الأمن لا يُستَورَد: الخليج بعدَ عصرِ المظلّة
كابي طبراني*
في السياسة، كما في الأسواق، أخطر الأوهام هي تلك التي تبدو مُستقرّة لوقتٍ طويل. ومن أكثرها رسوخًا في المنطقة فكرة أنَّ الأمنَ يُمكن “ضمانه” عبر التحالفات، كما تُضمَنُ الصفقات الكبرى أو العقود طويلة الأجل. لكن ما تكشفه التطوّرات الأخيرة هو أنَّ هذا التصوُّر لم يعد يعكس الواقع – ليس لأنَّ التحالفات فقدت قيمتها، بل لأنَّ طبيعتها تغيّرت.
لعقود، قام الأمن في الخليج العربي على معادلةٍ واضحة: شراكاتٌ قوية مع قوى كبرى -خصوصًا الولايات المتحدة- تعني ردعًا فعالًا وحمايةً في اللحظات الحرجة. وقد نجحت هذه المعادلة في بيئةٍ دولية كانت أكثر استقرارًا وأقل تزاحُمًا بين الأولويات. أما اليوم، فقد تغيّرت القواعد. فالقوى الكبرى لم تعد تتحرّك وفق منطق الالتزام المفتوح، بل وفق حسابات مركّبة: توازنات دولية، ضغوط داخلية، ومنافسات تمتد إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط.
في هذا السياق، لم يعد “الضمان” كما كان يُفهم سابقًا. فالولايات المتحدة ما زالت الشريك الأمني الأهم في الخليج، ولا تزال أنظمتها الدفاعية وخبراتها العسكرية عنصرًا حاسمًا في حماية المنطقة. لكن دورها بات يُقاسُ بما تقدّمه من قدرات، لا بما تَعِدُ به من تدخُّل. الفارق دقيق، لكنه حاسم: الحليف لم يعد بالضرورة من يتدخّل، بل مَن يُمَكِّن.
هنا يتّضحُ التحوُّل الحقيقي.
فالمشكلة لم تكن في غياب الشركاء، بل في طريقة فهم الشراكة نفسها. الدول الكبرى لا تمنح ضمانات منفصلة عن مصالحها، ولا تتخذ قراراتها العسكرية باعتبارها التزامًا ثابتًا. هي تدعم وتردع وتزوّد، لكنها تتحرّك في النهاية وفق أولوياتها. وعندما تتزاحم هذه الأولويات -بين آسيا، والاقتصاد، والسياسة- تصبح الاستجابة للأزمات أكثر انتقائية. لذلك، لم يعد السؤال: مَن سيحمينا؟ بل: ما الذي يجعلنا أقل حاجة إلى أن يحمينا أحد؟
هذا هو جوهر التحوُّل الجاري في التفكير الاستراتيجي الخليجي. فالمسألة لم تعد تنويع الشركاء فحسب، بل إعادة تعريف معنى الأمن نفسه. الانتقال ليس من تحالفٍ إلى آخر، بل من عقلية “الحماية المُستعارة” إلى عقلية “القدرة الذاتية”.
في النموذج الأول، يُدار الخطر من الخارج. وفي الثاني، يصبح الخارج عامل دعم، لا نقطة ارتكاز.
هذا التحوُّل تفرضه أيضًا طبيعة التهديدات الحديثة. فالحروب لم تَعُد تُخاض فقط بالجيوش الثقيلة، بل بأدواتٍ أكثر مرونة وأقل تكلفة: طائرات مسيّرة، هجمات إغراق، وحرب إلكترونية تستهدف البنية التحتية والأنظمة الدفاعية. هذه الأدوات لا تحتاج إلى تفوُّق تقليدي، بل إلى قدرة على الاستمرار والضغط. وهنا تظهر معادلة مقلقة: قد يكون الدفاع أغلى من الهجوم.
حين تُستخدَمُ وسائل منخفضة التكلفة بكثافة، تصبح حتى أكثر الأنظمة تطوُّرًا عُرضةً للاستنزاف. وهذا يطرح تحديًا يتجاوز الجانب العسكري إلى الاقتصادي. فالأمن لم يعد مسألة ردع فقط، بل مسألة استدامة. القدرة على الاستمرار، لا مجرد الرد، هي ما يُحدّد الكلفة الحقيقية للأمن.
لهذا، لم يعد كافيًا شراء الأنظمة المتقدّمة. بل أصبح من الضروري إدارة الكلفة، وتعزيز المرونة، وتسريع التكيُّف. أي الانتقال من منطق “امتلاك الأفضل” إلى منطق “تشغيل الأفضل بكفاءة”.
ومن هنا، يتّضح أنَّ الأمن لم يعد ملفًا عسكريًا فقط، بل جُزءًا من السياسة الصناعية. القدرة على الصيانة، والإنتاج الجزئي، وتطوير الحلول محليًا لم تعد رفاهية، بل عنصرًا من عناصر السيادة. فالدولة التي تفتقر إلى هذه القدرات تبقى عُرضةً للاختناق في لحظات الضغط.
هذا لا يعني الانغلاق، ولا الاكتفاء الذاتي الكامل – وهو أمرٌ غير واقعي أصلًا. بل يعني بناء علاقة مختلفة مع الخارج: علاقة تقوم على نقل المعرفة، والتكامل، وتوسيع الخيارات، لا على الاعتماد الكامل.
في هذا الإطار، يتشكل نمط جديد من التحالفات. لم يعد هناك شريك مُهيمن واحد، بل شبكة علاقات متعددة، لكلٍّ منها وظيفة: هذا يقدّم التكنولوجيا، وذاك يوفّر الخبرة، وآخر يساهم في التدريب. هذا التنوُّع يمنح مرونة أكبر، لكنه يتطلّب إدارة دقيقة لتفادي التناقضات.
وربما يكون التحدّي الأهم ذهنيًا بقدر ما هو عملي. فالتخلي عن فكرة “الضمان” ليس سهلًا، خصوصًا في منطقة اعتادت ربط الأمن بعلاقات خارجية قوية. لكن الواقع الجديد يفرض إعادة التفكير. فالأمن اليوم لا يُقاس بمدى قربك من قوة كبرى، بل بمدى قدرتك على الصمود إذا تأخّرت تلك القوة.
هذه ليست دعوة للتشاؤم، بل للواقعية. فالدولة التي تبني قدراتها تصبح أكثر قدرة على التفاوض، وعلى الردع، وعلى إدارة الأزمات بثقة. كما إنَّ تحالفاتها تصبح أكثر توازنًا، لأنها لم تعد قائمة على الحاجة، بل على الاختيار.
في النهاية، ما نشهده ليس تراجعًا في الأمن، بل إعادة تعريف له. انتقال من مرحلة كانت فيها المظلّة الخارجية كافية نفسيًا وسياسيًا، إلى مرحلة يصبح فيها الأمن مشروعًا وطنيًا طويل الأجل.
الدرس واضح: الأمن لا يُستَورَد. ولا يُضمَن … الأمنُ يُبنى.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani



