الثروات الفاحشة بين اللغة والاقتصاد وحدود العقل البشري
البروفِسور بيار الخوري*
استيقظ العالم مؤخرًا على خبرٍ تصدّر العناوين الاقتصادية: خسر إيلون ماسك، أحد أغنى رجال العالم، نحو خمسين مليون دولار في يوم واحد. رقمٌ كفيل بإثارة الدهشة، ليس فقط لضخامته، بل لأنَّ تبديد هذا المبلغ يعادل ما قد يحتاجه شخصٌ من أصحاب الدخل المتوسط إلى قرون طويلة من العمل المتواصل لجمعه، حتى بافتراض أنه لا ينام ولا يدفع ضرائب ولا يتوقف عن الإنتاج لحظة واحدة.
وكما جرت العادة مع أخبار الثروات الفلكية، تدفقت التحليلات وتعالت التعليقات، فيما وجد كثيرون في الخبر مادة مثالية للسخرية أو الشماتة. لكن وسط هذا الضجيج، غابت ملاحظة أكثر أهمية وإثارة للتأمل: فالرجل الذي قيل إنه خسر خمسين مليون دولار لم يتغيّر شيء يُذكر في حياته على الأرجح. لم يشعر بأزمة، ولم تتبدل خياراته، وربما لم يلحظ الخسارة أصلًا إلّا بوصفها رقمًا جديدًا على شاشة تتقلّب عليها الأرقام كل يوم.
وليس السبب في ذلك أنَّ ماسك يتمتع برباطة جأش استثنائية أو بحكمة روحية تجعله متصالحًا مع تقلبات الثروة، بل لأنَّ حجم الخسارة نفسه يكاد يكون بلا معنى على هذا المستوى من الثراء. فعندما تُقاس خمسون مليون دولار بثروة تُقدَّر بمئات المليارات، تتحول من رقم صادم في نظر العامة إلى مجرد اهتزاز طفيف لا يترك أثرًا يُذكر في الحياة اليومية لصاحبه.
ولإدراك حجم المفارقة، يكفي تحويل النسبة إلى لغة يفهمها الجميع. فخسارة خمسين مليون دولار من ثروة تقارب تسعمئة مليار تعادل تقريبًا خسارة أحد عشر سنتًا لشخص يتقاضى ألفي دولار شهريًا. إنها ليست خسارة بالمعنى الذي يستدعي القلق أو إعادة الحسابات، بل مبلغ قد يسقط من الجيب من دون أن يلحظه أحد. ومع ذلك، تتصدّر هذه الأرقام العناوين الرئيسة وتُقدَّم بوصفها أحداثًا استثنائية تستحق المتابعة والتحليل.
هنا تحديدًا تكمن المفارقة. فالصحافة لا تكتب عن أحد عشر سنتًا، لكنها تكتب عن خمسين مليون دولار، حتى عندما يكون الاثنان متكافئين عمليًا من حيث الأثر الحقيقي على صاحبهما. وما إن يُضاف إلى الرقم اسم من أصحاب المليارات حتى يتحوّل إلى قصة عالمية، لا لأن معناه الاقتصادي كبير بالضرورة، بل لأنَّ الأرقام الضخمة تمتلك قدرة استثنائية على خطف الانتباه وإرباك إدراكنا لحجم الأشياء وقيمتها الفعلية.
اكتشف علماء الأعصاب في العقود الأخيرة ما كان المتأملون يعرفونه منذ القدم: أنَّ العقل البشري لا يُدرك الأرقامَ الكبيرة، بل يؤدّيها. نحن نقرأ “تسعمئة مليار” بالسلاسة ذاتها التي نقرأ بها “تسعة دولارات”، ونوهم أنفسنا بأننا فهمنا. لكن الفارق بين المبلغَين لا يعيش في الجُزء المفاهيمي من الدماغ، بل في ذلك الجُزء الأقدم والأكثر صدقًا الذي يعرف فرقَ الجوع بين وجبة ووجبتين، ولا يعرف شيئًا عن التريليونات. نحن كائنات طوّرت حواسها في أرياف الارض، حيث كانت الثروة تعني قطيعًا يُحصى وحقلًا يُرى، وليس أرقامًا تنام في خوادم إلكترونية في ولاية تكساس.
من هنا تولد المفارقة في أتمّ صورها: الرجل الذي نسي محفظته على مكتبه أثناء الغداء، وتصوّرَ ساعةً كاملة أنه فقدها، شعر بضيق حقيقي، بضيق بيولوجي نابع من الخوف الأصيل. الكورتيزول ارتفع، والتركيز تشتت، وطعمُ الطعام انقلب. أما الرجل الذي “خسر” خمسين مليونًا فلم يشعر بشيء مقارب لذلك، لا لأنَّ المال لا يهمه، بل لأنَّ التطور لم يمنحنا إحساسًا عاطفيًا يتناسب مع هذا الحجم من الثروة. الطبيعة البشرية لم تتوقع هذا الوزن من المليارديرات، ففاتها تزويده بما يجعل خسارته قابلة للألم.
لكن أين يكمن الظلم الحقيقي في هذه الحكاية؟
ليس في ثروة الأثرياء، فالثروة قديمة كالبشر. يكمن في أنَّ اللغة الاقتصادية، بكلِّ ما تتوهمه من دقة ورصانة وعلمية، قاصرة بشكل فادح عن نقل الحقيقة. نحن نستخدم الوحدة ذاتها (الدولار) لقياس تكلفة الحافلة وثمن الشركة، كما لو استخدمنا المسطرة ذاتها لقياس المسافة بين الكرسي والباب والمسافة بين الأرض والشمس. المقياس متماسك من الناحية المنطقية، والنتائج مضللة من الناحية الإنسانية.
حين تقول جريدة “خسر فلانٌ خمسين مليون دولار”، فإنها تصف حدثًا حقيقيًا بكلمات صحيحة، غير أنها تولّد في ذهن القارئ انطباعًا كاذبًا بالضرورة. الانطباع يستعير من تجربة القارئ نفسه، يأخذ صورة الخسارة التي يعرفها، خسارة راتب أو مدخرات أو وديعة، ويلبسها على رقم لا علاقة له بشيء في تجربته. النص دقيق والمعنى مضلّل.
ربما كانت فكرة “التضخّم المعرفي” أجدر بالاهتمام من التضخم الاقتصادي الذي يشغل المحللين. نحن لا نعاني فقط من انخفاض قيمة النقود، بل من انهيار قيمة الأعداد ذاتها. حين يبلغ الرقم حدًّا يعجز الخيال البشري عن مسكنه، يتحوّل إلى رمز خالٍ من الوزن، كلمة بلا صورة، خريطة بلا أرض.
والسؤال الذي يستحق أن يُطرح في صمت، بعيدًا من صخب العناوين، ليس: كم خسر هذا الرجل؟
السؤال هو: هل ثمة ما يكفي من اللغة والعقل البشريين معًا لنفهم ما يعنيه أن تملك تسعمئة مليار دولار أصلاً؟
وإن كان الجواب لا، وأخشى أنه كذلك، فربما أكثر ما تفعله تلك العناوين الصاخبة أنها تُطمئننا على وَهمٍ أننا نفهم عالمًا نسكنه ولا نفهمه.
- البروفِسور بيار الخوري هو أكاديمي وخبير تربوي، محلل اقتصادي لبناني وكاتب في الاقتصاد السياسي. وهو أستاذ مواد الدكتوراه والماجستير في إدارة الأعمال في جامعات عدة في أميركا الشمالية ولبنان.



