أَين اختفَت لوحة داڤنتشي 250 سنة؟ (الأَخيرة: 5 من 5)

هنري زغيب*
تقوم إِجمالًا شهرة ليوناردو داڤِنْتْشي (1452-1519) على لوحته الخالدة “الموناليزا” (1516)، حتى تكاد تطغى على لوحات له أُخرى لا يقلُّ معظمها، فنًّا وأَسرارًا، عن تلك اللوحة الأَشهر.
من تلك الأَعمال الأُخرى: لوحة “المرأَة والنمس الأَبيض – أَو “القاقُم” (1490). تعرَّضَت للسرقة وللخطف والغياب نحو 250 سنة، كما تعرَّضت “الموناليزا” للسرقة سنة 1911 واختفت نحو سنتين قبل أَن تعود إِلى متحف اللوفر (1913).
في الحلقات الأَربع السابقة من هذه الخماسية سردتُ موضوعَ اللوحة، ودخولَ داڤنتشي على قصر دوق ميلانو لرسْمها، وانتقالَ اللوحة من القصر، وكيفَ فقدَت بولونيا استقلالها وأَمسَت جزءًا من الأَمبراطورية الروسية، ونفيَ الثوارِ الروس الأَميرَ الشاب آدم جيرزي تشارتوريسكي بسبب ضلوعه في الثورة البولونية ضدَّ روسيا، ثم تهريب اللوحة من خطر العسكر النازي الذي تعهد تهديم وتهشيم التراث البولوني الفني.
في هذه الحلقة الأَخيرة نعرف كيف تم إِنقاذ اللوحة من أَوامر هتلر بإِتلافها.

“أَتلِفوا كلَّ أَثر فني”
أَدَّى اعتداء العسكر النازيّ على تراث بولونيا إِلى نهب المكتبات ومصادرة الأَعمال الفنية، وإِحراق 75 أَلف مخطوطة، و25 أَلف خارطة، و90 أَلف كتاب، لاعتبارها “ركائز الثقافة الپولونية”. وأَصدر هانس فرانك، ممثل هتلر في كراكوڤ، أَمرًا بتغيير أَسماء الشوارع، وتفجير التماثيل فيها، وأَسْر أَساتذة جامعة كراكوڤ، وقتْل بعضهم في معسكرات الاعتقال الأَلمانية. وكانت الحصيلة مقتَل محامين وموظَّفين رسميين وأَطباء ورجال أَعمال ورجال دين، و90% من اليهود الپولونيين خلال الحرب العالَمية الثانية!
وفي ربيع 1944، بينما القوات الروسية تتقدَّم إِلى شرقيّ بولونيا، هيَّأَ فرانك لإِفراغ قصره (قصر ڤاڤِل الملَكي في كراكوڤ حيث علَّقَ لوحة داڤنتشي في صدر مكتبه)، وأَمرَ بالتدابير التي تنقل اللوحة بكل حرص إِلى مكان آمِن، هو منزل شريك له سابق، حيث بقيت وقتًا قصيرًا تَم بعده نقلْها إِلى قصر فرانك الصيفي في باڤاريا. وهناك، زاره المدير العام لمتاحف باڤاريا الوطنية، فطلب من فرانك نقْل اللوحة مجدَّدًا إِلى مكان سرّيّ خوف مداهمة الجيش الروسي. ولكن، بعد فترة قصيرة لم يحدث فيها أَيُّ خطر يهدد اللوحة، قرر أَن يبقيها لديه في القصر الصيفي.

قنابل مدمِّرة لم تنفجر
سوى أَن أَمر هتلر، بقراره تدميرَ جميع الآثار الفنية الثمينة في الأَراضي التي احتلَّها، كان يقصد لوحة داڤنتشي وسواها، وتجميع الآثار الفنية القيِّمة داخلَ مكانٍ سرّيٍّ في أَلمانيا قبل أَن تدهمه القوات الروسية وحلفاؤُها. ذاك المكان كان مجمَّعًا لِمناجم ملح في آلتوسّي (مدينة نائية في النمسا)، وأَمر بوضع ثماني قنابل قوية في الأَنفاق لتفجيرها. إِنما، من حسن الحظ، علمَت بها القوات الحليفة قبل أَن يفجِّرها هتلر، فأَنقذَت بذلك روائع فنية خالدة لميكالانج وڤيرمير وسواهما من الخالدين.
في 4 أَيار/مايو 1945، أُلقيَ القبض على فرانك، وحوكمَ في نورمبرغ بتهمة جرائم ضد الإنسانية، وحُكمَ عليه بالموت.
الجولات الأَخيرة
أَما اللوحة فتم حفظها داخل مستودع في ميونيخ، ثم نُقلَت إِلى پولونيا الشيوعية لتُحفظ في كراكوڤ.
وسنة 1949 تم إِدخالُها إِلى متحف كراكوڤ الوطني، ثم نقْلُها لفترة قصيرة إِلى وارسو، ثم إِلى متحف پوشكين في موسكو.
سنة 1991، تحقَّقَ للمحكمة الپولونية العليا أَنَّ الوريث الوحيد لإِرث مجموعة الأُسرة الملكية الإِسبانية هو آدم كارول تشارتوريسكي (م. 1940) ابن الأَمير أُوغستين جوزف تشارتوريسكي (1907-1946) والأَميرة ماريَّا دولوريس (1909-1996). وهكذا عادت اللوحة إِلى متحف كراكوڤ الوطني.
وبعد جولة للَّوحة على أَبرز متاحف العالَم، بيع إِرث أُسرة تشارتوريسكي سنة 2016 إِلى الحكومة الپولونية بمبلغ 105 ملايين دولار، وهو مبلغ يساوي 5% فقط من قيمة الإِرث الفعلية!
إِرث بولونيا الأَكبر
هكذا جالت اللوحة الخالدة على أَماكن ومراكز وقصور، حتى كان لها أَن تستقر حاليًّا هانئة لدى متحف كراكوڤ، لتكون رسميًّا أَحد أَهم الكنوز الفنية الوطنية الخالدة في پولونيا.
لِمن يرغب في تفاصيل أَكثر عنها وعن جولاتها واختفائها 250 سنة، وما لاقت من أَهوال وويلات وأَخطار خلال جولاتها وتنقُّلاتها الغريبة، تفاصيلُها جميعًا في كتاب “ماذا رأَى النمس الأَبيض: رحلة لوحة ليوناردو دافنتشي المذهلة وسرُّها العميق” (272 صفحة – منشورات “دوبل داي” – نيويورك – أَيار/مايو 2022) للكاتبة الأَميركية إِيدِن كولينْسْوُورثْ (م. 1952).
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دبي).




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.