بين “بونزي” والأزمة النظامية: كيف انهارَ لبنان؟

البروفِسور بيار الخوري*

حين صنّف صندوق النقد الدولي الأزمة اللبنانية ضمن فئة الأزمات النظامية العالمية، بدا وكأنه يحسم نقاشًا طويلًا حول طبيعتها وحجمها، مؤكّدًا أنَّ ما شهده لبنان يتجاوز حدود الانهيارات المالية التقليدية ليطال البنية الاقتصادية والنقدية والمؤسساتية للدولة بأكملها. غير أنَّ هذا التصنيف، على أهمّيته، لم يُنهِ الجدل بقدر ما نقله إلى مستوى أكثر تعقيدًا: كيف يمكن توصيف أزمة بأنها نظامية فيما تكشف آليات نشأتها واستمرارها عن خصائص ترتبط بما يُعرف بـ”مخطط بونزي”؟

و”مخطط بونزي” هو نموذجٌ احتيالي يقوم على تسديد الأرباح أو العوائد للمستثمرين القدامى من أموال المستثمرين الجدد، من دون وجود نشاطٍ اقتصادي حقيقي يولّد هذه العوائد. ومع استمرار تدفّق الأموال الجديدة يبدو النظام قادرًا على الوفاء بالتزاماته، لكنه ينهار حتمًا عندما يتباطأ هذا التدفق أو يتوقف. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري في الحالة اللبنانية: هل نحن أمام أزمةٍ نظامية بالمعنى الاقتصادي والمؤسّساتي، أم أمام انهيار نموذج مالي حمل في جوهره سمات “مخطط بونزي” على نطاق دولة كاملة؟

الجواب لا يأتي من نفي أحد الوصفين، بل من فهم أنهما لا يقعان على المستوى التحليلي ذاته.

في آب (أغسطس) 2022، نشر البنك الدولي تقريره الذي حمل عنوانًا استفهاميًا دالًا “تمويل بونزي؟” (Ponzi Finance?). التقرير، الذي يُعدّ أشمل وثيقة دولية حول جذور الأزمة، وصف التمويل العام في لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية بأنه كان أداةً لـ”الاستيلاء الممنهج على موارد البلاد”، في خدمة اقتصاد سياسي راسخ ومتوارث. المنطق كان “بونزيًا” في صميمه: تراكم الدين لإعطاء وهم الاستقرار، وتعزيز الثقة في النظام المالي لضمان استمرار تدفُّق الودائع، وتمويل الديون القديمة بأموال جديدة في دورة لا يمكنها إلّا أن تنتهي بالانهيار.

غير أنَّ البنك الدولي نفسه لم يكتفِ بتوصيف الآلية، بل أصرّ على أنَّ الانهيار كان “مقصودًا في صنعه على مدى ثلاثين عامًا”، وهو وصفٌ يتجاوز “بونزي” الفردي نحو شيء أعمق: نهب مؤسّسي تنتجه البنية لا طرف واحد بعينه.

يظهر هذا التداخل بين البُعدَين النظامي والاحتيالي بوضوح في الأدبيات التي تناولت الانهيار اللبناني. ففي عام 2020، نشر ناصر السعيدي، الوزير ونائب حاكم مصرف لبنان الأسبق، بالتعاون مع مجموعة من الخبراء، ورقة بعنوان “خطة عمل النقاط العشر” على موقع مركز كارنيغي للشرق الأوسط، انطلقت من فرضية أنَّ الانهيار المالي لم يكن سوى العارض الأكثر وضوحًا لأزمة أعمق بكثير. فالمشكلة، وفق هذا المنظور، لا تختزل في السياسات النقدية أو المالية وحدها، بل تمتد إلى بنية الحوكمة نفسها وإلى نموذج اقتصادي استنفد مقوّمات استمراره.

ومن هذا المنطلق، يصبح التركيز على تحديد مسؤول فردي أو جهة بعينها أقل أهمية من فهم الآليات التي أنتجت الأزمة وأعادت إنتاجها على مدى سنوات. فحين تكون القواعد الناظمة للنظام مشوّهة، لا يعود الفساد انحرافًا استثنائيًا عن المسار الطبيعي، بل يتحوّل إلى إحدى النتائج المتوقّعة لعمل المنظومة نفسها، بغض النظر عن الأشخاص الذين يتولون إدارتها أو يتبادلون مواقع النفوذ داخلها.

في المقابل، كان توفيق كسبار، الاقتصادي اللبناني والمستشار السابق لصندوق النقد الدولي، أسرَعَ مَن رصد اللحظة التي تحوّل فيها الضعف البنيوي إلى قرار واعٍ. في ورقته التي نشرتها مؤسسة “كونراد-إيدنَور” ( Konrad-Adenauer) الألمانية عام 2017، قبل انهيار العام 2019 بسنتين، وصف كسبار سياسة مصرف لبنان في رفع الفوائد ابتداءً من 2016 لاستقطاب الدولار بأنها “انتحارٌ مالي وطني”. الهندسات المالية لم تكن استجابةً تقنية بريئة للأزمة، بل قرارًا واعيًا بتأجيل الانهيار على حساب تضخيمه، وهذا بالضبط ما يميّز “بونزي” عن مجرد سوء الإدارة.

غير أنَّ التناقض الظاهر بين المقاربتين يتلاشى عند النظر إليهما بوصفهما مستويين مختلفين من التفسير لا تفسيرَين متعارضَين. فمفهوم “بونزي” يصف الآلية التي عمل من خلالها النموذج المالي اللبناني، أي الكيفية التي جرى بها تدوير التدفقات المالية وإدارة الالتزامات، والقرارات الواعية التي ساهمت في إطالة عمر هذه الدورة رغم هشاشتها المتزايدة. أما توصيف الأزمة بأنها “نظامية” فيتعلق بالإطار الأوسع الذي سمح لتلك الآلية بالعمل والتمدد واكتساب شرعية سياسية ومؤسساتية على مدى عقود.

بهذا المعنى، لا تعود الأزمة نتاج مؤامرة محكمة أو خطة مركزية صُمِّمت مسبقاً لإنتاج الانهيار، بل حصيلة تفاعل بنية مؤسسية مختلّة مع سلوك فاعلين تصرَّفَ كلٌّ منهم وفق ما اعتبره مصلحة عقلانية ضمن الحوافز المتاحة له. وبينما بدت الخيارات الفردية منطقية من منظور أصحابها، قادت نتائجها المتراكمة على المستوى الكلّي إلى مسار انتهى بانهيار شامل، لتتحول العقلانية الفردية في نهاية المطاف إلى كارثة جماعية.

هذا ما يعطي توصيف صندوق النقد ثقله السياسي الحقيقي. هو لا يعفي أحدًا، بل يقول إنَّ أداة المعالجة يجب أن تكون بمستوى البنية لا بمستوى الأفراد فحسب. ملاحقة فاعل واحد مع إبقاء النظام كما هو ضمان مؤكد لإنتاج أزمة مقبلة بوجوه مختلفة. الأزمة اللبنانية كانت “بونزي” لأن مَن صنعوا القرار “كانوا يعلمون ما يفعلون”. وكانت نظامية لأنَّ هذا المنطق لم يكن استثناءً خارج المنظومة، بل كان هو المنظومة نفسها.

  •  البروفِسور بيار الخوري هو أكاديمي وخبير تربوي، محلل اقتصادي لبناني وكاتب في الاقتصاد السياسي. وهو أستاذ مواد الدكتوراه والماجستير في إدارة الأعمال في جامعات عدة في أميركا الشمالية ولبنان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى