كيفَ صَنَعَت واشنطن إيران التي تخشاها اليوم؟
كابي طبراني*
بعد سنوات من العقوبات والاغتيالات والضربات الجوية، تبدو إيران اليوم أقرب إلى العتبة النووية مما كانت عليه عندما قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي عام 2018. تلك هي المفارقة التي تلاحق واشنطن اليوم: فسياسة “الضغط الأقصى” لم تُنهِ الطموح النووي الإيراني، بل أعادت تشكيله بصورةٍ أكثر تعقيدًا وخطورة.
فعلى الورق، تبدو الجمهورية الإسلامية أضعف من أيِّ وقت مضى. اقتصادٌ مُثقَلٌ بالعقوبات، عملةٌ مُنهارة، مجتمعٌ غاضب، وبُنية تحتية متآكلة. لكن خلف هذا الضعف الظاهر، بنت طهران شيئًا أكثر أهمية: قدرة متقدِّمة على الصمود والردع والمناورة.
وهذا تحديدًا ما لم يفهمه ترامب بالكامل.
فالرئيس الأميركي لا يريد مجرّد اتفاقٍ نووي جديد، بل يريد الإثبات بأنَّ انسحابه من اتفاق باراك أوباما كان قرارًا صحيحًا. يريد صفقة يمكن تسويقها داخليًا باعتبارها “أقوى” و”أفضل” وأكثر إذلالًا لإيران من اتفاق 2015. لكن المشكلة أنَّ الشرق الأوسط لا يعمل بمنطق الصفقات العقارية.
في السياسة الدولية، لا تؤدي العقوبات دائمًا إلى الاستسلام، بل قد تدفع الأنظمة إلى مزيدٍ من التشدُّد، خصوصًا عندما تعتبر أن الصراع يتعلق ببقائها. وهذا ما حدث في إيران.
فعندما انسحب ترامب من الاتفاق النووي، راهنت واشنطن على أنَّ طهران ستختنق اقتصاديًا ثم تعود إلى طاولة المفاوضات بشروطٍ أضعف. لكن إيران فعلت العكس. سرّعت برنامجها النووي، وطوّرت أجهزة طرد مركزي أكثر كفاءة، وقلّصت الزمن اللازم للوصول إلى “الاختراق النووي”.
المنشآت يمكن تدميرها، لكن المعرفة لا تُقصَف.
إيران لم تعد بحاجة إلى سنوات طويلة لبناء قدرات نووية متقدّمة كما كان الحال قبل عقد. لقد تعلّمت كيف “تُسرّع الزمن النووي”، وكيف تستخدم الغموض الاستراتيجي كسلاحٍ بحدِّ ذاته. والأهم أنها أدركت أنَّ امتلاك “القدرة” قد يكون أكثر فائدة من امتلاك القنبلة نفسها.
فطهران ربما لا تحتاج إلى إعلان نفسها قوة نووية. يكفي أن تصبح دولة “على العتبة”، قادرة على إنتاج السلاح بسرعة إذا شعرت بتهديد وجودي. هذا الوضع يمنحها ردعًا هائلًا من دون الكلفة السياسية الكاملة لامتلاك القنبلة رسميًا.
إيران تعلّمت درسًا فهمته دول أخرى قبلها: في عالمٍ مضطرب، تصبح القدرة النووية بوليصة تأمين ضد محاولات الإخضاع الخارجي.
لكن الأزمة الإيرانية لم تعد مجرد ملف نووي، بل أزمة توازنات إقليمية كاملة. فطهران تُدرك أنَّ اقتصادها هش، وأنَّ قدراتها التقليدية لا تضاهي الولايات المتحدة أو إسرائيل، لذلك بنت استراتيجيتها على أدوات ردع غير تقليدية: الصواريخ الباليستية، شبكات “الأذرع” المسلحة الإقليمية، القدرة على تهديد الملاحة في مضيق هرمز، وأخيرًا “القدرة النووية الكامنة”.
بمعنى آخر، المشروع النووي ليس منفصلًا عن رؤية إيران لموقعها في الشرق الأوسط، بل جُزءٌ من تصوُّرٍ أوسع للأمن والبقاء والنفوذ.
وهنا يظهر التناقض الأميركي الكبير.
فالولايات المتحدة تريد من إيران التخلّي عن أدوات قوتها، لكنها لا تُقدّم تصوُّرًا واضحًا للنظام الإقليمي الذي يمكن أن يضمن أمن طهران في المقابل. واشنطن تتحدث كثيرًا عن منع إيران من امتلاك السلاح النووي، لكنها أقل وضوحًا عندما يتعلق الأمر بالسؤال الأهم: ماذا بعد؟
هل الهدف احتواء إيران؟ تغيير سلوكها؟ أم إسقاط النظام نفسه؟
حتى داخل إدارة ترامب، بدت الإجابات متناقضة. ففي لحظة، تحدث الرئيس الأميركي عن “صفقة تاريخية”، وفي لحظةٍ أخرى بدت إدارته وكأنها تراهن على إنهاك النظام أو دفعه نحو الانهيار الداخلي. هذا التذبذب ساهم في ترسيخ قناعة داخل طهران بأنَّ أيَّ اتفاقٍ مع واشنطن ليس تسوية مستقرّة، بل هدنة مؤقتة يمكن أن تنهار مع أيِّ تغييرٍ سياسي في البيت الأبيض.
وفي شوارع طهران، لم يعد السؤال يدور حول نسب تخصيب اليورانيوم بقدر ما يدور حول أسعار الخبز والكهرباء وانهيار العملة. لكن المفارقة أنَّ هذا الإنهاك الشعبي، بدل أن يُضعِفَ الحرس الثوري، منحه نفوذًا اقتصاديًا وأمنيًا أكبر.
وهنا تكمن إحدى أكثر النتائج غير المتوقعة في سياسة “الضغط الأقصى”: العقوبات التي صُمِّمَت لإضعاف النظام ساهمت فعليًا في تقوية أكثر أجنحته تشدُّدًا.
فمع انسحاب الشركات الأجنبية وتراجع الاقتصاد الرسمي، توسعت شبكات التهريب والاقتصاد الموازي التي يسيطر عليها الحرس الثوري. وكلما ازدادت العزلة، ازدادت حاجة الدولة إلى البنية الاقتصادية والأمنية التي يديرها العسكر. وبذلك، ربما تكون واشنطن قد ساهمت، من حيث لا تريد، في إنتاج إيران التي تخشاها اليوم.
لكن الملف الإيراني يكشف أيضًا تحوُّلًا أوسع في النظام الدولي نفسه. فخلال العقود الماضية، قامت القوة الأميركية على فرضية أنَّ واشنطن قادرة، عبر تفوّقها الاقتصادي والعسكري، على فرض السلوك المقبول على خصومها. غير أنَّ إيران، مثل روسيا وكوريا الشمالية بدرجات مختلفة، ساهمت في تقويض هذه الفرضية.
فالعالم الذي يتشكّل اليوم ليس عالم الهيمنة الأميركية المطلقة، بل عالم تتعلّمُ فيه القوى المتوسطة كيف تعيش تحت العقوبات، وكيف ترفع كلفة المواجهة مع واشنطن. ومن هذه الزاوية، لا تبدو إيران مجرد أزمة شرق أوسطية، بل نموذجًا لتراجع قدرة القوة الأميركية على فرض “الاستسلام السياسي الكامل” على خصومها.
لكن أخطر ما في المشهد ليس احتمال امتلاك إيران قنبلة نووية فحسب، بل احتمال أن يتحوّل نموذج “العتبة النووية” إلى القاعدة الجديدة في الشرق الأوسط.
فإذا اقتنعت دول المنطقة بأنَّ امتلاك قدرة نووية كامنة هو أفضل وسيلة لضمان البقاء، فقد يدخل الشرق الأوسط مرحلة “الردع الرمادي”، حيث لا أحد يملك السلاح النووي رسميًا، لكن الجميع يمتلك القدرة على الاقتراب منه بسرعة. وحينها، لن يكون الخطر في حرب نووية شاملة، بل في سوء التقدير والانهيارات المفاجئة خلال الأزمات.
المشكلة أنَّ واشنطن لا تزال تتعامل مع إيران بعقلية قديمة نسبيًا: إمّا اتفاقٌ شامل يُعيدُ البرنامج النووي إلى الوراء، أو ضغطٌ متواصل يؤدي في النهاية إلى إنهاك النظام. لكن التجارب الأخيرة أثبتت أنَّ العقوبات لم تُسقط النظام، وأنَّ الضربات العسكرية عطلت البرنامج النووي من دون أن تُنهيه، وأنَّ الرهانَ على الانفجار الداخلي بقي محدود النتائج رُغمَ الاحتجاجات والأزمات الاقتصادية الخانقة.
هذا لا يعني أنَّ إيران انتصرت. فالنظام يواجه أزمة شرعية عميقة، والمجتمع الإيراني يعيش إنهاكًا اقتصاديًا واجتماعيًا هائلًا. لكن التاريخ الحديث يُظهر أنَّ إسقاط الأنظمة من الخارج نادرًا ما يُنتِجُ استقرارًا، بل كثيرًا ما يفتح أبواب الفوضى. ولهذا، قد تضطر الولايات المتحدة في النهاية إلى الانتقال من فكرة “تغيير إيران” إلى فكرة “إدارة التهديد الإيراني”.
فالاحتواء لا يعني القبول الكامل بإيران، بل الاعتراف بأنَّ الخصوم لا يختفون لمجرّد الرغبة في اختفائهم، وأنَّ إدارة الصراعات أحيانًا أكثر واقعية من محاولة حسمها بالكامل.
لكن الواقعية ليست دائمًا ما يفضّله ترامب.
فالرئيس الأميركي يميل إلى الحلول الدراماتيكية والصفقات الكبرى والانتصارات السريعة القابلة للتسويق السياسي. أما الملف الإيراني، فهو أعقد من أن يُختصر في صورة نصر واضح أو اتفاق استعراضي. إنه صراعٌ طويل على النفوذ والردع والبقاء، لا يبدو أنَّ أيَّ طرفٍ فيه قادر على تحقيق انتصار كامل.
ولهذا، قد يكون الخطر الحقيقي ليس في وجود خلاف دائم بين واشنطن وطهران، بل في استمرار إدارة هذا الخلاف بمنطق التصعيد المفتوح، حيث تصبح المنطقة كلها رهينة لحسابات الردع وسوء التقدير.
فالشرق الأوسط اليوم لا يعيش سلامًا باردًا، بل هدنة فوق برميل تخصيب.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani



