تكتيكات إيران الحربية… من ورقةِ قوّة إلى عبءٍ استراتيجي

نجحت إيران في توظيف مضيق هرمز واستهداف حلفاء الولايات المتحدة لإفشال رهان إسقاطها وانهيارها سريعًا. لكن ما منحها قدرة على الصمود في الحرب قد يتحوّل، في المدى الأبعد، إلى عبءٍ استراتيجي يحدّ من خياراتها.

ما كان ورقة ضغط لإيران أصبح دافعًا لتعزيز التكامل الخليجي.

فريدا غيتيس*

عندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران في أواخر شباط (فبراير)، راهنتا على أنَّ الجمهورية الإسلامية لن تصمد طويلًا وستنهار أمام التفوُّق العسكري الساحق الذي واجهته. لكن مجريات المواجهة جاءت مخالفة لهذه التوقعات؛ إذ تمكنت طهران من امتصاص حملة قصف عنيفة والاستمرار في القتال، في إنجازٍ عسكري وسياسي لافت. غير أنَّ الاستراتيجية التي ضمنت لها البقاء قد تتحوّل، على المدى الأبعد، إلى مصدر تهديد لمستقبل النظام نفسه.

استندت إيران في إدارتها للحرب إلى ركيزتين أساسيتين أثبتتا فاعليتهما. الأولى تمثلت في فرض حصار فعلي على مضيق هرمز، الشريان الذي تمر عبره نحو خُمس إمدادات العالم من النفط والغاز الطبيعي، إلى جانب كميات كبيرة من السلع الاستراتيجية. ومن خلال تعطيل حركة الملاحة، سعت طهران إلى دفع أسعار الطاقة إلى مستويات مرتفعة، بما يفرض ضغوطًا اقتصادية وسياسية على الولايات المتحدة ويضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام كلفة داخلية متزايدة تجعل استمرار الحرب أكثر صعوبة. أما الركيزة الثانية، فتمثلت في استهداف حلفاء واشنطن في المنطقة، بهدف رفع ثمن التحالف مع الولايات المتحدة وفتح جبهات ضغط إضافية عليها.

وقد حققت هذه المقاربة نتائج ملموسة في المدى القصير. فقد أدّى ارتفاع أسعار النفط إلى موجة تضخّم حادة انعكست سلبًا على الاقتصاد العالمي، فيما تراجعت شعبية ترامب داخليًا. وفي ظل هذه الضغوط، وافقت واشنطن بعد أشهر على وقف لإطلاق النار بشروط منحت إيران مكاسب مهمّة. إلّا أنَّ هذه الهدنة لم تعمّر طويلًا، بعدما أصرّت طهران على تكريس واقع جديد يجعل عبور السفن في مضيق هرمز مرهونًا بموافقتها، وهو ما رفضته الولايات المتحدة بصورة قاطعة، لتعود المواجهة العسكرية إلى الاشتعال.

واليوم، ومع استمرار تبادل الضربات بين الطرفين، تبدو الأزمة بعيدة من أيِّ تسوية سريعة. ومع ذلك، بدأت تظهر تحوّلات استراتيجية قد تؤدي تدريجيًا إلى تقويض أبرز أدوات القوة التي اعتمدت عليها إيران خلال الحرب.

إضعاف ورقة هرمز

ويبرز مضيق هرمز بوصفه المثال الأوضح على ذلك. فبالنسبة إلى طهران، يمثّل المضيق أحد أهم أوراق الردع والنفوذ في مواجهة خصومها. إلّا أنَّ هذه الورقة نفسها دفعت دول الخليج إلى إعادة النظر في اعتمادها التاريخي على هذا الممر البحري. فالدول التي سعت في السابق إلى الحفاظ على علاقات مستقرة مع إيران تجد نفسها اليوم مهددة بهجماتها، وفي الوقت نفسه عاجزة عن تصدير أهم مواردها إذا أُغلق المضيق. ومن هنا، بات البحث عن بدائل استراتيجية أولوية ملحّة.

وفي الواقع، لم تبدأ هذه الجهود مع اندلاع الحرب، إذ كانت دول الخليج تمتلك بالفعل عددًا من خطوط الأنابيب التي تتيح تجاوز مضيق هرمز، وفي مقدمتها خط الأنابيب السعودي “الشرق–الغرب” وخط “حبشان–الفجيرة” الإماراتي، اللذان ينقلان النفط إلى موانئ مطلة على البحر الأحمر وخليج عُمان. غير أنَّ هذه البنية التحتية ما تزال محدودة القدرة؛ فحتى عند تشغيلها بكامل طاقتها، لا تستطيع سوى استيعاب جُزءٍ من نحو 20 مليون برميل من النفط الذي كان يعبر المضيق يوميًا قبل الحرب. ولذلك، تسارع دول الخليج اليوم إلى توسيع الشبكات القائمة وإنشاء خطوط جديدة، في مسعى استراتيجي لتقليص اعتمادها على هرمز، وبالتالي الحد من قدرة إيران على توظيف سيطرتها على المضيق كسلاحٍ اقتصادي وجيوسياسي.

وفي هذا السياق، تمضي دولة الإمارات في تنفيذ استراتيجية مزدوجة تقوم على تعزيز دفاعاتها في مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة، وفي الوقت نفسه تقليص اعتمادها على مضيق هرمز. ولهذا الغرض، تعمل أبوظبي على إنشاء خط أنابيب ثانٍ يصل إلى ميناء الفجيرة المطل على بحر عُمان، بما يضاعف قدرتها التصديرية ويوفر منفذًا بديلًا بعيدًا من المضيق. وبالتوازي، تتحدث تقارير عن خطط سعودية لإجراء توسعة كبيرة في خط أنابيب “الشرق–الغرب”، بما يعزز قدرة المملكة على تصدير النفط عبر البحر الأحمر.

ولا تخلو هذه المشاريع من تحديات معقدة وكلفة مرتفعة. فالهجمات التي يهدد الحوثيون، حلفاء إيران في اليمن، بشنّها على الملاحة في البحر الأحمر تقلل من المزايا التي يوفرها المسار السعودي. كما إنَّ ميناء الفجيرة، رُغم وقوعه خارج مضيق هرمز، لا يزال ضمن المدى الذي يمكن أن تطاله الصواريخ الإيرانية، ما يعني أنَّ البدائل الجديدة لن تكون بمنأى عن المخاطر الأمنية.

ورُغمَ ذلك، فإنَّ وتيرة البحث عن منافذ بديلة تتسارع في مختلف أنحاء المنطقة. فقد وقّع العراق اتفاقًا مع سوريا لإعادة تأهيل خط الأنابيب الواصل بين كركوك والساحل السوري على البحر المتوسط، وهو مشروعٌ ظلَّ متوقّفًا منذ تعرّضه لأضرارٍ عقب الغزو الأميركي عام 2003. ويأتي هذا التحرّك بعدما تضرّرت صادرات النفط العراقية بشدة نتيجة اعتمادها التقليدي على موانئ البصرة الواقعة في الخليج العربي.

وفي الوقت نفسه، أعاد العراق تشغيل خط الأنابيب إلى تركيا، والذي يمتد لنحو 600 ميل وتصل طاقته الاستيعابية إلى 1.6 مليون برميل يوميًا عند التشغيل الكامل. كما يدرس عددًا من الخيارات الأخرى، من بينها مدّ خطوط جديدة تربط البصرة بميناء الدقم في سلطنة عُمان أو بميناء العقبة في الأردن، في محاولة لإعادة رسم خريطة صادراته النفطية بعيدًا من نقاط الاختناق التقليدية.

ولا يقتصر التفكير في البدائل على قطاع الطاقة وحده، بل يمتد إلى البنية التحتية الإقليمية بأكملها. فمن بين المشاريع التي تحظى باهتمامٍ متزايد مقترح إنشاء شبكة سكك حديدية موحدة لدول مجلس التعاون الخليجي، تربط الكويت والسعودية والبحرين وقطر والإمارات وسلطنة عُمان. ورُغم أنَّ المشروع لا يزال في مراحل التخطيط، فإنه يعكس اتجاهًا استراتيجيًا نحو بناء مسارات نقل برية تُقلّل الاعتماد على الممرّات البحرية الحساسة، وتتيح نقل سلع استراتيجية، مثل الأسمدة والمنتجات الصناعية، بكفاءة أكبر.

وتتجلّى هذه التحوُّلات أيضًا في قرار شركة “موانئ دبي العالمية”، إحدى أكبر شركات تشغيل الموانئ والخدمات اللوجستية في العالم، تطوير محطتين جديدتين للمياه العميقة في الفجيرة. فالقرار يحمل دلالة تتجاوز الاستثمار التجاري؛ إذ إنَّ ازدهار دبي ارتبط تاريخيًا بميناء جبل علي، إلّا أنَّ موقعه داخل الخليج العربي يجعله رهينة المرور عبر مضيق هرمز. ومن هنا، تبدو الاستثمارات الجديدة في الفجيرة بمثابة اعتراف بأنَّ الجغرافيا الاستراتيجية للمنطقة تتغيّر، حتى لو جاء ذلك على حساب تقليص الأهمية النسبية للميناء الذي شكّل لعقود ركيزة المكانة الاقتصادية لدبي.

انعكاسات استهداف الحلفاء

وإذا كان استخدام إيران لمضيق هرمز كورقة ضغط قد يدفع جيرانها إلى تقليص أهميته الاستراتيجية تدريجيًا، فإنَّ ركيزتها الثانية، المتمثّلة في استهداف الدول العربية الحليفة للولايات المتحدة، قد تحمل هي الأخرى نتائج معاكسة لما سعت إليه طهران. فهذه الدول وجدت نفسها في مرمى الهجمات بسبب وجود قواعد عسكرية أميركية على أراضيها، رُغمَ أنها لم تكن طرفًا مباشرًا في الحرب. ومع ذلك، لا تبدو مستعدة للتخلي عن شراكاتها الأمنية مع واشنطن؛ بل إنَّ المرجح هو أن تتجه إلى تنويع تحالفاتها، وإقامة شراكات دفاعية إضافية مع قوى أخرى، بالتوازي مع تعزيز التنسيق الأمني في ما بينها، وهو تطوُّرٌ قد يكون أكثر ما يثير قلق القيادة الإيرانية.

ولا تزال فكرة إنشاء منظومة دفاعية عربية–خليجية موحّدة تواجه عقبات سياسية وعسكرية، إلّا أنَّ الحرب دفعت دول الخليج إلى مراجعة خلافاتها وتسريع خطوات التقارب. فالهجمات الإيرانية بددت ما تبقّى من الثقة بإمكان تحييد دول الجوار عن الصراع، وأقنعت كثيرًا من العواصم الخليجية بأنَّ سياسة بناء العلاقات الودية مع طهران لا تكفي لضمان أمنها. وحتى إذا عادت هذه الدول إلى انتهاج سياسة الانفتاح على إيران بعد انتهاء الحرب، فإنها ستفعل ذلك من موقع أكثر حذرًا وأقل ثقة، بعدما ترسَّخ لديها إدراك بأنَّ الجمهورية الإسلامية ستظل مصدر تهديد استراتيجي يصعب تجاهله.

وفي المحصّلة، يصعب القول إنَّ الولايات المتحدة خرجت منتصرة من هذه الحرب؛ فالمواجهة كشفت حدود القوة العسكرية الأميركية بقدر ما أظهرت قدرة إيران على الصمود. لكن المفارقة تكمن في أنَّ الأدوات التي مكنت طهران من تفادي الهزيمة السريعة قد تدفع، مع مرور الوقت، إلى تقليص هامشها الاستراتيجي. فكلما اعتمدت إيران على إغلاق مضيق هرمز واستهداف جيرانها لتعزيز موقفها في ساحة المعركة، دفعت خصومها إلى بناء بدائل تقلل من فاعلية هذه الأدوات مستقبلًا. وقد يكون هذا هو الإرث الأبرز للحرب: انتصار تكتيكي مكّن إيران من الصمود، لكنه في الوقت نفسه سرّع التحوّلات الإقليمية التي قد تحد من قدرتها على استخدام أوراق القوة نفسها في أيِّ مواجهة مقبلة.

  • فريدا غيتيس هي محللة سياسية متخصصة في الشؤون الدولية. يمكن متابعتها على تويتر و”ثريدز” عبر الحساب: @fridaghitis.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى