرته.

لكن هناك معيارًا يمكن أن يجمع التجارب كلها: هل تجعل عملية إعادة البناء الإنسان أكثر قدرة على العيش تحت حماية القانون، والدولة أكثر قدرة على أداء وظائفها، والمجتمع أقل حاجة إلى العنف لتسوية خلافاته؟

إذا حدث ذلك، يكون الإعمار قد تجاوز الحجر.

فإعادة بناء المشرق تجري في النهاية على أربع طبقات مترابطة: الحجر، والحقوق، والدولة، والثقة. لا تستطيع واحدة منها أن تحل محل الأخرى. فالحقوق من دون دولة قد تبقى أوراقًا، والدولة من دون ثقة قد تبقى سلطة، والثقة من دون مؤسسات قد تنهار عند أول أزمة، والحجر من دون هذه العناصر كلها قد يصبح مجرد ركام الجولة المقبلة.

وهنا يصبح السؤال الجديد مختلفًا عن السؤال الذي بدأت به السلسلة. لم يعد فقط: مَن سيبني المشرق العربي؟ بل: ماذا سيُبنى عندما تبدأ عملية البناء؟

يمكن للمال أن يزيل الركام. ويمكن للجرافات أن تفتح الطرق. ويمكن للشركات أن تعيد بناء الأبراج والمصانع والمرافئ والمطارات. لكن أيًّا منها لا يستطيع وحده أن يُعيدَ بناء العقد الذي يجعل الناس يقبلون العيش تحت سلطة واحدة وقانون واحد، ويثقون بأنَّ حقوقهم لن تحتاج إلى سلاح لحمايتها.

وهذا هو الاختبار الذي سيحدد ما إذا كانت نهاية الحروب ستصبح بداية دولة، أم مجرد هدنة بين حربين. ولهذا، فإنَّ السؤال الأخير في إعادة إعمار المشرق ليس فقط: مَن سيدفع كلفة البناء؟ بل: أيُّ دولة وأيُّ مجتمع سيخرجان من تحت الركام؟

  • كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى