إيران ربحت معركة التخصيب… وأميركا تُفاوِض على الاحتواء

رغم الحروب والعقوبات والضربات العسكرية، لم تنجح واشنطن في انتزاع حق التخصيب من إيران، بل دفعتها الضغوط إلى تحويل برنامجها النووي من ورقة تفاوض إلى قضية سيادة وفخر وطني. واليوم، تبدو الولايات المتحدة أقرب إلى التفاوض على احتواء البرنامج الإيراني لا إنهائه.

دونالد ترامب ومجتبى خامنئي: صراع مفتوح على حدود الردع النووي.

سينا ​​آزودي*

في ظلِّ هدنةٍ هشّة بين واشنطن وطهران، ما تزال المفاوضات النووية تُراوِح مكانها وسط فجوة واسعة في الرؤى والأهداف. فبعد المواجهة العسكرية الأخيرة، دخل الطرفان إلى طاولة التفاوض بعقلية المنتصر لا بعقلية الباحث عن تسوية، إذ يعتبر كلٌّ منهما أنه خرج متفوّقًا من المواجهة التي بات الإيرانيون يصفونها بـ”الحرب المفروضة الثالثة”. هذا الشعور المتبادل بالقدرة على الصمود خفّض هامش التنازلات الممكنة، ودفع بالمواقف المتشددة إلى الواجهة، فيما بقيت العقدة الأساسية التي تسمم العلاقات الأميركية–الإيرانية منذ أكثر من عقدين من دون حل: حق إيران في تخصيب اليورانيوم على أراضيها.

وعلى خلاف ما كانت تأمله واشنطن، لم تؤدِّ عملية “الغضب الملحمي” إلى إحداثِ تحوُّلٍ جذري في الحسابات النووية الإيرانية، بل يبدو أنها دفعت طهران إلى مزيدٍ من التمسك ببرنامجها النووي باعتباره عنصرًا استراتيجيًا مرتبطًا بالأمن القومي والسيادة الوطنية. ومن هنا تبرز معضلة الإدارة الأميركية: فشعار “صفر تخصيب” يبدو اليوم أقل واقعية مما كان عليه قبل الحرب، لا أكثر قابلية للتحقق. بل إنَّ المواجهة الأخيرة عززت، في نظر القيادة الإيرانية، ضرورة الحفاظ على قدرة التخصيب كورقة قوة وردع. لذلك، فإنَّ أيَّ اتفاقٍ محتمل في المرحلة المقبلة لن يدور حول القضاء الكامل على هذه القدرة، بقدر ما سيركز على وضعها تحت رقابة صارمة، وتعزيز آليات الشفافية والتفتيش، ومنع تحول البرنامج النووي الإيراني إلى برنامج ذي طابع عسكري.

عقدة التخصيب: جوهر الصراع المستمر

استحوذت الأزمة النووية الإيرانية على اهتمام الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ أكثر من عقدين، وتعامل معها ثمانية رؤساء أميركيين بوصفها أحد أكثر ملفات الأمن الدولي تعقيدًا وحساسية. غير أنَّ جوهر الخلاف بقي ثابتًا تقريبًا طوال هذه السنوات: هل يحق لإيران الاحتفاظ بقدرة محلية على تخصيب اليورانيوم؟ وهي المسألة التي سبق أن وجد لها المجتمع الدولي صيغة تسوية مؤقتة ضمن “خطة العمل الشاملة المشتركة” المعروفة بالاتفاق النووي الإيراني.

ومنذ نجاح طهران في إتقان تكنولوجيا التخصيب أواخر تسعينيات القرن الماضي، تمسّكت القيادة الإيرانية بحقها في تطوير هذه القدرات داخل أراضيها، مستندةً إلى ما تعتبره حقوقًا مكفولة بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. في المقابل، رفضت الولايات المتحدة هذا التفسير، معتبرةً أنَّ امتلاك إيران دورة تخصيب متقدمة يفتح الباب عمليًا أمام إمكانية التحوُّل السريع نحو إنتاج سلاح نووي إذا اتُّخذ القرار السياسي بذلك.

لكن مع مرور الوقت واتساع البنية التقنية للبرنامج النووي الإيراني، بدأ مطلب وقف التخصيب بالكامل يبدو أقل قابلية للتطبيق. فالمعرفة النووية التي راكمتها إيران لم تعد قابلة للمحو، كما إنَّ البنية الصناعية والعلمية التي بُنيت على مدى سنوات جعلت فكرة “العودة إلى ما قبل التخصيب” أقرب إلى الطموح السياسي منها إلى الخيار الواقعي. لهذا السبب حاول مسؤولون أوروبيون، خلال مراحل متعددة من التفاوض، إقناع واشنطن بالتعامل مع التخصيب بوصفه أمرًا واقعًا ينبغي تنظيمه والحد من مخاطره، بدل الاستمرار في محاولة إلغائه بالكامل، غير أنَّ الإدارات الأميركية المتعاقبة بقيت مترددة في تبنّي هذا المنطق بصورة صريحة.

في نهاية المطاف، توصّل الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما إلى قناعةٍ مفادها أنَّ أيَّ تسوية ديبلوماسية قابلة للحياة لن تكون ممكنة من دون تقديم تنازلٍ أساسي يتعلق بحق إيران المحدود في التخصيب. وقد عبّر ويليام بيرنز، الذي لعب دورًا محوريًا في المفاوضات النووية قبل أن يتولى لاحقًا إدارة وكالة الاستخبارات المركزية، عن هذه المقاربة حين أشار إلى أنَّ الإيرانيين، حتى في ذروة العقوبات والضغوط الدولية، لم يُظهروا استعدادًا للتخلي عن برنامجهم النووي، بل تعاملوا معه باعتباره مسألة سيادة وطنية لا يمكن التراجع عنها.

واليوم، وبعد ثماني سنوات على قرار الرئيس دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي، تبدو واشنطن أمام النتائج غير المقصودة لذلك القرار. فرغم كل الانتقادات التي وُجِّهت إلى الاتفاق، لم يكن عديم الجدوى من منظور منع الانتشار النووي. فقد نجح، ولو بصورة مؤقتة، في تقليص حجم البرنامج النووي الإيراني، ووضعه تحت منظومة رقابة وتفتيش غير مسبوقة وصفتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأنها الأكثر صرامة في العالم. كما إنَّ الاتفاق، بعد سنوات من العقوبات والعزلة والمفاوضات الشاقة، منح البرنامج الإيراني شرعية دولية محددة ومقيّدة عبر قرار مجلس الأمن رقم 2231، وهو ما جعل العودة إلى سياسة “الصفر النووي” أكثر تعقيدًا مما كانت عليه قبل توقيعه.

سياسة الضغوط… ونتائجها العكسية

أخطأت إدارة الرئيس دونالد ترامب، خلال ولايتها الأولى، في تقدير كيفية تعاطي إيران مع الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي. فقد افترضت واشنطن أنَّ الضغوط الاقتصادية القصوى والعقوبات الخانقة ستدفع طهران إمّا إلى القبول بشروط أميركية أكثر تشدُّدًا، أو إلى تجنُّب أيِّ تصعيدٍ نووي خشية مواجهة عسكرية واسعة. وبناءً على هذا التقدير، تبنّت الإدارة الأميركية سياسة تقوم عمليًا على إنهاء تخصيب اليورانيوم الإيراني بالكامل. وعندما سُئل وزير الخارجية آنذاك، مايك بومبيو، وهو من أبرز المعارضين للاتفاق النووي، عمّا إذا كانت إيران قد تستأنف نشاطها النووي ردًا على الانسحاب الأميركي، أجاب بثقة: “نحن مقتنعون بأنَّ الإيرانيين لن يتّخذوا هذا القرار”.

لكن الوقائع سارت في اتجاهٍ معاكس تمامًا.

فمع تراجع المكاسب الاقتصادية التي وعد بها الاتفاق النووي، وعجز الأوروبيين عن توفير آليات فعالة لتعويض آثار العقوبات الأميركية، بدأت طهران تدريجًا بإعادة النظر في التزاماتها. وفي أيار (مايو) 2019 أعلنت إيران أولى ما سمّته “الخطوات التصحيحية”، قبل أن تبدأ بعد أشهر قليلة بتخصيب اليورانيوم بنسبة تتجاوز السقف المحدد في الاتفاق النووي، لترتفع النسبة إلى 4.5 في المئة. ثم تسارع مسار التصعيد بصورة أكبر مطلع عام 2020، عندما أعلنت إيران عمليًا إسقاط جميع القيود التشغيلية الأساسية التي فرضها الاتفاق على برنامجها النووي.

ومع كل جولة ضغط أو استهداف، كانت طهران تميل إلى الرد عبر توسيع هامشها النووي بدل تقليصه. فعندما تعرضت منشأة نطنز النووية في نيسان (أبريل) 2021 لهجوم تخريبي أدى إلى انقطاع واسع في التيار الكهربائي داخل المنشأة، ردت إيران بالإعلان عن رفع نسبة التخصيب إلى 60 في المئة، وهي خطوة مثّلت تحوُّلًا بالغ الحساسية في مسار البرنامج النووي الإيراني. وبعد سنوات، كشف وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف أنَّ هذا التصعيد كان مقصودًا بهدف إيصال رسالة مباشرة إلى واشنطن مفادها أنَّ الضغوط لن تؤدي إلى إخضاع إيران، بل إلى دفعها نحو مزيد من التشدُّد. ومنذ ذلك الحين، بات نمط العلاقة بين الضغط الخارجي والتصعيد النووي الإيراني أكثر وضوحًا: كلما ارتفع منسوب الضغوط، توسّعت طهران في استخدام برنامجها النووي كورقة قوة وردع سياسي.

حتى الضربة الأميركية–الإسرائيلية المشتركة التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية في حزيران (يونيو) 2025، وما رافقها من دمار واسع أدى إلى تعطيل أنشطة التخصيب مؤقتًا، لم تدفع إيران إلى التراجع عن المبدَإِ نفسه. فبعد انتهاء ما عُرف بـ”حرب الأيام الاثني عشر”، بدا واضحًا أنَّ القيادة الإيرانية لا تنظر إلى التخصيب باعتباره مجرد ملف تقني قابل للمساومة، بل كجزء من الهوية السيادية للدولة الإيرانية الحديثة. وقد لخّص وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي هذا الموقف بوضوح عندما سُئل عن مستقبل البرنامج النووي بعد الحرب، فأجاب: “لا يمكننا التخلي عن التخصيب، لأنه إنجاز علمائنا، وهو اليوم أكثر من أيِّ وقت مضى مسألة فخر وطني”.

هذا التحوُّل يجعل أي مقاربة أميركية قائمة على مبدَإِ “صفر تخصيب” أقرب إلى الشعار السياسي منها إلى الاستراتيجية القابلة للتنفيذ. فالحروب والعقوبات والاغتيالات والضغوط الاقتصادية لم تؤدِّ إلى تفكيك القناعة الإيرانية بضرورة الاحتفاظ بقدرات التخصيب، بل ساهمت تدريجًا في تحويلها إلى قضية سيادية ورمزية داخلية يصعب على أي قيادة إيرانية التراجع عنها، حتى لو أرادت ذلك سياسيًا.

الواقعية الديبلوماسية بدل وهم “صفر تخصيب”

منذ ذلك الحين، شهدت العلاقات الأميركية–الإيرانية جولات متعددة من التفاوض غير المباشر، بدأت بوساطة سلطنة عُمان قبل أن تنضم إليها باكستان لاحقًا في محاولات لتقريب وجهات النظر. وقبيل اندلاع المواجهة العسكرية الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وافقت طهران، في شباط (فبراير)، على مقترح يقضي بعدم تخزين أي مواد انشطارية قابلة للاستخدام في تصنيع سلاح نووي. وقد اعتبر وزير الخارجية العُماني بدر بن حمد البوسعيدي، الذي لعب دور الوسيط الرئيسي، أنَّ هذا التفاهم يمثل “إنجازًا بالغ الأهمية”، لأنه أتاح لإيران الحفاظ على حقها في التخصيب، وفي الوقت نفسه حدّ من المخاوف المرتبطة بإمكانية اندفاعها نحو إنتاج قنبلة نووية، وهو الهدف الذي تقول واشنطن إنها تسعى إلى منعه.

ومع ذلك، لم تؤدِّ حتى جولة الحرب الثانية إلى إنهاء الأزمة النووية الإيرانية أو تغيير معادلاتها الأساسية. فالتقديرات الاستخباراتية الأميركية تشير إلى أنه، رغم الضربات التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية خلال عملية “مطرقة منتصف الليل” في حزيران (يونيو) 2025، ما تزال إيران تحتفظ بقدرة تتيح لها، إذا اتخذت القرار السياسي، إنتاج سلاح نووي خلال فترة تتراوح بين تسعة أشهر وعام تقريبًا.

وفي ظلِّ هذا الواقع، تبدو الحاجة ملحّة للبحث عن مقاربات تفاوضية أكثر واقعية وأقل ارتباطًا بمنطق الغلبة الكاملة. ومن بين الطروحات التي عادت إلى الواجهة فكرة إنشاء اتحاد دولي للتخصيب يسمح لإيران بالاحتفاظ بقدرات تخصيب محدودة على أراضيها، ضمن إطار رقابي تشارك فيه الوكالة الدولية للطاقة الذرية وربما الولايات المتحدة نفسها. ويقوم هذا التصوُّر على إنتاج يورانيوم منخفض التخصيب للاستخدامات المدنية وتوفيره لدول المنطقة، بما يخفف الحاجة إلى برامج تخصيب وطنية مستقلة. ورغم أنَّ هذه الفكرة ليست جديدة، إذ طُرحت بصيغ مختلفة منذ سبعينيات القرن الماضي، فإنَّ تنفيذها ما يزال يصطدم بعقبات سياسية وتقنية معقدة.

في المقابل، قد يكون الخيار الأكثر قابلية للتطبيق في المدى القريب هو التوصل إلى اتفاق مرحلي يقوم على تعليق محدود ومؤقت لأنشطة التخصيب مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات. وضمن مثل هذا التفاهم، يمكن لاحقًا السماح لإيران باستئناف برنامج تخصيب منخفض المستوى يخضع لرقابة مشددة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية. كما إنَّ تصديق طهران على البروتوكول الإضافي لمعاهدة عدم الانتشار النووي من شأنه أن يعزز الشفافية ويوفر ضمانات إضافية بشأن الطبيعة السلمية للبرنامج النووي الإيراني.

ولهذا المسار جذور تعود إلى بدايات الألفية الجديدة، حين توصلت إيران إلى تفاهم مع كلٍّ من ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة يقضي بتعليق تخصيب اليورانيوم طوعًا، إلى جانب تطبيق البروتوكول الإضافي لمعاهدة عدم الانتشار النووي، ريثما تستمر المفاوضات للتوصل إلى تسوية دائمة. ورُغم أنَّ “اتفاق باريس” انهار لاحقًا تحت ضغط معارضة إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش الابن، فإنه أتاح في حينه احتواء التصعيد، ومنح طهران فرصة الحفاظ على حقها في التخصيب مع تجنُّب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

ويبدو بعضُ الطروحات الديبلوماسية الحالية امتدادًا لهذه المقاربة. فقد أشارت تقارير إلى أنَّ المسؤولين الإيرانيين طرحوا خلال محادثات نيسان (أبريل) الماضي فكرة تجميد أنشطة التخصيب لفترة تمتد خمس سنوات، فيما دفع نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس باتجاه تجميد أطول قد يصل إلى عشرين عامًا. ويعكس هذا التباين حجم الهوة القائمة بين الطرفين، لكنه يكشف أيضًا حقيقة أساسية: وهي أنَّ الخلاف حول التخصيب لن يُحسَم نهائيًا في المستقبل القريب، بل سيُدار على الأرجح عبر تفاهمات مرحلية ومتوسطة المدى تؤجل المواجهة النهائية وتُبقي الباب مفتوحًا أمام استمرار الديبلوماسية، مع منح كل طرف هامشًا يسمح له بتقديم الاتفاق باعتباره إنجازًا سياسيًا أمام جمهوره الداخلي.

وقد كرّر الرئيس دونالد ترامب مرارًا أنَّ هدفه الأساسي يتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي، غير أنَّ إدارته باتت تخلط بصورة متزايدة بين هذا الهدف وبين السعي إلى تفكيك كامل لقدرات إيران المحلية على تخصيب اليورانيوم. وبين الهدفين فارق جوهري. فالتجربة الممتدة على مدى العقدين الماضيين، وصولًا إلى الحرب الأخيرة، أظهرت أنَّ الضغوط العسكرية والاقتصادية قد تنجح في إبطاء البرنامج النووي الإيراني أو تعطيل بعض مراحله، لكنها لم تتمكن من إزالة المعرفة التقنية التي راكمتها طهران، ولا من إنهاء طموحاتها النووية، أو دفعها إلى القبول بشروط تنظر إليها باعتبارها شكلًا من أشكال الاستسلام السياسي غير المشروط.

  • سينا أزودي هو أستاذ مساعد في السياسة الشرقية في كلية إليوت للشؤون الدولية بجامعة جورج واشنطن، متخصص في البرنامج النووي الإيراني والأمن القومي. يمكن متابعته على منصة “إكس” عبر حسابه: @Azodiac83
  • يصدُرُ هذا المقال بالعربية في “أسواق العرب” توازيًا مع صدوره بالإنكليزية في “فورِن بوليسي” الأميركية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى