حين انتصرت الجغرافيا على الإيديولوجيا في إيران

هشام الجعفري*

عندما اندلعت الثورة الإيرانية عام 1979، كان هدفها المُعلَن تَجاوُز الدولة القومية نفسها. أراد الإمام روح الله الخميني إقامة نموذج إسلامي عابر للحدود، يتجاوز القوميات والهويات الوطنية التي اعتبرها من مخلفات العصر الاستعماري. لم تكن “إيران” هي الفكرة المركزية للثورة، بل “الأمة الإسلامية”. ولم يكن المشروع موجَّهًا إلى الداخل الإيراني فقط، بل إلى المنطقة بأسرها.

لكن المفارقة التاريخية الكبرى قد تكون أنَّ الجمهورية الإسلامية، بعد ما يقارب نصف قرن على قيامها، تخرج من أشرس اختبار واجهته منذ الحرب العراقية-الإيرانية أكثر قربًا إلى الدولة القومية الإيرانية منها إلى المشروع الثوري الذي قامت من أجله.

هذا ربما هو التحوُّل الأهم الذي لم يلتفت إليه كثيرون في خضم النقاش الدائر حول نتائج الحرب الأخيرة. فالسؤال ليس ما إذا كانت إيران خرجت أقوى أو أضعف، بل ما إذا كانت إيران نفسها قد تغيّرت.

على امتداد عقود، بُنيت شرعية النظام الإيراني على ثلاث ركائز: الثورة، والمقاومة، والوعد بإقامة نموذج إسلامي مختلف عن النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. لكن الحروب والعقوبات والضغوط المتراكمة دفعت النخبة الإيرانية تدريجًا إلى اكتشاف حقيقة أكثر قسوة: الإيديولوجيا وحدها لا تحافظ على الدول.

الدول تحافظ عليها الجغرافيا والمؤسسات والاقتصاد.

ولهذا السبب يبدو أنَّ النخبة الجديدة الصاعدة داخل مؤسسات الدولة الإيرانية، وخصوصًا داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية، تنظر إلى العالم بعين مختلفة عن جيل الثورة الأول. فبالنسبة إلى هذا الجيل، لم تعد المعركة الأساسية هي تصدير الثورة، بل حماية الدولة. ولم يعد السؤال كيف يمكن تغيير المنطقة، بل كيف يمكن منع الآخرين من تغيير إيران.

من هنا يمكن فهم التحوُّل اللافت في الخطاب الإيراني خلال السنوات الأخيرة. فبينما كانت الجمهورية الإسلامية تتحدث سابقًا عن “محور المقاومة” و”تصدير الثورة”، أصبح الحديث يدور بصورة متزايدة حول الأمن القومي والممرات البحرية والتوازنات الإقليمية والسيادة الاقتصادية. وحتى عندما تستمر اللغة الثورية في الواجهة، فإنَّ الحسابات التي تقف خلفها تبدو أكثر براغماتية وأقل عقائدية.

ولعلَّ أوضح مؤشّر إلى هذا التحوُّل يتمثل في المكانة التي بات يحتلها مضيق هرمز في التفكير الاستراتيجي الإيراني.

فعلى مدى ثلاثة عقود، كان الهدف المركزي للسياسة الإيرانية يتمثّل في رفع العقوبات والعودة إلى الاقتصاد العالمي. كانت المفاوضات النووية، بكل تعقيداتها، تدور حول هذه الفكرة الأساسية: كيف تعود إيران إلى الأسواق الدولية؟

أما اليوم، فيبدو أنَّ جُزءًا مهمًّا من المؤسسة الحاكمة يفكر بطريقة مختلفة تمامًا. بدلًا من السؤال: كيف نعود إلى النظام الاقتصادي العالمي؟ أصبح السؤال: كيف نجعل النظام الاقتصادي العالمي مضطرًّا إلى التعامل معنا بشروطنا؟

الفارق بين السؤالين هائل.

الأول يعكس دولة تسعى إلى الاندماج في النظام القائم. أما الثاني فيعكس دولة تحاول توظيف موقعها الجغرافي لإعادة صياغة قواعد اللعبة نفسها.

وهنا تكمن أهمية مضيق هرمز. فالمضيق لم يعد مجرد ممر مائي حيوي، بل أصبح في نظر كثير من الاستراتيجيين الإيرانيين أصلًا جيوسياسيًا يعادل في قيمته النفط نفسه. وإذا كانت العقوبات الأميركية تقوم على التحكم بالدولار والنظام المالي العالمي، فإنَّ الرد الإيراني يقوم على التحكُّم بأحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم.

إنه انتقالٌ من منطق الاقتصاد إلى منطق الجغرافيا. ومن منطق الاندماج إلى منطق النفوذ.

هذا التحوُّل لا يقتصر على السياسة الخارجية. فهو ينعكسُ أيضًا على طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع داخل إيران.

فخلال العقود الماضية، كانت شرعية النظام تستند إلى معيار ديني وإيديولوجي: مدى الالتزام بقيم الثورة الإسلامية. أما اليوم، فيبدو أنَّ معيارًا آخر يتقدم تدريجًا إلى الواجهة: الولاء للدولة الإيرانية نفسها.

بمعنى آخر، لم يعد السؤال الضمني الذي تطرحه السلطة: “هل أنت إسلامي بما يكفي؟”، بل “هل أنت إيراني بما يكفي؟”.

وهذا تحولٌ بالغ الدلالة.

فالقومية تمتلك قدرة على جمع فئات متناقضة لا تستطيع الإيديولوجيا جمعها. يمكن للمُتَدَيِّن والعلماني، وللمحافظ والليبرالي، أن يختلفوا حول شكل النظام السياسي، لكنهم قد يتفقون على رفض التدخل الخارجي أو الدفاع عن وحدة الدولة. ولهذا تبدو القومية، بالنسبة إلى كثيرٍ من الأنظمة التي تواجه ضغوطًا وجودية، أداة أكثر فعالية من الخطاب العقائدي التقليدي.

لكن هذا لا يعني أنَّ إيران تتجه نحو الاعتدال أو الانفتاح. فالدول القومية الصلبة قد تكون أحيانًا أكثر تشدُّدًا من الدول الإيديولوجية. والانتقال من الثورة إلى الدولة لا يعني الانتقال إلى الديموقراطية. بل ربما يعني العكس تمامًا.

فالدولة التي تعتبر نفسها حامية للأمة وللأمن القومي تميل غالبًا إلى توسيع صلاحياتها وتقليص مساحة المعارضة باسم الحفاظ على الاستقرار. ولهذا فإنَّ التحوُّل الجاري في إيران يجب ألا يُقرَأ باعتباره تراجُعًا للمشروع الثوري بقدر ما هو إعادة تعريف له.

لقد اكتشفت الجمهورية الإسلامية، بعد عقود من المواجهة، أنَّ البقاء لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل بالسيطرة على الجغرافيا وإدارة الموارد وبناء مؤسسات قادرة على الصمود. ومن هنا ربما يكون الاستنتاج الأكثر إثارة للاهتمام: أنَّ الثورة التي قامت قبل 47 عامًا لتتجاوز القومية الإيرانية قد تكون انتهت، من حيث لا تدري، إلى إعادة إنتاجها.

قد تبقى العمامة في المشهد، وقد تبقى الشعارات الثورية حاضرة، لكن مركز الثقل الحقيقي يتحرك في اتجاهٍ آخر.

ليس نحو “الجمهورية الإسلامية” كما عرفناها، بل نحو دولة إيرانية قومية تستخدم الثورة كجُزء من سرديتها، لا كجوهر وجودها.

وإذا صحَّ هذا التقدير، فإنَّ الشرق الأوسط لا يقف أمام نسخة أكثر تشدُّدًا من إيران القديمة، بل أمام دولة مختلفة بالكامل: دولة ترى أنَّ مصدر قوتها لم يعد الإيديولوجيا، بل الجغرافيا؛ ولم يعد الحلم الثوري، بل المصلحة الوطنية؛ ولم تعد المعركة من أجل تصدير الثورة، بل من أجل إعادة رسم موازين القوة في المنطقة انطلاقًا من موقع إيران ذاته.

وهذا تحوُّلٌ قد تكون تداعياته على المنطقة والعالم أكبر بكثير من نتائج الحرب نفسها.

  • هشام الجعفري هو مراسل “أسواق العرب” في طهران.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى