لبنان عشيّة المفاوضات

الدكتور ناصيف حتّي*

شكّل إعلان الرئيس الأميركي نصّ اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت بين لبنان وإسرائيل محطة مفصلية في مسار النزاع بين البلدين، لا من حيث توقيته فحسب، بل أيضًا لجهة دلالاته السياسية. فالاتفاق، الذي جاء ثمرة الاجتماع الثلاثي الأميركي–اللبناني–الإسرائيلي في وزارة الخارجية في واشنطن، وبرعاية وصياغة أميركيتين واضحتين، لا يقتصر على كونه ترتيبًا ميدانيًا لخفض التصعيد، بل يحمل في طياته مؤشرات إلى انتقال محتمل نحو مرحلة جديدة.

هذه المرحلة، كما توحي بها ملامح الاتفاق، يُفترض أن تمهّد لإطلاق مسار تفاوضي لبناني–إسرائيلي، يتم تحت مظلة أميركية مباشرة، لا تكتفي بدور الوسيط، بل تتجاوز ذلك إلى موقع الراعي والحاضن للعملية برمّتها، بما يعكس رغبة واشنطن في إعادة تشكيل قواعد إدارة هذا النزاع.

غير أنَّ هذا التحوُّل لا يخلو من ثغراتٍ جوهرية أثارت تحفّظات واسعة، من دون أن ترقى إلى حدِّ تعطيل المسار التفاوضي. إذ يتمثل الإشكال الأبرز في غياب التوازُن بين التزامات الطرفين، ولا سيما في ما يتعلق بتحديد الحقوق والقيود. فالاتفاق، وبصياغة مرنة في بنده الثالث، يمنح إسرائيل حقًا مفتوحًا في “اتخاذ كافة التدابير اللازمة للدفاع عن النفس في أيِّ وقت”، سواء في مواجهة هجماتٍ مُخطَّط لها أو وشيكة أو جارية، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول حدود هذا الحق وآليات ضبطه.

هذه الصياغة، عمليًا، تترك الباب مُشَرَّعًا أمام استمرار -بل وتبرير- العمليات العسكرية في جنوب لبنان، بما يُفرغ الهدنة من مضمونها ويجعلها عُرضةً للانهيار في أيِّ لحظة، خصوصًا أنها هدنة مؤقتة وهشّة بطبيعتها. وفي موازاة ذلك، تواصل إسرائيل التأكيد على أن “نهاية الحرب” لن تعني انسحابًا كاملًا، بل ستقترن بإقامة حزام أمني على طول حدودها، بعرض يُقدّره بعض التقارير بنحو عشرة كيلومترات، وهو ما يعني عمليًا استمرار السيطرة على عشرات القرى –يُقدّر عددها بنحو 55 قرية– ومنْع سكانها من العودة إليها، بما يرسّخ واقعًا ميدانيًا يتجاوز منطق وقف إطلاق النار إلى إعادة رسم معادلات السيطرة على الأرض.

وفي موازاة ذلك، يتكرّس في الخطاب الإسرائيلي حديثٌ متصاعد عن ضرورة فرض سيطرة أمنية على المنطقة الواقعة بين “الحزام الأمني” المقترح ونهر الليطاني، تحت مسمى “السيادة الأمنية”. ووفق هذا التصوُّر، قد يُسمح للسكان بالعودة إلى هذه المناطق في مرحلة لاحقة، لكن ضمن واقع تبقى فيه السيطرة الإسرائيلية قائمة، وإن بأشكالٍ وصيغ متعددة، ما يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة هذه “العودة” وحدودها الفعلية.

ويبدو أنَّ هذا المفهوم لم يَعُد مجرّد طرحٍ ظرفي، بل أخذ يتبلور كجُزءٍ من العقيدة الاستراتيجية الإسرائيلية. فالمؤشرات توحي بأنَّ إسرائيل تسعى إلى استنساخ نموذج سبق أن طبّقته في قطاع غزة، عبر ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، أي منطقة سيطرة كاملة جرى توسيعها تدريجًا. واليوم، ومع تراجع الاهتمام الدولي بغزة لصالح الحرب في لبنان، يبدو أنَّ هذا النموذج يُعاد طرحه للتطبيق في الجنوب اللبناني، بما يعكس توجُّهًا نحو إعادة تشكيل الواقع الميداني وفق مقاربات أمنية أحادية.

في المقابل، يتمسّك لبنان الرسمي بمقاربة مختلفة تقوم على إرساء هدنة شاملة تتضمّن وقفًا كاملًا للاعتداءات الإسرائيلية برًا وبحرًا وجوًا، تمهيدًا للانتقال إلى مسار تفاوضي واضح. غير أنَّ هذا الطرح لا يجد قبولًا لدى إسرائيل حتى الآن، ما يُعمّق الفجوة بين مقاربتين متناقضتين لإدارة المرحلة المقبلة.

وفي الوقت الذي ترفع إسرائيل شعار “الذهاب نحو السلام”، يبقى تعريفها لهذا السلام غامضًا وملتبسًا، إذ يبدو محصورًا في ترتيبات أمنية أحادية الطابع، ذات بُعدٍ احتلالي، تتناقض في جوهرها مع المفاهيم المتعارف عليها للسلام بين الدول، إلّا إذا كان المقصود بها فرض وقائع ميدانية تقترب من منطق الاستسلام.

أما الخط الأزرق، الذي يُعَدُّ الإطار الحالي لوقف إطلاق النار، فهو في طبيعته خطٌّ مؤقت يضم 13 نقطة خلافية، وهو أمرٌ مفهوم نظرًا لكونه لا يستند إلى الحدود الدولية المعترف بها بين الدولتين، بل يمثل عمليًا خطًا لوقف الأعمال القتالية، لا حدودًا نهائية، ما يترك الباب مفتوحًا أمام استمرار النزاع بأشكال مختلفة.

في هذا السياق، لا يبدو ممكنًا الولوج في مفاوضات جدية من دون توافر شروط تمهيدية واضحة، يأتي في مقدمتها وقف الأعمال العدائية الإسرائيلية المستمرة، حتى وإن اتخذت أحيانًا طابعًا متقطعًا يتراوح بين التصعيد والتهدئة. غير أنَّ هذا الشرط، على أهميته، لا يكفي بمفرده، إذ تبرز الحاجة إلى وضع خريطة طريق واضحة للمسار التفاوضي، تحدد مراحله وأهدافه وآلياته. مثل هذا الإطار لا يقتصر على تنظيم العملية التفاوضية، بل يستدعي أيضًا دورًا فاعلًا للوسيط –أو الوسطاء– في مواكبتها ورعايتها، وتوفير جدول زمني، ولو مرن، لكنه واضح المعالم، بما يضمن الاستمرارية ويحدّ من مخاطر التعطيل أو المماطلة.

وفي المحصّلة، لا يُمكن لأيِّ مسارٍ تفاوضي أن يكتسب صفة الواقعية ما لم يستند إلى أهداف محددة وقابلة للتحقق، قد تختلف بطبيعة الحال بين طرفي النزاع، لكنها تبقى ضمن هامشٍ من القبول المتبادل، بما يسمح بتحويل التفاوض إلى أداة لتقريب وجهات النظر لا لتكريس التباعد.

غير أنَّ بلوغ هذه المرحلة يفترض، من منظور عملي، معالجة مسألة جوهرية تتعلق بالمرجعية الحدودية. إذ يصبح من الصعب تصوُّر تقدُّمٍ فعلي في أيِّ مفاوضات من دون أن تقبل إسرائيل –طوعًا أو تحت ضغط الواقع– بالعودة إلى خط الهدنة لعام 1949، الذي يستند إلى الحدود الدولية المُعترَف بها، وهي الحدود اللبنانية–الفلسطينية تاريخيًا، بوصفها نقطة الانطلاق لأيِّ تسوية قابلة للحياة.

غير أنّ الحديث عن هذه الحدود لا يعني إعادة رسمها بقدر ما يقتضي تثبيتها على نحوٍ نهائي، وهو مسارٌ يستدعي معالجة النقاط الخلافية القائمة عبر تسوياتٍ مُحدَّدة. ورُغمَ أنَّ ذلك لا يندرج ضمن المستحيل من الناحية التقنية أو القانونية، فإنه يظل معقدًا سياسيًا، في ظلِّ استمرار الرفض الإسرائيلي للاعتراف بهذه الحدود، وسعي تل أبيب إلى اقتطاع أجزاء من الأراضي اللبنانية وضمّها بصورة رسمية، لا الاكتفاء بفرض السيطرة عليها كأمرٍ واقع.

وفي ضوء ذلك، لا يمكن الحديث عن مفاوضات سلام جدية إلّا انطلاقًا من شرطٍ أساسي يتقدّم على ما عداه، يتمثل في إنهاء الاحتلال، بوصفه المدخل الطبيعي لأيِّ تسوية قابلة للحياة، بالتوازي مع تعزيز وتفعيل اتفاقية الهدنة بما يجعلها منسجمة مع الحدود الدولية المعترف بها. فخلافًا لما تروّجه إسرائيل، لا يمكن بناء مسار تفاوضي مستقر على أساس وقائع ميدانية مفروضة بالقوة.

وللتذكير، يندرج الموقف اللبناني ضمن إطار واضح، إذ يلتزم لبنان بمبادرة السلام العربية التي أُقرت في قمة بيروت عام 2002، والتي تستند بدورها إلى منظومة القرارات الأممية ذات الصلة. غير أنَّ الالتزام بهذه المرجعيات لا يكفي بحد ذاته، ما لم يُقابَل بإرادةٍ مُقابِلة تُتيح ترجمتها إلى وقائع سياسية.

وعليه، فإنَّ أيَّ حديث عن سلامٍ فعلي ودائم يظل فاقدًا للمصداقية، ما لم يرتكز إلى هذه الثوابت. فالتجارب التاريخية تؤكد أنَّ التسويات التي تتجاوز الأسس القانونية والسيادية لا تصمد طويلًا. ومن هنا، تتحدد مجموعة من القواعد والمرجعيات التي يفترض أن تحكم الموقف اللبناني في أيِّ مفاوضات مقبلة—متى انطلقت، أو كما يقول البعض إن انطلقت.

  • الدكتور ناصيف يوسف حتّي هو أكاديمي، مُحلِّل سياسي، ديبلوماسي متقاعد، ووزير خارجية لبنان الأسبق. كان سابقًا المُتَحدِّث الرسمي باسم جامعة الدول العربية ولاحقًا رئيس بعثتها في فرنسا والفاتيكان وإيطاليا، والمندوب المراقب الدائم لها لدى منظمة اليونسكو.
  • يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره في صحيفة “النهار” (بيروت).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى