ترامب اتَّصَلَ بالحزب…
محمّد قوّاص*
قال دونالد ترامب إنه اتصل بـ”حزب الله” واتفق معه على وقف إطلاق النار. سُرَّت “المُمانعة” وقالت “مدد يا إيران مدد”.
قبل ذلك أبلغ الرئيس جوزيف عون الرئيس نبيه بري أنَّ هناك اتفاقًا قيد الإنضاج يلجم هجوم إسرائيل مقابل التزام الحزب بوقف هجماته. وعد بري خيرًا… قالت الممانعة: “ما دخل الدولة والحكومة والرئيس؟”.
كل الأنظار كانت شاخصة بعيدًا، إلى ما وراء الحدود، حتى أتى الخبر. أفتت طهران أن “التزموا”، فخرج النائب في الحزب ليقول: “مُلتزمون”.
ما قاله ترامب يشبه ترامب. حصل تواصل بين مقرّب من بري وسفير واشنطن في بيروت ميشال عيسى. بعث رئيس المجلس النيابي مزيدًا من الرسائل عبر موفده إلى الدوحة. وفي تلك الرسائل تأكيد، كان قد أعلنه قبل ذلك، يضمن فيه التزام الحزب إذا التزمت إسرائيل.
تعرف واشنطن أنَّ بري لا يضمن قرار الحزب، حتى الأمين العام للحزب، الشيخ نعيم قاسم، لا يملك ذلك، وأنَّ مفتاح ذلك القرار في طهران، بما يعني أن إيران ألزمت حزبها، وأنَّ الحزب طلب من “الأخ الكبير” تسويق الأمر.
صادر ترامب سلّة الاتصالات التي تقاطعت داخلها بيروت مع الرياض والقاهرة وأنقرة وطهران وحزبها في لبنان. بَلَغَهُ أنَّ الحزب مستعد وأنَّ رسائله تتوالى عبر الوسطاء إلى المنابر الأميركية. لا منبر في واشنطن بالنسبة إلى ترامب إلّا ترامب. فكانت تغريدته: “اتصلتُ ب”حزب الله” عبر وسطاء رفيعي المستوى”.
قالت مصادر ديبلوماسية مستغربة جلبة المُمانعة في لبنان، إنَّ الحزب مُدرج على لوائح الإرهاب في الولايات المتحدة، فكيف الإنزلاق إلى الإيمان بأنَّ رئيسًا أميركيًا يهاتف منظمة إرهابية؟!
يوم السبت الماضي دخل ترامب ومجلس الأمن القومي إلى “غرفة العمليات” في البيت الأبيض لـ”اتخاذ قرار مهم”، هكذا أبلغنا بنفسه. كان وزير خارجية باكستان محمد إسحق دار قد التقى قبل يوم في واشنطن وزير الخارجية ماركو روبيو وحمل إليه الرد الإيراني على مسودة الاتفاق العتيد.
دام اجتماع ترامب داخل تلك “الغرفة” ساعتين. لم يرفض ترامب الورقة الإيرانية. لم ينعتها بسوء، ولم يرمها كما فعل سابقا في سلّة المهملات. اكتفى بالصمت.
قالت معلومات إنَّ ترامب استنتج تنازلات إيرانية استحقت ساعتين من المداولات. قالت معلومات أخرى إنَّ روحية الرد الإيراني متعاونة مع تنازلات كانت واشنطن قد وافقت عليها.
قدّمت طهران ما يمكن أن يرضي ترامب في الملف الوحيد المتبقّي للنقاش: “لا قنبلة نووية إيرانية”. قدمت واشنطن بالمقابل مرونة لافتة في مسائل حيوية لطهران استدعت انتقال أوزان إيرانية كبرى، رئيس البرلمان ووزير الخارجية ومحافظ البنك المركزي، إلى الدوحة: المال، العقوبات.
يقول ترامب إنَّ الاتفاق بات قريبًا. احتاج بعد اجتماع السبت إلى تعديلات تجميلية لنص الاتفاق العتيد. يريد أن يسمع “مَن به صمم” كلمات واضحة حاسمة دقيقة توافق عليها إيران تدل على قبولها التخلي عن “القنبلة”.
كلمات في تخصيب اليورانيوم الذي يجب أن “يدجّن”. وأخرى في المخزون العالي التخصيب الذي يجب أن “يدمَّر”. فإذا ما تمّ الاتفاق على المضمون فلن يكون الشكل عائقا.
في الشكل أيضًا أن يُمرّر ترامب لإيران بندًا داخل الاتفاق العتيد يربط وقف الحرب في لبنان بوقف الحرب في إيران.
بدا أنَّ الأمر بات ملحًّا بعد أن “تذاكى” بنيامين نتنياهو في التوعُّد بحملة على “الضاحية” قد تتمدد إلى بيروت كفدية مقابل “اختطاف” الرئيس الأميركي الفريسة التي كان يطمح إليها نتنياهو في إيران.
فإذا كان مرور نص الاتفاق يستوجب “تأنيبًا” لنتنياهو ووقفًا لشططه، فإنَّ ترامب أبلغ إيران وحزبها كما إسرائيل وزعيمها و”الشيوخ” المؤيدين له داخل الحزب الجمهوري في واشنطن أنَّ “الأمر لي” في تغيير الخرائط وتبديل المعادلات، طالما أنَّ “اتفاقًا عظيما” يستوجب ذلك، ويستدرج ما يرسم ابتسامات على وجوه من طرب لاتصال متخيل للرئيس بالحزب في لبنان.
أراد ترامب أيضًا وهو الذي يرعي المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية المباشرة، إنقاذ جلساتها في واشنطن لعلها تخرج بقرار يوقف الحرب بمعزل عن عوامل حرب إيران ونصوص إنهائها.
- الدكتور محمّد قوّاص هو كاتب، صحافي ومُحلّل سياسي لبناني مُقيم في لندن. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @mohamadkawas
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) تَوازِيًا مع صُدورِه في “النهار العربي” (بيروت).



