إخفاقُ “حزب الله” وخسارةُ لبنان؟
ابراهيم حيدر*
لم يَكُن سهلًا قرار المفاوضات المباشرة الذي اتخذه الرئيس اللبناني جوزيف عون وحدّد مساره بعناوين استعادة السيادة والانسحاب الإسرائيلي وإعادة الأسرى، وصولًا إلى اتفاقٍ شبيهٍ بهدنة 1949، إذ إنَّ قراره في ظلِّ حربٍ إسرائيلية تدميرية وانقسامٍ داخلي وحملاتٍ واتهامات، هو محاولة لتجنيب لبنان تطوّرات تهدّد وجوده.
قد لا تصل المفاوضات إلى تفاهمات أو اتفاقات يمكن تنفيذها على الأرض بسبب الشروط الإسرائيلية القاسية، إلّا أنَّ المعترضين على التفاوض المباشر لم يتركوا المجال للدولة لتبحث عن خياراتٍ أخرى توقف الحرب وتخفّف من وطأة النزوح والخسائر، وأيضًا أي خيار لرفع الضغوط على لبنان المثقل بالأزمات أمام موازين قوى مختلّة.
“حزب الله” المعارض للتفاوض لا يقدم بديلًا لوقف الحرب ورد عدوان إسرائيل التي نجحت في إنشاء منطقة عازلة، إذ لم يستطع الحزب وهو يرفع شعار “الدفاع عن لبنان” بعد توريط البلد وجرّه إلى كرة النار الإقليمية ب”إسناد إيران”، إفشال خطة الاحتلال التوسعية، رُغم القتال الضاري لمقاتليه في الحافة الأمامية، وهو ما يُعيدنا إلى السؤال الأول، عمّا إذا كان الحزب حَسَبَ أنَّ الانزلاق إلى العمليات العسكرية يحمي لبنان بربطه بالمسار الإيراني أم يودي به إلى التهلكة؟
المفارقة اليوم أنَّ “حزب الله” يرفض التفاوض، لكنه لا يُقنِع اللبنانيين بقدرته على وقف الحرب والتدمير، وإن كان لا يزال يُطلق الصواريخ والمسيّرات للقول أنه حاضرٌ في المواجهة، فيما تدمّر إسرائيل القرى وتهجّر الجنوبيين، إذ ينكر الحزب الواقع الذي أوصلت إليه سياساته، ويتصرّف على خلفية أنه حقق انتصارًا عبر ارتباطه بالمرجعية الإيرانية. أما في المقلب الآخر، فيحمل المعترضون على الحزب مسؤولية الخسائر الجسيمة التي حلت في البلاد، ما يشير الى عمق المأزق اللبناني في ظل الحرب.
يذهب لبنان الرسمي إلى التفاوض، فيما يجب تذكير “حزب الله” أنه تعرّض لهزيمة في الحرب وخسر معه البلد، لذا ما يجمع في الكارثة اليوم أنَّ البلد يتحمّل الخسارة، ما يتطلب إدارة سياسية مختلفة، إذ ليس أمام الحزب الذي يشن حملاته على الدولة ويتهمّها بتنازلات مجانية، إذا كان حريصًا على لبنان أن يُقدِّمَ كل ما من شأنه أن يعزّز موقف الدولة في عملية التفاوض، ويقدم لها أوراق المساعدة، ويسهّل مهمة الجيش، ليتمكّن من السيطرة على الأرض، وتتمكن الدولة عبر تأمين مظلة عربية العمل على استعادة السيادة وفرض الانسحاب الإسرائيلي.
لا يمكن لـ”حزب الله” الاستمرار في ممانعته وربط مصير لبنان بإيران، فسلاحه لا يمكن أن يكونَ رادعًا بانفصاله عن إرادة اللبنانيين، إذ إنَّ مواجهة الاحتلال تستدعي دعم الدولة وتسليمها زمام الأمور، حتى إذا قيل أنَّ الحزب الذي أطلق صواريخ الإسناد استباقًا لهجوم إسرائيلي، إلّا أنه قدم الذريعة لخطة إسرائيل الجاهزة دوماً للتوسُّع، فإذا لم يُسلِّم للدولة أمام التغوّل الإسرائيلي والتغطية الأميركية لاستمرار العمليات العسكرية، وفي ظل ميزان مختل، سيجعل لبنان ضعيفًا، أما تعزيز موقف الدولة التفاوضي، فلا يتم إلّا بالتسليم بمرجعيتها، فيمنحها القدرة على مواجهة الشروط الأمنية والضغوط التي يتعرض لها البلد.
لا يستطيع “حزب الله” فرض ما يريد على اللبنانيين، وتحميلهم عبء سياساته، ولا يمكنه الاستمرار في سوق الاتهامات بالخيانة، فذلك يزيد من عزلته، ولا تنفع أيضًا الدعوات لنزع سلاحه بالقوة، في وقت يمر البلد بمرحلة عصيبة وأكثر خطورة في تاريخه. لكن كل تأخُّر في العودة عن الخطَإِ، يزيد من عمق المأساة ويمنح الاحتلال المزيد من الوقت للتدمير والتنكيل، ويفاقم الوضع الكارثي للبلد الذي يقف على حافة الانهيار والفوضى. وقد حان الوقت لترك اللبنانيين يقررون شؤونهم حتى بابتكار الأساليب المناسبة التي تُخرِجُ الاحتلال ولو طال الزمن.
- الدكتور إبراهيم حيدر هو أكاديمي، صحافي ومحلل سياسي لبناني. يمكن متابعته عبر حسابه على منصة “إكس”: @ihaidar62
- يصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع نشره في صحيفة “النهار” (بيروت).



