الحرب التي أعادت الجميع إلى القانون
في الحروب، يستطيع كل طرف أن يعلن انتصاره. لكن الحرب الأميركية-الإيرانية كشفت مفارقة أعمق: القوى التي تجاوزت القانون حين استخدمت القوة عادت إليه عندما احتاجت إلى حماية الملاحة والمصالح والمدنيين.

الدكتور داود رجب البلوشي*
في كل حرب يتكرر السؤال نفسه: مَن المنتصر؟
يبدو السؤال بسيطًا، كأن النصر يمكن قياسه بعدد الطائرات التي أُسقطت، أو الصواريخ التي أُطلقت، أو المواقع العسكرية التي دُمّرت. لكن الحروب الكبرى لا تنتهي دائمًا بانتصار الطرف الذي يمتلك القوة العسكرية الأكبر؛ فقد يربح طرف المعركة ويخسر المستقبل، وقد تخرج من الحرب أطراف لم تطلق رصاصة واحدة أكثر قوة وتأثيرًا من المتحاربين أنفسهم.
ومن هنا، فإنَّ السؤال الحقيقي الذي تطرحه الحرب الأميركية-الإيرانية والتدخل الإسرائيلي فيها ليس فقط مَن انتصر في ميدان الحرب، بل مَن استطاع أن يحوّلها إلى موقع أفضل في العالم الذي سيأتي بعدها؟
هل انتصرت الولايات المتحدة بما أظهرته من تفوّق عسكري؟ أم إسرائيل بما ألحقته من أضرار بخصمها الإقليمي؟ أم إيران لأنها استطاعت الصمود والرد؟ وهل الصين هي المستفيد الهادئ من انشغال الولايات المتحدة بحرب جديدة، وروسيا من ارتفاع أهمية الطاقة وتشتت الاهتمام الدولي؟ أم أنَّ دول الخليج خرجت بمكسب مختلف، لأنها بدأت تُعيد النظر في مفهوم أمنها وتحالفاتها؟
لكل طرف روايته الخاصة عن النصر. لكن كلما اتسعت دائرة السؤال ظهر “منتصر” آخر لم يكن في ميدان الحرب ولم يطلق صاروخًا: الحاجة العالمية المتجددة إلى قانون دولي أكثر عدلًا وفاعلية.
فالولايات المتحدة وإسرائيل تستطيعان إلحاق أضرار كبيرة بالبنية العسكرية والاقتصادية الإيرانية، لكن التفوّق العسكري لا يعني بالضرورة تحقيق النصر السياسي. تستطيع القوة أن تدمر منشأة، لكن هل تستطيع وحدها بناء نظام إقليمي مستقر؟ وهل يمكن لإسرائيل ضمان أمنها طويل الأمد بالقوة وحدها؟ وهل يؤدي إضعاف إيران إلى إنهاء الصراع، أم إلى إيران أكثر انغلاقًا ومنطقة أكثر استعدادًا لجولة جديدة من المواجهة؟
وفي المقابل، تستطيع إيران اعتبار بقاء الدولة والنظام والقدرة على الرد صورة من صور الانتصار. لكن الصمود لا يلغي الخسائر البشرية والاقتصادية والعسكرية، ولا يجيب عن حاجة الشعب الإيراني إلى الأمن والتنمية والاستقرار.
وهكذا يستطيع كل طرف إعلان انتصاره، فيما تكشف الوقائع أنَّ الجميع يدفع الثمن. وربما يكون ما أثبتته الحرب ليس انتصار القوة، بل حدودها: فالقوة تستطيع تدمير منشأة، لكنها لا تستطيع وحدها بناء سلام؛ ويمكنها تعطيل ممر، لكنها لا تستطيع عزل نفسها عن نتائج توقف التجارة والطاقة والغذاء.
حين تعود القوة إلى القانون
وتظهر هذه المفارقة بوضوح في مضيق هرمز. فالدول التي اختلفت على شرعية استخدام القوة وتبادلت الاتهامات بانتهاك السيادة عادت جميعها إلى القانون الدولي عندما أصبحت مصالحها الاقتصادية وأمنها الطاقي مهددين. الولايات المتحدة تطالب بحرية الملاحة، وإيران تتحدث عن حقوقها السيادية وحقوق الدول الساحلية، ودول الخليج تتمسك بسلامة الممرات البحرية، فيما تريد الصين وأوروبا والدول الآسيوية المستوردة للطاقة استمرار حركة السفن وتدفق النفط والغاز والتجارة.
وعلى الرغم من اختلاف مصالح هذه الأطراف، فإنها تلتقي عند مرجعية واحدة: القانون الدولي وقواعد قانون البحار.
لقد انتُهك القانون في السماء، ثم استُدعي في البحر.
فالدولة قد تتجاوز قواعد استخدام القوة عندما ترى أنَّ مصالحها تقتضي ذلك، لكنها حين تريد حماية سفنها وتجارتها تعود إلى المبادئ القانونية العامة وتطالب الآخرين باحترام حرية الملاحة. وهذا الرجوع إلى القانون يمثل في ذاته نوعًا من الانتصار، ليس لأنه أوقف الحرب أو لأنَّ الجميع احترمه، وإنما لأنه أثبت أنه المرجعية التي لا يستطيع المتحاربون الاستغناء عنها.
عندما يصبح الإنسان اختبار القانون
لكن هذه الحجة تقود إلى سؤال أكثر حساسية: إذا كان القانون ضروريًا لحماية مرور السفن والطاقة، فلماذا لا يكون حاسمًا بالقدر نفسه عندما يتعلق الأمر بمرور الغذاء والدواء إلى الإنسان؟
في مضيق هرمز يطالب العالم بفتح الممر حتى يستمر تدفق النفط والغاز والتجارة. وفي غزة يطالب المدني بفتح المعبر حتى يدخل الغذاء والماء والدواء والوقود. وإذا كان إغلاق مضيق يهدد الاقتصاد العالمي، فإنَّ إغلاق معبر في وجه المساعدات يهدد حياة البشر مباشرة.
لا يجوز أن ينتفض العالم من أجل ناقلة نفط، ثم يتردد أمام شاحنة تحمل الغذاء للأطفال.
لقد تعرض سكان غزة للقتل والتهجير وتدمير المنازل والمستشفيات والمدارس، فيما أصبح تجويع المدنيين جزءًا من الجدل القانوني المتعلق بالحرب. وفي المقابل، عندما يتعرض مدنيون إسرائيليون للقتل أو الإصابة، فإنَّ مطالبة إسرائيل بحمايتهم وإدانة استهدافهم حق مشروع؛ فالمدني الإسرائيلي يتمتع بالحماية القانونية نفسها التي يتمتع بها كل مدني.
لكن السؤال هو: لماذا لا يُستدعى المبدأ نفسه بالقوة والوضوح نفسيهما عندما يكون المدني فلسطينيًا أو إيرانيًا؟
فمَن يطالب بحماية مدنييه يصبح ملزمًا باحترام حماية مدنيي الطرف الآخر، ومن يرفض ترويع أطفاله لا يجوز له قبول تجويع أطفال خصمه. لا ينبغي أن يكون هناك مدنيون أكثر إنسانية من غيرهم. فالطفل لا يصبح طرفًا في الحرب لأنه وُلد في منطقة يسيطر عليها طرف مسلح، وحماية المدنيين ليست مكافأة تمنح للشعوب التي يقبلها المجتمع الدولي، بل التزام قانوني وأخلاقي يقع على الجميع.
وتجسّد حادثة قصف مدرسة “شجرة طيبة” الابتدائية في مدينة ميناب الإيرانية هذا السؤال بصورة مأساوية. فعندما سقط الصاروخ على المدرسة وقُتل أكثر من مئة طفل، لم يعد من الممكن اختزال الحرب في المواقع العسكرية وموازين الردع. وطالبت منظمات دولية وحقوقية بتحقيق مستقل، فيما أشارت نتائج أولية لتحقيق عسكري أميركي، وفق ما ورد في المعطيات المتعلقة بالحادثة، إلى أنَّ الضربة يُرجح أنها نُفذت بواسطة القوات الأميركية نتيجة خطَإٍ في تحديد الهدف والاعتماد على معلومات قديمة.
وهنا تظهر سلطة القانون، ليس لأنه منع الصاروخ، بل لأنه لاحق السؤال بعد سقوطه.
فوصف الواقعة بأنها “خطأ” لا ينهي المسؤولية القانونية. القانون الدولي الإنساني يفرض التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين، والتناسب، واتخاذ الاحتياطات الممكنة والتحقق من طبيعة الهدف. والخطأ قد يقع رغم اتخاذ الاحتياطات، وقد يكون نتيجة معلومات قديمة أو قصور في التحقق أو إهمال. والفارق لا تحدده البيانات السياسية، بل التحقيق المستقل.
إنَّ قوة القانون تبدأ حين لا تستطيع الدولة إخفاء الضحية خلف عبارة “الأضرار الجانبية”.
ومن هنا تتسع المسألة من مسؤولية الدولة إلى مسؤولية الأفراد والقادة. فمحكمة العدل الدولية تنظر في المنازعات والمسؤوليات القانونية بين الدول، بينما تختص المحكمة الجنائية الدولية بالمسؤولية الجنائية الفردية عن أخطر الجرائم الدولية. وقد أظهرت مذكرات التوقيف بحق شخصيات نافذة في قضايا أوكرانيا وفلسطين أنَّ القضاء الدولي، رغم ضعف أدوات التنفيذ، يستطيع التأثير في حركة القادة وشرعيتهم ووضع الحكومات أمام التزاماتها القانونية.
لكن انتصار القضاء الدولي يبقى ناقصًا ما دام تطبيق العدالة انتقائيًا. فلا يمكن أن تكون العدالة صارمة تجاه خصوم القوى الكبرى ومترددة تجاه حلفائها. والعدالة التي تتغير بتغير هوية المتهم أو الضحية لا تعزز القانون، بل تقوّض الثقة به.
وهذه المشكلة تعيدنا إلى بنية النظام الدولي نفسه. فقد أُنشئ النظام الراهن بعد الحرب العالمية الثانية وفق موازين القوى التي كانت قائمة عام 1945، بينما تغير العالم وظهرت قوى جديدة وأصبحت الدول الصغيرة والمتوسطة تشكل غالبية المجتمع الدولي من دون تحول مماثل في بنية القرار.
وبالنسبة إلى هذه الدول، ليس إصلاح النظام الدولي ترفًا سياسيًا. فالدول الكبرى تستطيع حماية نفسها بالقوة العسكرية والاقتصادية والتحالفات، وبعضها يمتلك حق النقض، أما الدولة الصغيرة فتعتمد بدرجة أكبر على وجود قانون عام يطبق على الجميع.
لذلك لا ينبغي أن يقتصر إصلاح مجلس الأمن على زيادة عدد المقاعد، بل يجب أن يشمل آليات اتخاذ القرار وحدود استخدام حق النقض، خصوصًا في حالات الجرائم الدولية الجسيمة والاعتداء على سيادة الدول. فالدول الصغيرة لا تطلب قانونًا يحمي ضعفها فقط، بل قانونًا يحمي العالم من تحول القوة إلى حق.
الخليج في عالم متعدد القوى
وهذا الأمر شديد الصلة بالخليج. فقد يبدو أنَّ دول الخليج تستفيد من إضعاف إيران باعتبارها قوة إقليمية منافسة، لكن الجغرافيا تقول شيئًا أكثر تعقيدًا. إيران ليست دولة بعيدة ولا أزمة عابرة، بل جزء دائم من البيئة السياسية والأمنية والاقتصادية للخليج.
لا تستطيع دول الخليج بناء أمنها على افتراض اختفاء إيران أو عزلها بصورة دائمة، كما لا تستطيع إيران بناء أمنها على تهديد جيرانها أو التدخل في شؤونهم أو تعريض منشآتهم وممراتهم للخطر.
وفي الوقت نفسه، أدركت دول المنطقة أنَّ القوى الكبرى تأتي إليها وفي مقدمة حساباتها مصالحها الخاصة، وأنَّ التحالف مع دولة كبرى لا يعني تسليمها القرار الوطني. ومن هنا يأتي تنويع العلاقات مع الولايات المتحدة والصين وأوروبا والهند وغيرها، وتوسيع مفهوم الأمن ليشمل الغذاء والطاقة والتكنولوجيا والموانئ والممرات وسلاسل الإمداد.
ربما لم تخرج دول الخليج مستفيدة من الحرب، لكنها خرجت بوعي أوضح: الأمن لا يُستورد كاملًا من الخارج، ولا يُبنى على محور واحد، وإنما يقوم على السيادة والقدرة على الاختيار وتعدد الشراكات والتعايش مع حقائق الجغرافيا.
وتبرز سلطنة عُمان في هذا السياق نموذجًا مختلفًا لفهم القوة. فأهميتها لا تقوم على دخولها في محاور المواجهة، بل على تمسكها بسيادتها واحترام القانون الدولي ومحافظتها على القدرة على التحدث مع الأطراف المختلفة. وهذه ليست بالضرورة سياسة حياد سلبي، بل إدراك أنَّ الدولة الصغيرة تستطيع تعزيز أمنها بجعل دورها ضروريًا للاستقرار والوساطة والتواصل.
وحين تفشل القوة العسكرية في إنهاء الحرب، تصبح الدولة القادرة على فتح باب الحوار أكثر أهمية من الدولة القادرة على فتح جبهة جديدة. وقد لا تمتلك عُمان حق النقض في مجلس الأمن الدولي، لكنها تمتلك أدوات أخرى: صدقية الموقف، واستقلال القرار، والقدرة على الوساطة.
أما الصين وروسيا وأوروبا، فلا يمكن منح أي منها لقب المنتصر الكامل. الصين قد تستفيد من انشغال الولايات المتحدة، لكنها تحتاج إلى استقرار الخليج وتدفق الطاقة. وروسيا قد تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة وتشتت اهتمام الغرب، لكن الفوضى المستدامة لا تبني نظامًا دوليًا مستقرًا. وأوروبا تجد نفسها مجددًا متأثرة بقرارات استراتيجية لا تسيطر عليها بالكامل.
والعالم نفسه يتجه إلى تعدد أكبر في مراكز القوة. فإلى جانب التنافس الأميركي-الصيني والمواجهة الروسية-الغربية، تصعد الهند وقوى متوسطة ودول من “الجنوب العالمي” تسعى إلى بناء خياراتها بعيدًا من الاصطفاف المطلق. وهذا يدفع الدول الصغيرة والمتوسطة إلى شبكة من العلاقات المتوازنة بدل التبعية الأحادية: الولايات المتحدة في مجال، والصين في آخر، وأوروبا والهند في مجالات أخرى، مع المحافظة على السيادة والقرار الوطني.
فمَن المنتصر إذن؟
ربما لا يوجد منتصر كامل داخل هذه الحرب. الولايات المتحدة تستطيع استعراض تفوقها، وإسرائيل إعلان تحقيق أهداف عسكرية، وإيران اعتبار صمودها انتصارًا، والصين وروسيا استثمار بعض النتائج، فيما تعيد دول الخليج وأوروبا النظر في خياراتها. لكنها جميعًا انتصارات جزئية ومؤقتة.
أما ما خرج من الحرب أكثر وضوحًا فهو الحاجة إلى القانون الدولي. ليس لأنَّ القانون نجح في منع الحرب، بل لأنَّ الحرب أثبتت أن العالم لا يستطيع الاستمرار من دونه.
عاد إليه المتحاربون عندما أرادوا حماية المضائق والسفن والتجارة. واستدعته المنظمات الدولية عندما سقط الأطفال في ميناب. ولجأ إليه المدنيون في غزة طلبًا للحماية. واحتجت به إسرائيل عندما تعرض مدنيوها للخطر. وتحرك القضاء الدولي ليؤكد أنَّ المسؤولية يمكن أن تصل إلى الأفراد والقادة.
انتهك المتحاربون القانون عندما أرادوا استخدام القوة، ثم عادوا إليه عندما أرادوا حماية مصالحهم. وبعودتهم إليه اعترفوا بأنه أقوى من أن يُستغنى عنه.
لكن هذا الانتصار ما زال احتمالًا لا حقيقة مكتملة. فالقانون الدولي لم ينتصر بعد بوصفه سلطة نافذة، وإنما انتصر بوصفه ضرورة إنسانية.
وسيكتمل انتصاره فقط عندما تُطبق قواعد السيادة واستخدام القوة وحماية المدنيين على الجميع بالمقياس نفسه؛ عندما يفتح القانون المضائق أمام الطاقة والمعابر أمام الغذاء والمحاكم أمام الضحايا؛ وعندما لا يسأل عن قوة المتهم أو هوية الضحية قبل أن يقرر أين تقف العدالة.
وهكذا يقود سؤال “مَن المنتصر في الحرب؟” إلى سؤالٍ أكبر: أيُّ نظامٍ دولي سيولد بعدما اكتشف العالم أنَّ النظام القديم لم يعد قادرًا على حمايته؟
إذا استطاعت الدول، ولا سيما الصغيرة والمتوسطة، تحويل هذا الوعي إلى إصلاح حقيقي للنظام الدولي ودعم استقلال القضاء والمساواة في تطبيق القانون، فقد يكون القانون الدولي هو المنتصر الحقيقي.
أما إذا بقي القانون يُطبق على الضعيف ويُفسَّر وفق مصلحة القوي، فلن يكون هناك منتصر، بل مجرد هدنة تسبق حربًا أخرى.
- الدكتور داود رجب البلوشي هو محام ومستشار قانوني عُماني. حاصل على الدكتوراه في القانون من جامعة السوربون. وهو أستاذ محاضر في جامعة السلطان قابوس في مسقط.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.