أوروبا تَقتَرِبُ من الخطِّ الأحمَر: هل تبدأ القطيعة مع إسرائيل؟

كابي طبراني*

لم يَعُد التباعُدُ بين أوروبا وإسرائيل مجرّدَ تبايُنٍ سياسي عابر، بل بات مسارًا مُتدرِِّجًا يحمل في طيّاته تداعيات اقتصادية وجيوسياسية عميقة. فعلى مدى عقود، شكّل الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأكبر لإسرائيل، حيث تستوعب أسواقه نحو ثلث صادراتها، بقيمة تتجاوز 40 مليار دولار سنويًا، فيما تستفيد تل أبيب من اتفاقية الشراكة المُوَقَّعة عام 2000 التي منحتها امتيازات واسعة في مجالات التجارة والاستثمار والتكنولوجيا. غير أنَّ هذا الإطار، الذي بدا ثابتًا طويلًا، بدأ يتعرّض لضغوطٍ غير مسبوقة بفعل تداخل الحرب والسياسة والحقوق.

المبادرة التي قادتها إسبانيا وإيرلندا وسلوفينيا، يوم الثلثاء الفائت، لتعليق اتفاقية الشراكة –رُغمَ فشلها في تحقيق الإجماع– ليست حدثًا عابرًا، بل مؤشّر إلى تحوُّل في التفكير الأوروبي. فلم يعد النقد يقتصر على البيانات الديبلوماسية، بل بدأ يقترب من أدوات الضغط الاقتصادي. فطرح تعليق اتفاق تجاري بهذا الحجم يعكس استعدادًا متزايدًا لمساءلة إسرائيل على خلفية ما تصفه جهات أوروبية وأممية بأنه انتهاكات جسيمة للقانون الدولي، تشمل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بل وتصل في بعض التوصيفات إلى حد الإبادة الجماعية في غزة.

هذا التحوُّل يضع أوروبا أمام معادلة صعبة: كيف يمكن التوفيق بين المصالح الاقتصادية العميقة مع إسرائيل، والالتزام المُعلَن بالقيم الحقوقية التي تشكّل أساس سياستها الخارجية؟ فالاتفاقية الأوروبية-الإسرائيلية تنصُّ صراحةً على أنَّ العلاقات تقوم على احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديموقراطية. ومع تصاعد التقارير التي تشير إلى خرق هذه الالتزامات، يصبح استمرار العلاقة بالشكل الحالي موضع تساؤل متزايد، ليس فقط أخلاقيًا، بل سياسيًا واقتصاديًا أيضًا.

اقتصاديًا، لا يمكن التقليل من حجم الترابط بين الجانبين. فإسرائيل تُعَدُّ شريكًا مهمًا في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، والابتكار، والأمن السيبراني، وترتبط بعشرات برامج البحث العلمي الأوروبية. كما تستفيد الشركات الأوروبية من السوق الإسرائيلية، فيما تعتمد تل أبيب بشكلٍ كبير على الأسواق الأوروبية لتصريف منتجاتها وجذب الاستثمارات. أي خلل في هذه العلاقة –حتى لو كان تدريجًا– قد ينعكس على تدفقات الاستثمار، وسلاسل التوريد، والتعاون التكنولوجي، ما يجعل من أيِّ تصعيد خطوة ذات كلفة متبادلة.

ومع ذلك، لا يزال الإجماع الأوروبي بعيدًا. فدول مثل ألمانيا وإيطاليا تفضّل خيار “الحوار النقدي” بدلًا من العقوبات، مدفوعةً باعتبارات تاريخية وسياسية. لكن هذا الموقف يزداد هشاشة مع تغيُّر الرأي العام الأوروبي، حيث تشهد عواصم أوروبية عدة احتجاجات واسعة ضد الحرب في غزة، فيما تُظهر استطلاعات الرأي تراجعًا ملحوظًا في مستوى التعاطف مع إسرائيل، حتى في دولٍ كانت تقليديًا داعمة لها.

ولا يمكن فصلُ هذا التحوُّل عن السياق الجيوسياسي الأوسع. فالحرب في غزة لم تعد معزولة، بل تتقاطع مع تصعيدٍ مستمر على الجبهة اللبنانية، واحتمالات المواجهة مع إيران. هذا التمدد في دوائر الصراع يثير قلقًا أوروبيًا متزايدًا، ليس فقط من زاوية الاستقرار الأمني، بل أيضًا من تداعياته الاقتصادية المباشرة، سواء على أسواق الطاقة أو على أمن طرق التجارة في شرق المتوسط. ومع تنامي خطر الانزلاق إلى حرب إقليمية أوسع، تجد أوروبا نفسها أمام شريك استراتيجي بات مصدرًا متزايدًا لعدم الاستقرار الاستراتيجي، بدلًا من كونه عنصر استقرار.

في هذا السياق، تكتسب التحوُّلات داخل الاتحاد الأوروبي أهمية إضافية. فخسارة رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان للإنتخابات، الذي كان يعطّل قرارات أوروبية ضد إسرائيل، قد تفتح الباب أمام فرض عقوبات على مستوطنين متطرّفين في الضفة الغربية. ورُغمَ أنَّ هذه الخطوة قد تبدو محدودة، فإنها قد تشكّل بدايةَ مسارٍ تصاعدي من الضغوط السياسية والاقتصادية.

من زاويةٍ عربية، يحمل هذا التباعد الأوروبي-الإسرائيلي أبعادًا تتجاوز القارة العجوز. فالدول العربية التي انخرطت في مسارات تطبيع أو شراكات اقتصادية مع إسرائيل تجد نفسها أمام بيئة إقليمية متغيّرة. أيُّ تراجُعٍ في العلاقة بين أوروبا وإسرائيل قد يعيد رسم خريطة الاستثمارات والتعاون في المنطقة، ويؤثر في مشاريع الطاقة والنقل، خصوصًا في شرق المتوسط.

في المقابل، لا تبدو القيادة الإسرائيلية الحالية مستعدة لإعادة النظر في سياساتها. فمع صعود تيارات اليمين المتطرّف، تتجه إسرائيل نحو مزيدٍ من التشدُّد، سواء في الضفة الغربية أو في غزة أو في تعاملها مع التهديدات الإقليمية. هذا النهج، الذي يتجاهل إلى حدٍّ كبير الضغوط الأوروبية، قد يؤدي إلى تسريع التباعد وتحويله من خلافٍ سياسي إلى أزمة اقتصادية ملموسة.

المفارقة أنَّ جُزءًا من المجتمع الإسرائيلي لا يُدركُ حجمَ الاعتماد على أوروبا. فالاتحاد الأوروبي ليس فقط شريكًا تجاريًا، بل عنصرًا أساسيًا في استقرار الاقتصاد الإسرائيلي. ومع ذلك، تشير استطلاعات إلى أنَّ غالبية الإسرائيليين تنظر إلى أوروبا باعتبارها خصمًا، وهو ما يعكس فجوةً بين الإدراك الشعبي والواقع الاقتصادي.

في المحصّلة، لا تبدو أوروبا على وشك قطيعة فورية مع إسرائيل، لكنها تتحرّك في اتجاهٍ مختلف عما كانت عليه في العقود الماضية. العلاقة لا تنهار، لكنها تتآكل تحت ضغط الحرب، والمساءلة الحقوقية، والمخاوف الجيوسياسية. وإذا استمرّت السياسات الحالية من دون تغيير، فإنَّ الضغوط الأوروبية قد تتجاوز حدود الخطاب لتتحوّل إلى إجراءاتٍ اقتصادية أوسع.

السؤال لم يَعُد ما إذا كانت أوروبا ستُعيدُ النظر في علاقتها مع إسرائيل، بل متى وكيف. وفي عالمٍ تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد والجغرافيا السياسية، قد تتحوّل كلفة هذا التباعد من ضغطٍ سياسي إلى واقعٍ اقتصادي يصعب احتواؤه.

  • كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى