مضيق الغرائز
رشيد درباس*
الحضارات تموت بالانتحار لا بالقتل
أرنولد توينبي
معظم الشعب اللبناني يتابع النشرات، مُتسقِّطًا أخبار الحرب وأحوال السفن في مضيق هرمز، وآخرَ النشرات الجوية عن اقتراب التسوية أو ابتعادها بين أميركا وإيران. ولكن تلك المتابعة لا تورث إلّا الحَيْرَة بين تصريحات ترامب “المُقْبِلة – الـمُدْبِرة معًا” كحصان امرئ القيس، ومواقف القادة الإيرانيين الذين يصرّون على فرض شروط “انتصارهم التاريخي الافتراضي” على العدوان الأميركي – الإسرائيلي. وفي خلفية هذه المشاهد، يظل الموقف الباكستاني على رصانته ودأبه في مسعى عقد الاتفاق وإحلال سلام- قد يبدو قريبًا- على قواعد وقف التخصيب ونقل المخصّب وفتح المضيق وفك الحصار، وتسييل الأرصدة المجمَّدة، في حين دخلت إلى عالم الغموض، مسألة الاختراق الإيراني لدول المنطقة، بما يسمّى الأذرع؛ ولكن ذلك الغموض اخترقه اتصال هاتفي من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بالأمين العام ل”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم، أكد فيه أنَّ وقف إطلاق النار في لبنان بند أساس في المحاثات مع أميركا، فجاء رد الفعل من الشيخ فوريًّا وأعلن عزمه على إسقاط الحكومة في الشارع، وبشّرنا بدنو زوال إسرائيل. لكن وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو كان له بالمرصاد، فردَّ على الكلام بكلامٍ أشد، فيما أوعز بنيامين نتنياهو لجيشه بتصعيد الحملة العسكرية الهمجية، فكأني بالسيد عراقجي قد حرّر شيكًّا بلا مؤونة، بالغ الشيخ نعيم بتقدير ملاءة الرصيد، فأوقع وجلًا في نفوس اللبنانيين من احتمال الفوضى الحكومية والشارعية، لولا أنَّ الرئيس نبيه بري أعلن عدم الموافقة على الذهاب لمثل تلك الفوضى مؤكدًا التمسك بالحكومة، ودوام التواصل مع رئيس الجمهورية وأنه لا يوافق على كلام الشيخ نعيم ولم يُرِحْه.
من أسف، أنَّ لبنان يظل ساحة قتال مستدام، يتحمل أهله الدمار والتشريد والتجويع، والذل، والخوف، فيما لا يمارس سياسيوه ونُخَبُهُ أيّ دور علاجي أو وقائي، بل هم عاجزون عن أن يفسروا للمواطنين مخاطر تشابك المصالح الإقليمية والدولية التي ترمي نفاياتها على أرضنا، ولا يحاولون دعوة الناس إلى موقف يدرأ الأخطار المتلاحقة، ويشكل حالة وطنية واعية صالحة لمداواة الجراح وطمر الركام واستعادة القيمة الإنسانية للهوية اللبنانية.
إنَّ اللبنانيين باستبشارهم بالحكم الجديد كانوا يتوقعون حالة طوراىء سياسية على الأقل، تستنفر الخبرات وأهل الاختصاص من أجل رسم خريطة أولية لكيفية التعاطي المجدي والواقعي مع الأحداث ونتائجها.
كان اللبنانيون يتوقعون من الحكومة أن تحكم قبضتها على العاصمة لأنها مصبُّ نزوح وذكريات جروح، فإذ بالاستباحة تأخذ مداها، فتعجز السلطات عن حماية الواجهة البحرية من الأنواء البرية، فيما يقف رجال السير متفرجين على سيل الدراجات النارية التي يجب أن يدرج نزعها في جدول مسألة نزع السلاح. إنَّ إصدار القرارات الشجاعة يحتاج إلى حسن التقدير وجدارة التدبير.
إذا كان العالم اليوم عالقًا في حلق مضيق هرمز فإنَّ اللبنانيين كلهم عالقون في مضيق الغرائز وعمى البصيرة تحت وطأة حملة برية وجوية شرسة عممت الفوضى السكانية “يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه” ص.ع. على ما جاء في القرآن الكريم. والمشكلة أنَّ الحكم الذي يفترض فيه بأضعف الإيمان، أن يكون هيئة إرشاد حصيفة تحول من دون تداخل المرور في المضيق، نراه في حالة مُياومة، أي العمل باليومية، وهذا أمرٌ لا يبشّر بنهار جديد، ولا يمنع الكوابيس عن أحلام الليل، في ظل تصاعد دعوات التخوين والانفصال والتنصُّل.
عطفًا على ما سبق أطرح الإشكالية الآتية وهي انه في حمأة الاشتباك بين ” الممانعة” و”المطاوعة” تتطوّر الدعوة إلى “الفدرلة” من جهات لها أوزانها السياسية الكبيرة، فلم تعد صرخة في واد، بل غدت مشروعًا سياسيًّا وفكريًّا تتبنّاه قوى ملموسة، وفي المقابل يتحدث خطاب الممانعة عن سحب الأرواح الموازي لسحب السلاح، ويزدري بالحكم ورموزه، ويعلن قائلوه أنهم هم الحق الذي لا يحتمل مناقشة أو تفسيرًا أو تأويلًا. أضيف إلى عناصر هذه الإشكالية أنَّ “الفدرلة” قد تجد لها حضانات دولية أو إقليمية، فيما مقولة “سحب الأرواح” لم تعد تملك المقومات السابقة التي أحكمت فيها السيطرة على مفاصل الدولة؛ وعلى هذا فإنَّ موقف “حزب الله” المتصاعد تشددًا، يعطي تسويغًا عمليًّا وعاطفيًّا لفئات واسعة بأن تعلن يأسها من الدولة الفاشلة وتفضل اللجوء إلى تأسيس دولة تضم “المتشابهين” بحيث تستقل كل طائفة بجغرافية مشبوهة، وهذا معناه أنَّ الممانعة ستأخذ طائفتها إلى كيان محاصر بالأعداء او الخصوم جنوبًا وشرقًا وشمالًا وبحرًا.
أوردت هذه الاشكالية من باب التحذير، إلى أنَّ مشاريع التنصُّل ليست سوى تشظّي الكيان الصامد منذ قرن، إلى أماكن إيواء مجهولة، وأنَّ إصرار إيران على إدخال لبنان بندًا في الاتفاق العتيد مع أميركا يعني أنَّ إسرائيل ستتحصّن بهذا الاتفاق الذي يحمل التوقيع الإيراني، لكي تمارس”حقها” بالمطاردة الاستباقية ل”حزب الله”، على غرار ما تشنُّه من مئات الغارات في ظل التزام إيران بوقف النار مع أميركا واستطرادًا مع إسرائيل.
تكرمت سعادة السفيرة سميرة ضاهر وأرسلت لي مقالًا منشورًا في جريدة “l’orient le jour” تاريخ 27 أيار (مايو) الفائت ينبه إلى أنَّ مسألة “العيش معًا” جرح مفتوح نازف، يستوجب منا العناية الكافية قبل أن تجتاح الدوامة، بلاد الشرق الأوسط وتأخذنا إلى مجهول بلا معايير مشتركة على حساب تاريخنا وثقافتنا وضد ما نرتجيه لأولادنا، وهذا يعني أنه حق علينا أن نخرج من هياج الغرائز، لأنَّ الطوائف التي تشكل منها لبنان الكبير، لن تجد حماياتها الخاصة ومراعاة مصالحها وهواجسها إلّا في كنف الدولة التي لم تزل على قيد المصارعة بين الممانعة والمطاوعة، بين نسيس أمل في السلطة التي يجب أن تقرن حزم المواقف بعزم التنفيذ، وبين رجاء خافت بعودة الوعي إلى الرؤوس والنفوس الهائجة.
- رشيد درباس هو وزير لبناني سابق يعمل بالمحاماة، كان سابقًا نقيبًا لمحامي شمال لبنان.
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره في صحيفة “النهار” (بيروت).



