فخّ “حزب الله”: إسرائيل بين احتلالِ لبنان ونَزعِ السلاح
رغم الإنجازات العسكرية التي حققتها إسرائيل ضد “حزب الله”، تبدو أبعد من تحقيق هدفها الاستراتيجي المتمثل في نزع سلاحه. وبين إغراء القوة ومقتضيات التسوية السياسية، تجد نفسها أمام معضلة قد تعيد إنتاج أخطاء الماضي في لبنان.

شيرا إيفرون*
خلال الأسبوع الماضي، تأرجح مسار الصراع في لبنان بين التصعيد العسكري والمساعي الديبلوماسية. ففي 30 أيار (مايو)، اجتمع وفدان عسكريان من إسرائيل ولبنان في البنتاغون للتحضير لجولة رابعة من المفاوضات الهادفة إلى إنهاء المواجهة بين إسرائيل و”حزب الله”، المدعوم من إيران. غير أنَّ أجواء التهدئة لم تدم طويلًا؛ فبعد يوم واحد فقط، استعاد الإسرائيليون واللبنانيون مشهدًا يُذكّر بمحطات مؤلمة من الماضي عندما رفع جنود الجيش الإسرائيلي العلم الإسرائيلي فوق قلعة الشقيف، الحصن التاريخي العائد إلى القرن الثاني عشر في جنوب لبنان، والذي يُعد رمزًا للاحتلال الإسرائيلي الذي استمر نحو عقدين وانتهى عام 2000 من دون تحقيق مكاسب استراتيجية تُذكر. واحتفى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالخطوة، معلنًا: “لقد عدنا إلى قلعة الشقيف أقوى من أي وقت مضى”. وفي اليوم التالي، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب توصُّله إلى اتفاقٍ بين إسرائيل و”حزب الله” لوقف القتال.
لكن إعلان ترامب لم يضع حدًّا للتوتر، إذ فسّر كلٌّ من إسرائيل و”حزب الله” الاتفاق على نحوٍ مختلف، واستمرَّ تبادل الاتهامات بينهما. وتشير التطورات الأخيرة إلى أنَّ هذا التباين في الأهداف والمواقف مرشح للاستمرار. ففي منتصف نيسان (أبريل)، وبعد الجولة الثالثة من المفاوضات، أعلنت واشنطن تمديد وقف إطلاق النار في لبنان لمدة 45 يومًا، إلّا أنَّ الصراع واصل تصاعده منذ ذلك الحين. ووفقًا لمركز “ألما” الإسرائيلي للأبحاث، نفّذ “حزب الله” خلال الأسبوع الذي بدأ في 25 أيار (مايو) 227 هجومًا بالصواريخ والأسلحة المضادة للدبابات والطائرات المسيّرة ضد جنود ومدنيين إسرائيليين، مقارنة بـ161 هجومًا في الأسبوع السابق، مع اتساع نطاق هذه الهجمات جغرافيًا. وفي المقابل، تتعرّض البلدات الإسرائيلية الشمالية لقصفٍ متواصل أدى إلى نزوح عشرات الآلاف من السكان. كما يواصل الجيش الإسرائيلي عملياته داخل الأراضي اللبنانية، ملوّحًا بإمكانية توجيه ضربات إلى بيروت. ومنذ منتصف نيسان (أبريل)، دمّر عددًا من القرى، وقتل، بحسب بياناته، نحو 800 عنصر من “حزب الله” ومئات المدنيين اللبنانيين، فيما نشر تشكيلات كبيرة من فرقتين عسكريتين لتوسيع منطقة عازلة آخذة في التمدد.
يسعى القادة الإسرائيليون إلى الموازنة بين المسار الديبلوماسي والعمليات العسكرية الجارية، في محاولة لإرضاء أطراف متعددة في الوقت نفسه. فمن جهة، هناك إدارة ترامب والعواصم الأوروبية الداعمة للحلول الديبلوماسية، ومن جهة أخرى، هناك الإسرائيليون القلقون على أمنهم، ولا سيما سكان المناطق الشمالية، إضافة إلى اليمين الإسرائيلي المتطرف، الذي رغم محدودية حجمه يتمتع بنفوذ سياسي ويدفع باتجاه التوسع الإقليمي. ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في الخريف، يدرك نتنياهو أنَّ أيَّ تهاون في التعامل مع “حزب الله” قد يعرّض حكومته لضغوط سياسية حقيقية. فقد تعهدت الحكومة بتحقيق نصر كامل على إيران ووكلائها، لا بالتوصل إلى تسويات أو حلول وسط. ورُغمَ أنَّ انتهاج المسار الديبلوماسي لا يترتب عليه ثمن سياسي داخلي بالنسبة إلى نتنياهو، فإنه لا يحقق له مكاسب سياسية واضحة أيضًا.
ويجب النظر إلى سياسة إسرائيل تجاه لبنان في إطار التحوُّل الذي طرأ على العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد هجمات 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023. ففكرة انتظار تراكم التهديدات ومراقبتها باتت تُعد، في نظر صناع القرار الإسرائيليين، مخاطرة غير مقبولة. لذلك انتقلت إسرائيل من التركيز على الردع إلى تبنّي نهج أمني دائم يقوم على ما تسميه “الدفاع الاستباقي”، عبر السيطرة على الأراضي، وإنشاء مناطق عازلة، وقبول استمرار الحملات العسكرية لفترات طويلة. وفي هذا السياق، وصف نتنياهو السيطرة على قلعة الشقيف بأنها “مرحلة حاسمة” في السياسة الإسرائيلية، مؤكدًا أنَّ إسرائيل “كسرت حاجز الخوف” وأصبحت تبادر إلى التحرك على مختلف الجبهات، في سوريا وغزة ولبنان.
غير أنَّ هذه الثقة المعلنة تخفي وراءها قدرًا متزايدًا من الإحباط. فاستمرار التصعيد يهدد بإضاعة فرصة نادرة قد تتيح لإسرائيل ولبنان تحقيق هدف استراتيجي مشترك. فكلا الطرفين يسعى إلى نزع سلاح “حزب الله” واستعادة سيادة الدولة اللبنانية. ومنذ الهجوم الذي شنته إسرائيل والولايات المتحدة على إيران في أواخر شباط (فبراير)، بات “حزب الله” يُظهر بصورة أوضح أنَّ ولاءه النهائي لإيران أكثر منه للبنان. إلّا أنَّ نزع سلاحه يتطلب مقاربة سياسية حذرة ومدروسة، إذ تبقى الدولة اللبنانية الجهة الوحيدة القادرة على تنفيذ هذه المهمة بصورة شرعية ومستدامة.
ولا تستطيع إسرائيل أن تعوّض الشرعية السياسية بالقوة العسكرية. ومع ذلك، يمكن للمفاوضات الجارية أن تساعد على تهيئة الظروف التي تمكّن الدولة اللبنانية من استعادة سيادتها. ومن هنا، ينبغي أن تتجاوز محادثات هذا الأسبوع هدف تمديد وقف إطلاق النار الهش أو حصر المواجهة في جنوب لبنان، وأن تسعى إلى معالجة أوسع للأزمة. وإذا لم تُفضِ هذه الجهود إلى مقاربة مختلفة جذريًا تحقق مكاسب ملموسة للبنانيين والإسرائيليين على حد سواء، فإنَّ خطر اندلاع حرب شاملة مجددًا سيظل قائمًا، وستتلاشى فرص إضعاف “حزب الله” بصورة دائمة وفتح الطريق أمام سلام مستقر.
زرع بذور الفتنة
بدأت إسرائيل التخطيط لحملة جديدة ضد “حزب الله” بين منتصف عام 2025 ونهايته. وكان وقف إطلاق النار الذي أُبرم في تشرين الثاني (نوفمبر) 2024 قد وضع حدًا لحرب استمرّت عامًا كاملًا، اندلعت بعدما بدأ “حزب الله” استهداف شمال إسرائيل دعمًا لـ”حماس” في غزة. وبعد أشهر عدة، خلصت التقديرات الاستخبارية الإسرائيلية إلى أنَّ الحزب استعاد جزءًا من قدراته العسكرية، وأنه قد يعود ليشكل تهديدًا كبيرًا لإسرائيل. وفي المقابل، طرحت الحكومة اللبنانية الجديدة، التي تسلمت السلطة في شباط (فبراير) 2025، خطة طموحة لنزع سلاح “حزب الله”، لكنها افتقرت إلى القدرة والإرادة السياسية اللازمتين لتنفيذها ضمن إطار زمني مقبول.
وأدى الضغط الأميركي والتحضيرات للحملة الأميركية-الإسرائيلية المشتركة ضد إيران إلى تأجيل الخطط الإسرائيلية في لبنان. غير أنه بعد وقت قصير من بدء العمليات ضد إيران، اعتقدت إسرائيل أنها دفعت “حزب الله” إلى خرق وقف إطلاق النار عندما أطلق الحزب وابلًا من الصواريخ على شمال إسرائيل ردًا على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. إلّا أنَّ ما جرى قد يكون أقرب إلى وقوع إسرائيل في فخٍّ غير مقصود. فخلال عام 2025، استفادت إسرائيل مما وصفه بعض المحللين بـ”وقف إطلاق نار فاخر”، إذ احتفظت بحرية استباق التهديدات، وأبقت وجودًا عسكريًا في خمس نقاط داخل لبنان، بينما امتنع “حزب الله” عن الرد. وكانت إسرائيل تتوقع رد فعل من الحزب على مقتل خامنئي، ورأت في ذلك فرصة لتوسيع عملياتها ضد تنظيم مُنهَك تراجعت صلاته بطهران وتقلص حجم الدعم الإيراني له. لكن التطورات جاءت على نحوٍ مختلف، إذ تعززت علاقة “حزب الله” بإيران، وتحوّل إلى تنظيم يعتمد على حرب العصابات المنتشرة. كما تخلى عن سياسة ضبط النفس السابقة، واتجه إلى تكتيكات أكثر جرأة استهدفت القوات الإسرائيلية داخل لبنان والمستوطنات الشمالية.
ورُغم ما شاب الحملة الإسرائيلية من ثغرات استراتيجية وتكتيكية، أبرزها محدودية قدرتها على مواجهة الطائرات المسيّرة المطوَّرة التي يستخدمها “حزب الله”، فإنها حققت عددًا من المكاسب الميدانية. ووفقًا لإسرائيل، قُتل ما يقارب 3000 مقاتل من “حزب الله”، بينهم قيادات بارزة، منذ مطلع آذار (مارس). كما دُمّرت شبكة أنفاق يبلغ طولها نحو ميل واحد، وصودرت عشرات مخابئ الأسلحة، وهُدمت منصات إطلاق صواريخ وبنى تحتية تابعة للحزب داخل منازل ومنشآت أخرى في قرى لبنانية. كذلك سيطرت القوات الإسرائيلية على أراضٍ تمتد حتى ستة أميال داخل جنوب لبنان، تمثل نحو 5% من مساحة البلاد. غير أنَّ هذه العمليات جاءت بكلفة بشرية ومادية كبيرة، إذ قُتل أكثر من 3000 لبناني، بينهم مدنيون، ونزح أكثر من 1.5 مليون شخص. وفي المقابل، أسفرت هجمات “حزب الله” عن مقتل عشرات الجنود والمدنيين الإسرائيليين وإصابة المئات، كما دفعت عشرات الآلاف من سكان شمال إسرائيل إلى مغادرة منازلهم، فيما يعيش مَن بقي منهم تحت تهديد متواصل.
في المقابل، لا يبدو أنَّ هناك حلًا عسكريًا لمُعضِلة “حزب الله”. فإقامة منطقة عازلة قد تحد من عمليات التسلل عبر الحدود ومن نيران الأسلحة المضادة للدبابات قصيرة المدى، لكنها لا توفر وسيلة فعالة لوقف الهجمات الصاروخية أو تفكيك شبكات الحزب في شمال لبنان. وفي منتصف آذار (مارس)، أظهرت تقارير للجيش الإسرائيلي أنَّ معظم الصواريخ التي استهدفت شمال إسرائيل أُطلقت من مناطق تقع شمال نهر الليطاني، أي خارج النطاق الذي يمكن لإسرائيل السيطرة عليه عمليًا من دون اللجوء إلى احتلال كامل للبنان.
كما إنَّ أيَّ احتلالٍ طويل الأمد، حتى لجنوب لبنان فقط، ينطوي على مخاطر كبيرة. فهو يعرّض القوات الإسرائيلية لاستنزاف مستمر بفعل هجمات المقاتلين، ويتحول إلى عبء داخلي متزايد كلما ارتفعت الخسائر البشرية، كما أظهرت التجارب السابقة. فبين عامي 1982 و2000، أقامت إسرائيل منطقة أمنية في جنوب لبنان بهدف إبعاد التهديدات عن سكانها. لكن هذا الوجود العسكري كلّفها أرواح عدد كبير من الجنود وعناصر الاحتياط، واستنزف موارد الدولة، وأثار احتجاجات وضغوطًا سياسية داخلية متنامية. وفي نهاية المطاف، اضطرت إسرائيل إلى الانسحاب عام 2000 من دون تحقيق مكاسب استراتيجية، تاركة وراءها خصمًا أكثر قوة وشعبية. وإذا كان هذا النهج قد فشل في تحقيق الأمن خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، فمن غير المرجح أن ينجح اليوم، بل قد يكون أكثر ضررًا في لحظة تبدو فيها فرص إضعاف “حزب الله” أو حتى نزع سلاحه أكبر مما كانت عليه منذ عقود.
خطوة إلى الأمام وخطوتان إلى الخلف
رُغمَ الإخفاقات التي واجهتها، واصلت إسرائيل نهجها التصعيدي في لبنان، لأنَّ هذا النهج بات جُزءًا من عقيدةٍ أمنية أوسع. فقبل هجمات السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، استندت العقيدة الأمنية الإسرائيلية إلى ثلاثة مرتكزات رئيسة: الردع الفعّال، والإنذار المبكر، وبناء القدرات الدفاعية والعسكرية القادرة على حسم الحروب بسرعة. وبحُكمِ صغر مساحتها وتعدُّد التهديدات التي تواجهها، فضّلت إسرائيل تقليديًا الترتيبات التفاوضية التي تطيل فترات الهدوء بين الحروب، بما يمنح الجيش والاقتصاد والمجتمع فرصة للتعافي. وعلى الرُغم من اعتبار “حزب الله” التهديد التقليدي الأخطر، فقد اعتمدت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لسنوات سياسة “الهدوء مقابل الهدوء”، مفضلة احتواء الاستفزازات المحدودة على ردود قد تشعل مواجهة واسعة على الحدود الشمالية.
لكن هجمات السابع من تشرين الأول (أكتوبر) أطاحت هذه الركائز الثلاث. وبدلًا من التركيز على معالجة أوجه القصور التي كشفتها تلك الأحداث وإصلاح مؤسسات الأمن القومي، اتجهت إسرائيل نحو عقيدة جديدة تقوم على الوقاية المُسبَقة. ويكرّس هذا التوجُّه استمرار دائرة الصراع، إذ لا يقتصر على الغارات الجوية والعمليات الخاصة واستعراض القوة العسكرية، بل يشمل أيضًا ما يُعرَف بإجراءات الدفاع الاستباقي، التي تقوم عمليًا على السيطرة على أراضٍ داخل الدول المجاورة وإقامة مناطق عازلة.
ولا يزال عجز الدولة اللبنانية عن بسط سيادتها الكاملة يشكل مصدر قلق أمني لإسرائيل. فعلى مدى عقود، استُخدمت الأراضي اللبنانية قاعدة لشنِّ هجمات ضدها، بدءًا من منظمة التحرير الفلسطينية بين عامي 1968 و1982، وصولًا إلى “حزب الله” المدعوم من إيران. غير أنَّ الحزب لا يقتصر على كونه قوة عسكرية، بل يمثل أيضًا حركة سياسية واجتماعية متجذّرة في المجتمع اللبناني. فهو يدير خدمات اجتماعية، ويعتمد شبكات محسوبية، ويستند إلى خطاب يقوم على المقاومة، مستفيدًا من الفراغات التي تتركها مؤسسات الدولة الضعيفة. لذلك، لا يمكن التعامل معه من خلال الأدوات العسكرية وحدها.
ومع ذلك، ظل البُعدُ العسكري هو الغالب على المقاربة الإسرائيلية. فقد وافقت إسرائيل على بدء محادثات مع لبنان في منتصف نيسان (أبريل) استجابة لطلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعدما تجاهلت في آذار (مارس) دعوات الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى التفاوض. ومع انطلاق المحادثات، سعت إسرائيل إلى إظهار انفتاحها على خيار السلام بالتوازي مع تطبيق عقيدتها الأمنية الجديدة في لبنان. وأكد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أن بلاده “لا تملك أي مطامع إقليمية في لبنان”. إلّا أنَّ تصريحات مسؤولين آخرين عكست توجهًا مختلفًا. ففي 26 أيار (مايو)، دعا وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إلى قطع الكهرباء عن لبنان، محذّرًا من أنَّ استمرار نشاط “حزب الله” سيجعل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني “منطقة عازلة أمنية لدولة إسرائيل” إذا أخفقت الحكومة اللبنانية في السيطرة على الحزب.
وحاول نتنياهو التوفيق بين الخطابين. ففي بيان صدر في 16 نيسان (أبريل)، تحدث عن “فرصة لإبرام اتفاق سلام تاريخي مع لبنان”، لكنه ربط ذلك بالإبقاء على المنطقة العازلة. وأكد أنَّ إسرائيل تعتزم البقاء داخل “منطقة عازلة أمنية معززة” تمتد من الساحل إلى جبل دوف (جبل روس) وسفوح جبل الشيخ وصولًا إلى الحدود السورية، مشددًا على أنَّ هذا الشريط الأمني سيكون أعمق وأكثر قوة واستمرارية من أي ترتيبات سابقة، وأنَّ إسرائيل لن تنسحب منه. وخلال الأسابيع الستة الدامية التي تلت ذلك، اتجه خطابه نحو مزيد من التشدد.
قد يساهم التوصل إلى اتفاق وعقد لقاء رسمي مع الرئيس جوزيف عون في تعزيز رواية نتنياهو القائلة إنه يحقق لإسرائيل “السلام عبر القوة”. غير أنَّ الواقع يشير إلى أنَّ حكومته تواجه ضغوطًا سياسية وشعبية متزايدة لتوسيع عملياتها في لبنان ردًّا على استخدام “حزب الله” للطائرات المسيّرة ذات الرؤية المباشرة، وهي وسيلة كان متوقعًا استخدامها على نطاق واسع، لكن إسرائيل لم تستعد لها بالشكل الكافي. ويطالب الرأي العام الإسرائيلي بتحقيق الأمن، من دون إيلاء أهمية مماثلة للدور الذي يمكن أن تؤديه التسوية السياسية في تحقيقه. وقد عبّر الكاتب الإسرائيلي ناحوم برنيا عن هذا المزاج العام حين كتب: “إسرائيل لا تحتاج إلى اعتراف من لبنان. إنها لا تحتاج إلى سلام. إنها لا تحتاج إلى محبة. إنها تحتاج إلى شيء واحد فقط: ألّا تعبر الصواريخ أو الطائرات المسيّرة الحدود. لبنان لا يستطيع توفير ذلك”.
كما يخدم تصعيد العمليات العسكرية أهدافًا سياسية داخلية. فكلُّ يوم تتصدّر فيه المواجهة مع “حزب الله” أو غيره من الخصوم المشهد الإعلامي، يتراجع فيه النقاش حول تشكيل لجنة تحقيق وطنية بشأن الإخفاقات التي سبقت هجمات السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 ورافقتها، وكذلك حول محاكمة نتنياهو في قضايا الفساد. كذلك يرضي إنشاء المناطق العازلة التيار اليميني المتطرف داخل إسرائيل، الذي يدعو إلى ضم مزيد من الأراضي في المشرق العربي. ورٌغم أنَّ هذا التيار يمثل أقلية محدودة من الناخبين، فإنه يشكل عنصرًا مهمًا في الائتلاف الحاكم. وإضافة إلى ذلك، قد يؤدي التصعيد في لبنان إلى تعقيد المفاوضات الأميركية – الإيرانية التي تعارضها إسرائيل. ففي وقتٍ كانت واشنطن وطهران تعملان على التوصل إلى إطار تفاهم، أفادت وكالة “تسنيم” الإيرانية في الأول من حزيران (يونيو) بتعثُّر المحادثات بسبب العمليات الإسرائيلية في لبنان. كما ربطت طهران أي اتفاق أوسع بوقف إطلاق النار هناك، مطالبة إسرائيل بإنهاء هجماتها والانسحاب إلى حدودها.
كسر النمط
لكن الخطاب المتشدّد الذي يتبناه نتنياهو يخفي وراءه مُعضِلة حقيقية. فمحاولة الجمع بين المسار الديبلوماسي والتصعيد العسكري في الوقت نفسه أضعفت فرص النجاح في كلا المسارين. وقد لخّص يحيئيل ليتر، سفير إسرائيل لدى واشنطن وممثلها في المفاوضات، هذه المقاربة عندما أعاد صياغة مقولة إسحاق رابين، قائلًا إنَّ الهدف هو “التوصُّل إلى معاهدة سلام كما لو لم يكن هناك “حزب الله”، ومحاربة “حزب الله” كما لو لم تكن هناك معاهدة سلام”. لكنه نهج يبدو بعيدًا من تحقيق أيٍّ من الهدفين.
ويدرك كثير من الإسرائيليين أنَّ السياسة الحالية لا توفر لهم أمنًا مستدامًا. فقد أظهر استطلاع أجراه معهد دراسات الأمن القومي في 26 نيسان (أبريل) أنَّ 69% من الإسرائيليين يؤيدون استمرار الحملة ضد “حزب الله”، لكن 62% منهم لا يعتقدون أنَّ العمليات الجارية ستؤدي إلى استقرار أمني طويل الأمد. كما أعرب 84% من المشاركين عن قلقهم من الوضع الأمني في لبنان، مقارنة بـ51% فقط في شباط (فبراير). ولم يقتصر هذا القلق على معارضي الحكومة، إذ شمل النسبة نفسها تقريبًا من مؤيدي ائتلاف نتنياهو.
ويعكس ذلك حالة متزايدة من الإحباط لدى الإسرائيليين تجاه نمط بات مألوفًا. فبينما يحقق الجيش إنجازات ميدانية مكلفة لـ”حزب الله”، تبقى الأهداف الاستراتيجية الكبرى التي تعد بها القيادة السياسية بعيدة المنال، ما يترك الجمهور أمام فجوة متكررة بين الوعود والنتائج الفعلية.
يُعد نزع سلاح قوة شبه عسكرية تؤدي في الوقت نفسه دورًا سياسيًا واجتماعيًا رئيسيًا مهمة شديدة التعقيد، حتى في أفضل الظروف. وعادة لا ينجح هذا المسار بسرعة إلا عندما توافق الجماعة المسلحة طوعًا على التخلي عن سلاحها مقابل الاندماج في الحياة السياسية الرسمية، كما حدث مع القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك) في أوائل العقد الثاني من الألفية، أو عندما تتولى جهة دولية دمج الميليشيا قسرًا في بنية دولة جديدة، كما فعلت الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) مع جيش تحرير كوسوفو في أواخر التسعينيات. وحتى في حالة الجيش الجمهوري الإيرلندي، استغرق نزع السلاح سبع سنوات بعد التوصل إلى اتفاق سياسي. أما في لبنان، فتسعى إسرائيل إلى دفع الدولة اللبنانية، وهي دولة تعاني الهشاشة والانقسام، إلى نزع سلاح ميليشيا غير متعاونة عبر الضغط العسكري الخارجي، ما يجعل المهمة أكثر تعقيدًا ويطيل أمدها.
ومع ذلك، يبقى نزع سلاح “حزب الله” هدفًا يصب في مصلحة اللبنانيين والإسرائيليين على حد سواء. وفي الوقت الذي تجد فيه إسرائيل نفسها عالقة في مأزق استراتيجي، فإنها تخاطر أيضًا بتفويت فرصة نادرة قد لا تتكرر إلا مرة واحدة خلال جيل كامل. فشريحة واسعة من اللبنانيين باتت تنظر إلى “حزب الله” بقدر متزايد من الاستياء، فيما شهد الخطاب العام تحوّلًا لافتًا يفتح المجال أمام فرصة تاريخية للسلام. فمنذ تشكيل الحكومة الجديدة مطلع عام 2025، أعلن عدد من السياسيين والناشطين اللبنانيين مواقف أكثر ابتعادًا عن الحزب، وبدََؤوا يتحدثون علنًا عن السلام مع إسرائيل، وهو موضوع كان يُعَدُّ من المحرمات في السابق. كما أبدى بعض الشخصيات اللبنانية استعدادًا لانخراط ديبلوماسي محدود. وأظهر استطلاع أجرته مؤسسة “الدولية للمعلومات” في أيار (مايو) أنَّ غالبية اللبنانيين تؤيد السلام مع إسرائيل. لكن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي من دون تحقيق تقدم ديبلوماسي ملموس قد يمنح “حزب الله” فرصة لاستعادة خطابه القائم على المقاومة وتعزيز صورته باعتباره المدافع عن لبنان في مواجهة الاحتلال.
المفاوضات ليست مجانية
تظل المحادثات التي ترعاها الولايات المتحدة بين الحكومتين الإسرائيلية واللبنانية محدودة بطبيعتها. فمع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في الخريف، لا يتمتع فريق التفاوض الإسرائيلي بصلاحيات واسعة، كما إنه غير قادر على مناقشة انسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية في المستقبل القريب. ومن الناحية النظرية، يتيح استمرار المفاوضات رغم التصعيد الميداني الحفاظ على مسار سياسي قائم. غير أن القادة الإسرائيليين، شأنهم شأن القادة اللبنانيين، سيحتاجون قريبًا إلى إقناع جمهورهم بأنَّ هذه العملية السياسية تحقق نتائج ملموسة.
وتُعد الحكومة اللبنانية ومعظم اللبنانيين شركاء محتملين لإسرائيل في مسار نزع سلاح “حزب الله”، ما يستدعي التعامل معهم على هذا الأساس. وفي إطار إجراءات بناء الثقة، ينبغي للقادة الإسرائيليين، وخصوصًا نتنياهو، أن يؤكدوا بوضوح أنَّ إسرائيل لا تسعى إلى الاحتفاظ بأيِّ أراضٍ لبنانية في المدى الطويل، وأنَّ وجودها العسكري في الجنوب مؤقت. كما يتعين عليها تجنُّب توسيع انتشارها العسكري، وقبول انسحاب جُزئي في إطار أيِّ تفاهم أميركي – إيراني محتمل. وقد يوفر مثل هذا التفاهم مخرجًا يسمح لإسرائيل بتقليص المنطقة العازلة الموسعة والعودة إلى نطاق النقاط الخمس التي كانت تسيطر عليها عند وقف إطلاق النار في تشرين الثاني (نوفمبر) 2024.
وبصرف النظر عن الضغوط الداخلية الدافعة نحو التصعيد، فإنَّ ضبط النفس الميداني يظل عاملًا أساسيًا. فالضربات العشوائية، ولا سيما في بيروت، وتدمير القرى، وإقامة منشآت دائمة داخل الأراضي اللبنانية، كلها خطوات تضعف شرعية الدولة اللبنانية وقدرتها على مواجهة “حزب الله”، كما قد تسهم في إعادة تقديم الحزب بوصفه حاميًا للمدنيين اللبنانيين. ولذلك، يتعين على إسرائيل أن توازن بين استهداف القدرات العسكرية للحزب والحفاظ على البنية التحتية المدنية التي تحتاجها الدولة اللبنانية لتعزيز حضورها ونفوذها.
يمكن لإسرائيل أيضًا اعتماد خطوات فورية لبناء الثقة، تكون قابلة للتسويق داخليًا، مثل إطلاق مشاريع مائية مشتركة في أحواض الأنهار المتداخلة، وتعزيز التعاون في قطاع الطاقة للمساعدة على تخفيف أزمة الكهرباء في لبنان، ومنح الحجاج اللبنانيين حق زيارة الأماكن المقدسة، وإجراء مراجعة تدريجية لأوضاع المعتقلين اللبنانيين في إسرائيل من غير المنتمين إلى “حزب الله”. ولا يُفترض النظر إلى هذه الإجراءات على أنها تنازلات، بل باعتبارها استثمارًا في استقرار دولة مجاورة. كما إنها توفر للحكومة اللبنانية هامشًا سياسيًا أوسع لمواجهة “حزب الله”، والاستمرار في المفاوضات، واتخاذ خطوات مقابلة، مثل إلغاء القانون الذي يجرّم أي تواصل مباشر أو غير مباشر بين اللبنانيين والإسرائيليين.
ويحتاج القادة الإسرائيليون إلى قراءة المزاج العام لدى ناخبيهم بصورة أكثر واقعية، وإعادة النظر في سقف توقعاتهم. فالمبالغة في تصوير الإنجازات لا تؤدي إلّا إلى تعميق خيبة الأمل لدى الجمهور. كما ينبغي لهم التوقف عن تقديم الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني باعتبارهما عاجزَين أو غير مؤهَّلين، والاعتراف بما حققاه حتى الآن في مواجهة “حزب الله”. ويشمل ذلك، وفقًا للقيادة المركزية الأميركية، تفكيك ما يقارب 10 آلاف مدفع وصاروخ ونحو 400 صاروخ باليستي، واستعادة السيطرة على مطار بيروت الذي يُعد محورًا أساسيًا في شبكة التهريب المرتبطة بتمويل “حزب الله”، وإبعاد ضباط مقربين من الحزب عن مواقع عسكرية رئيسية، ونشر قوات على الحدود الشرقية مع سوريا، وفتح ملفات الاستخبارات العسكرية المتعلقة بأنشطة الحزب. كما اتخذ مصرف لبنان المركزي خطوة لافتة بفرض حظر وإجراءات رقابية مشددة على مؤسسة “القرض الحسن”، الذراع المالية الموازية لـ”حزب الله”.
وفي المقابل، يتعيّن على إسرائيل والولايات المتحدة أن تنظرَا بوضوح إلى ما لم ينجزه لبنان بعد، وأن تحددا أوجه القصور في قدراته وإرادته السياسية، وأن تمارسا ضغوطًا لمحاسبته. وينبغي للفريق الأميركي المفاوض تحويل المبادئ العامة المطروحة إلى خارطة طريق واضحة وقابلة للتوقيع من الجانبين اللبناني والإسرائيلي، تتضمن معايير محددة لكليهما. ويجب أن تشمل هذه الخارطة تعزيز قدرات الجيش اللبناني، مع ضمان إبعاد عناصر “حزب الله” من صفوفه، وتفكيك شبكات الرعاية والتمويل التابعة للحزب، وتنفيذ إصلاحات لمكافحة الفساد، وإعادة الخدمات الأساسية إلى المناطق ذات الغالبية الشيعية. كما ينبغي أن تُحدَّد المسؤوليات بوضوح، وتضع جداول زمنية واقعية، وتستقطب دعمًا من دول الخليج وأوروبا لتوفير حوافز مالية تجعل نزع سلاح “حزب الله”، وإعادة توطين السكان النازحين، وإعادة الإعمار، والتنمية الاقتصادية أهدافًا أكثر قابلية للتحقيق. ومن شأن الانخراط في مثل هذه الخطة أن يمنح إسرائيل مكاسب ديبلوماسية مهمة في أوروبا، حيث يتراجع مستوى التأييد لها، وفي العالم العربي، ولا سيما لدى المملكة العربية السعودية التي تُعد المرشح الأبرز للمساهمة في تمويل إعادة إعمار لبنان.
كما ينبغي أن تتضمّن هذه الخارطة انسحابًا تدريجيًا للقوات الإسرائيلية يرتبط بمدى التزام لبنان بمعايير محددة وواضحة. وعلى الجيش اللبناني، الذي خضع لبرامج اختيار وتدريب وتجهيز بدعم أميركي، أن يتولى المسؤولية الأمنية في الجنوب بالتوازي مع تراجع البنية العسكرية لـ”حزب الله”. وعلى خلاف قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، التي لم تتمكن من مراقبة أنشطة “حزب الله” بصورة شاملة والمقرر انتهاء ولايتها خلال الصيف، ينبغي أن يتولى مراقبون أميركيون وأوروبيون تقييم التقدم اللبناني وفق مؤشرات واضحة، تشمل عدد الأسلحة التي جرى تفكيكها، وعدد نقاط التفتيش التي أُنشئت لمنع إعادة تموضع “حزب الله” في معاقله السابقة، وحجم انتشار القوات الأمنية على طول الحدود اللبنانية مع إسرائيل.
كما يمكن لإسرائيل أن تطرح إطارًا للحياد، أو حتى اتفاق سلام مشروط، يكون جاهزًا للتوقيع بمجرّد تقليص نفوذ “حزب الله” العسكري. وفي هذا السياق، يمكن أن يسهم حلُّ النزاعات الحدودية البرية بين إسرائيل ولبنان في تحقيق ثلاثة أهداف متوازية: إضعاف رواية “حزب الله” التي تستند إلى دوره كمدافع عن لبنان، ومنح القيادات السياسية في البلدين فرصة لإظهار تقدم ملموس من دون انتظار تسوية شاملة، وتوجيه رسالة إلى لبنان والمجتمع الدولي بأنَّ إسرائيل لا تسعى إلى إبقاء حالة الحرب مفتوحة إلى أجل غير مسمى.
وفي نهاية المطاف، تجد إسرائيل نفسها أمام خيار صعب. فبإمكانها القبول بمقاربة معقدة تجمع بين الردع المحسوب والإجراءات العسكرية المؤقتة من جهة، وبين خطوات واضحة لتعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية وتقويض شرعية “حزب الله” من جهة أخرى. كما يمكنها، في المقابل، مواصلة الاعتماد على سياسة الوقاية والرد، وهي مقاربة تمنح الأولوية للأدوات العسكرية على حساب الديبلوماسية طويلة النفس. غير أنَّ هذا المسار يحمل معه أعباءً عسكرية واقتصادية وديبلوماسية متراكمة، وقد ينتهي، في المدى القريب والبعيد، إلى خدمة “حزب الله” أكثر مما يضعفه.
- شيرا إيفرون هي محللة سياسية ورئيسة مميزة لكرسي السياسة الإسرائيلية وزميلة أولى في مؤسسة “راند” الأميركية.
- يَصدُرُ هذا المقال بالعربية في “أسواق العرب” توازيًا مع صدوره بالإنكليزية في “فورِن أفِّيرز” الأميركية.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.