ميناء ينبع السعودي: بوّابة بديلة لمضيق هرمز… لكن البحر الأحمر ليس أكثر أمانًا

أعاد تعطُّل الملاحة عبر مضيق هرمز رسم خريطة خيارات تصدير النفط في الخليج، ودفع السعودية إلى الاعتماد بصورة أكبر على ميناء ينبع بوصفه منفذًا استراتيجيًا على البحر الأحمر. لكن هذا التحوُّل، رغم ما يوفره من مرونة، لا ينقل الصادرات إلى منطقة خالية من المخاطر، بل إلى مسرح جيوسياسي مختلف لا يقل تعقيدًا.

البحر الأحمر… تهديدات الحوثيين تطاول الملاحة التجارية.

أومود شُكري*

شكّل تعطل حركة الشحن عبر مضيق هرمز اختبارًا حقيقيًا لقدرة المملكة العربية السعودية على الحفاظ على تدفُّق صادراتها النفطية في ظلِّ اضطرابات جيوسياسية غير مسبوقة. وفي مواجهة هذا التحدّي، برز ميناء ينبع على البحر الأحمر بوصفه البديل الاستراتيجي الأبرز، مستفيدًا من خط أنابيب “شرق-غرب” (بترولاين) الذي يربط حقول النفط في المنطقة الشرقية بالساحل الغربي، بما يمنح الرياض منفذًا تصديريًا يتجاوز أحد أهم الممرات البحرية الحساسة في العالم.

غير أنَّ هذا البديل لا يخلو من القيود. فبرغم ما يوفره من مرونة تشغيلية، تظلُّ الطاقة الاستيعابية لميناء ينبع محدودة مقارنة بحجم الصادرات التي كانت تمر عبر الخليج العربي، كما إنَّ الاعتماد عليه يرفع تكاليف النقل ويزيد احتمالات الازدحام، ما يجعله أداة لتخفيف آثار الأزمة أكثر من كونه بديلًا كاملًا من موانئ الخليج.

وتدير “أرامكو” خط “شرق-غرب”، الممتد لنحو 800 ميل، بطاقة تشغيلية تصل إلى 7 ملايين برميل يوميًا، يُخصص نحو 5 ملايين برميل منها للتصدير، بينما تُعالج المصافي الواقعة في غرب المملكة مليوني برميل يوميًا. وتمنح هذه البنية التحتية الشركة قدرة مهمة على إعادة توجيه الإمدادات وفقًا للظروف التشغيلية والتطورات الأمنية.

وقبل اندلاع الاضطرابات في عام 2026، كانت المملكة تعتمد بصورة رئيسة على مضيق هرمز لتصدير نفطها الخام. ففي شباط (فبراير) من ذلك العام، بلغت صادراتها عبر المضيق نحو 6.4 ملايين برميل يوميًا، مقابل نحو 800 ألف برميل فقط عبر مسارات بديلة. لكن مع تعطّل الملاحة نتيجة الحرب في إيران، سارعت “أرامكو” إلى تحويل نقاط تحميل شحنات الخام العربي الخفيف إلى ميناء ينبع، بما ضمن استمرار الإمدادات وتقليص أثر الأزمة على الأسواق.

ولا تقتصر أهمية هذه الخطوة على الحفاظ على مستويات التصدير، بل تمتد إلى تعزيز موثوقية الإمدادات، وهي عنصر لا يقل أهمية بالنسبة إلى المشترين عن حجم الإنتاج نفسه. فقد مكّنت مرونة شبكة النقل “أرامكو” من الوفاء بمعظم التزاماتها التعاقدية والحفاظ على ثقة عملائها، رغم الاضطرابات التي شهدتها المنطقة.

وفي آذار (مارس) 2026، قدّرت شركة “كبلر” (Kpler) أن البنية التحتية البديلة للنقل لدى السعودية ودولة الإمارات قادرة على تصدير ما بين 7 و8 ملايين برميل يوميًا، وهي كمية لا تتجاوز نصف الصادرات التي كانت الدولتان تُمرّرانه سابقًا عبر مضيق هرمز. ورغم أنَّ ميناء ينبع لا يستطيع تعويض الدور المحوري الذي يؤديه ميناء رأس تنورة، فإنه يوفر للمملكة هامشًا استراتيجيًا لتخفيف تقلبات الأسواق، والحد من الضغوط التي قد تفرض خفض الإنتاج. كما يمنح المشترين، ولا سيما في أوروبا، مسارًا أكثر استقرارًا يقلل الحاجة إلى العبور عبر مضيق باب المندب، لتغدو قناة السويس الحلقة البحرية الرئيسة في هذا المسار البديل.

وفي ضوء هذه التحديات، تدرس المملكة رفع الطاقة الاستيعابية لخط أنابيب “شرق-غرب” بما يتراوح بين مليون ومليوني برميل يوميًا، وهو ما من شأنه أن يعزز قدرة المملكة على إعادة توجيه صادراتها النفطية، بل وربما يتيح مستقبلًا تقديم منفذ تصديري لدول خليجية مجاورة، مثل الكويت والبحرين، اللتين تفتقران إلى مسارات طبيعية تتجاوز مضيق هرمز. غير أنَّ زيادة سعة خط الأنابيب لا تعني بالضرورة ارتفاعًا مماثلًا في الصادرات؛ إذ يبقى تشغيل هذا المسار خاضعًا لمجموعة من الاعتبارات التجارية واللوجستية، تشمل نوعية الخام المطلوب، واحتياجات المصافي، والطاقة التخزينية في ميناء ينبع، وتوافر الأرصفة، وجداول الناقلات. كما إنَّ المقترحات الخاصة بإنشاء خط أنابيب مخصص لنقل المنتجات المكرَّرة لا تزال في مراحلها الأولية، وستتطلّب سنوات من التنفيذ واستثمارات بمليارات الدولارات قبل أن تتحوَّل إلى واقع.

حدود البديل السعودي

ورغم أهمية ينبع في تأمين منفذ بديل إلى الأسواق الأوروبية، فإنَّ مزاياه تتراجع بالنسبة إلى الأسواق الآسيوية، التي تستحوذ على الحصة الأكبر من صادرات النفط السعودي. فالشحنات المتجهة شرقًا لا تزال مضطرّة إما إلى العبور عبر مضيق باب المندب، أو الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، وكلا الخيارين يفرض تكاليف إضافية وزيادة ملحوظة في زمن الرحلة. ومنذ آذار (مارس) 2026، ارتفعت تكاليف استئجار الناقلات المنطلقة من ينبع بصورة كبيرة، في حين فضّل عدد من ملّاك السفن الإبحار عبر الطريق الأطول حول أفريقيا لتجنُّب المخاطر الأمنية، رغم ما يعنيه ذلك من ارتفاع استهلاك الوقود، وزيادة أقساط التأمين، وإطالة دورة تشغيل الناقلة، بما يقلص عدد الرحلات التي يمكنها تنفيذها سنويًا.

وتكشف تطورات الأسبوع الماضي أنَّ تحويل مسار الصادرات من الخليج العربي إلى البحر الأحمر لا يعني بالضرورة الخروج من دائرة التهديدات الأمنية. فقد أعلن الحوثيون قبل أيام فرض ما وصفوه بـ”الحصار البحري” على السفن السعودية، قبل أن يهاجموا عددًا من الناقلات المرتبطة بالمملكة في البحر الأحمر، في تصعيد غير مسبوق استهدف بصورة مباشرة مسار التصدير البديل الذي اعتمدته الرياض عقب اضطرابات مضيق هرمز. وردت السعودية بغارات جوية على أهداف عسكرية للحوثيين في مدينة الحديدة، مؤكدة أن الضربات استهدفت القدرات المستخدمة في تهديد الملاحة التجارية، في حين استمرت حركة السفن بحذر وسط ارتفاع ملحوظ في علاوات مخاطر الحرب وتراجع أعداد السفن العابرة لمضيق باب المندب.

وتؤكد هذه التطورات أن ميناء ينبع يخفف من الاعتماد على مضيق هرمز، لكنه لا يعفي المملكة من المخاطر الجيوسياسية التي تحيط بمسار البحر الأحمر. فالسفن المتجهة إلى آسيا لا تزال مضطرة لعبور باب المندب بمحاذاة السواحل اليمنية، حيث يمتلك الحوثيون ترسانة متنامية من الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق الهجومية. وفي المقابل، تمثل منشآت ينبع نفسها هدفًا استراتيجيًا عالي القيمة، سواء عبر الهجمات الصاروخية أو المسيّرات بعيدة المدى، أو من خلال استهداف البنية التحتية المرتبطة بعمليات التصدير.

ولا تقتصر مصادر القلق على السواحل اليمنية وحدها. فالمسافة البحرية القصيرة نسبيًا بين ينبع وبورتسودان، والتي لا تتجاوز نحو 312 ميلًا بحريًا، تجعل أي تدهور أمني على الضفة الغربية للبحر الأحمر عاملًا إضافيًا في معادلة المخاطر. ورغم عدم وجود أدلة علنية قاطعة تؤكد استخدام الأراضي السودانية منصة لشن هجمات على الملاحة، فإنَّ استمرار الحرب الأهلية في السودان وتراجع السيطرة المركزية على أجزاء من الساحل يضيفان عنصرًا جديدًا من عدم اليقين بالنسبة إلى شركات الشحن والتأمين. وفي الوقت نفسه، يبقى خط أنابيب “شرق-غرب” نفسه هدفًا ثابتًا يمتد مئات الكيلومترات داخل الأراضي السعودية، بما يجعله عرضة لمحاولات الاستهداف في أي تصعيد إقليمي.

وفي المحصلة، تكشف الأزمة أنَّ الاستراتيجية السعودية لا تقوم على إيجاد بديل كامل لمضيق هرمز، بقدر ما تستهدف توزيع المخاطر بين أكثر من مسار. فميناء ينبع وخط أنابيب “شرق-غرب” يعززان مرونة منظومة التصدير ويمنحان الرياض هامشًا أوسع للمناورة، لكنهما لا يلغيان حقيقة أنَّ تجارة النفط الخليجية ستظل رهينة أمن الممرات البحرية الممتدة من هرمز إلى باب المندب. لذلك، فإنَّ مستقبل أمن الطاقة في المنطقة لن يتحدد فقط بقدرة الدول المنتجة على زيادة طاقات التصدير البديلة، وإنما أيضًا بقدرتها على حماية هذه الممرات من التهديدات التي يفرضها الحرس الثوري الإيراني ووكلاؤه، وفي مقدمتهم الحوثيون.

  • أومود شُكري هو خبير استراتيجي في مجال الطاقة ومستشار للسياسة الخارجية مقيم في واشنطن، ويتمتع بخبرة تزيد عن عقدين في مجالات أمن الطاقة، وسياسات المناخ، وتحوّلات الطاقة العالمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى