نرفض… كي لا يتكرَّر الخطأ
هنري زغيب*
بأَيِّ كلامٍ أُخاطب شعبَنا وهو بين ناريَن: القلق والخوف، القلق من غدٍ يأْتي بمجهولٍ مفاجئ، الخوف من حاضرٍ يتدحرج فيه الخطر كما عقارب الساعة تركض نحو الغياب؟
وبأَيِّ كلامٍ يرضي، أُخاطب إِخوةً لنا تشرَّدوا من الجنوب إِلى مراكز الإِيواء، مقتلَعين من راحة بيوتهم الهانئة، مرميِّين تحت خيمةٍ تلفحها الريح ويضربها المطر ويلهبها حرُّ الصيف، وينامون على حرام أَو فراشٍ يعض الأَرض من شدَّة بؤْسه؟
وبأَيِّ منطقٍ أَتحدَّث، وكل ما يجري على أَرضنا خارج كل منطق: مهجَّرون من بيوتهم، نازحون عن هناءَاتهم اليومية، لاجئون من وطنهم إِلى وطنهم، غرباء عن محيطهم، نزَلاء في غير رضًى، لا المدارس تأْوي أَبناءَهم، ولا الامتحاناتُ ترحم من لم يستطع أَن يتهيَّأَ لها؟
ضباب… ضباب… وليلٌ طويل… وفي الليل تتضخَّم الأَصوات، وتلبس الوجوهُ أَقنعةً مخفية.
يُضيْءُ الصباح لا على النور، بل على يوم مدلهمٍّ بالضَياع: هنا غارة تنهار، هناك ضحايا يسقطون، هنالك رتل سيارات نازحين. والمشاهد تتوالى، والمناظر تتناسل، والغضب يزداد على أَسباب ومسبِّبين، وشاشات تسىتقبل خبراء ومحلِّلين ومنظِّرين، وأَخبارٌ تبدأُ بتعداد الضحايا في بيانات وزارة الصحة، وحكومةٌ تلتئم ولا تجدُ غير الاستنكار، واستعطاء مساعدات تعجز عن تأْمينها فتلجأُ إِلى مانحين… الكلُّ في اضطراب، والكلُّ في كثافة الضباب، ونشرات الأَخبار تزيد الخوفَ خوفًا، والقلقَ اضطرابًا، والغدُ المجهولُ خلف الباب، والباب موصدٌ بشيطانِ المجهول.
أَإِلى اليأْس المصير؟ أَبدًا. بل إِلى الإِيمان الجَلود. نحن حيال عدوٍّ يريد تدميرَنا وتشريدَنا وتشويهَ هويتنا. لكننا لن نقع تحت الخوف، ولن نركعَ للمصير الغامض النيروني. الحرب ستهدَأ. يجيْءُ يومٌ وتهدأ. ويُشرق صباحٌ ولا خوف. فلنبدأْ منذ اليوم بتهيئة المابعد. من قلب غضبنا واضطرابنا وقلقنا فلنبدأْ منذ اليوم بتهيئةِ المابعد. بتهيئةِ وطننا في المابعد. هذه الحروب المتتالية على أرضنا كشفَت أَعداءَ الخارج ويوضاسيي الداخل. كشفَت مَن ينتمي إِلى هوية لبنان، ومن لا يستحقُّ أَن يكون ابنًا لهذه الهوية.
كثيرةٌ ضرائب الحروب، وكثيرةٌ كسورُها ومآسيها وفواجعُها البالغة القهر. إِنما لا بد من أُمثولة كي لا تتكرَّر الحروب: أُمثولةٌ وحيدةٌ تعوِّضُ عن كل ما جرى كي لا يجري مجدَّدًا، وتنبِّه إِلى ما كان كي لا يكون من جديد.
وما الأُمثولة؟ هي أَن نعتبر. والعبرةُ في أَن نعرف. وأَن نعرف يعني أَلَّا يتكرَّرَ الخطأ. وكي لا يتكرَّرَ الخطأ، علينا أَن نرفض. بشدَّةٍ أَن نرفض، كلَّ ما وكلَّ مَن كان مسبِّبًا ما حصل كي لا يتكرَّر حصولُه. وليس لنا، كي نعرف، إِلَّا أَن نعرفَ مَن هم غيرُ المستحقين شرفَ الانتماء إِلى الهوية اللبنانية، فنطردَهم من قناعاتنا، ونفتح اقتبالَنا واسعًا رحبًا لـمَن يستحقُّون فعلًا شرف أَن ينتموا إِلى لبنان اللبناني.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib



