“يوروفيجن”… حين تُغنّي السياسة على المسرح الأوروبي

لم تَعُد مسابقة الأغنية الأوروبية “يوروفيجن” (Eurovision) مجرد مسابقة غنائية عابرة، بل تحولت إلى مرآة تعكس انقسامات العالم وصراعاته. وبين شعارات “الوحدة بالموسيقى” وضغوط الحروب والسياسة، يبدو المسرح الأوروبي اليوم أكثر تسييسًا من أيِّ وقت مضى.

خارج المسرح أيضًا، كانت السياسة تُغنّي بصوتٍ أعلى من الموسيقى.

تشارلز جونسون*

في النسخة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية “يوروفيجن” (Eurovision)، التي استضافتها فيينا قبل أيام، اجتمع فنانون من 35 دولة أمام جمهور تجاوز 240 مليون مشاهد حول العالم. غير أنَّ الحدث الذي يُفتَرَض أن يحتفي بالموسيقى والتنوُّع الثقافي وجد نفسه مرة جديدة في مواجهة السياسة الدولية، التي باتت تفرض حضورها المتزايد على واحدة من أشهر المسابقات الفنية العالمية.

فبينما انشغلت الجماهير بالعروض المسرحية والأداء الغنائي، تصاعد الجدل حول مشاركة إسرائيل، ليُعيد إلى الواجهة سؤالًا بات يلاحق “يوروفيجن” في السنوات الأخيرة: هل ما زالت المسابقة قادرة على الحفاظ على صورتها بوصفها مساحة فنية محايدة، أم أنها أصبحت انعكاسًا مباشرًا للاستقطابات السياسية العالمية؟

وكان اتحاد البث الأوروبي  (EBU)، الجهة المنظمة للمسابقة، قد تجنّب في كانون الأول (ديسمبر) الماضي التصويت على تعليق عضوية إسرائيل، رُغم الضغوط المتزايدة المرتبطة باتهامات بالتدخُّل في نتائج المسابقة، إلى جانب استمرار الحرب في غزة. واختار الاتحاد بدلًا من ذلك طرح تعديلات على القواعد باعتبارها تسوية وسطية، في محاولة لاحتواء الانقسام المتصاعد داخل أوساط البث الأوروبية.

لكن هذه الخطوة لم تمنع اتساع دائرة الاعتراضات. فقد أعلنت هيئات بث وطنية من إيسلندا وإيرلندا وهولندا وسلوفينيا وإسبانيا انسحابها احتجاجًا، فيما تصاعدت حملات المقاطعة من فائزين سابقين ومتسابقين محتملين ومتابعين للمسابقة. وفي مواجهة هذا التصعيد، حذّر مدير “يوروفيجن” مارتن غرين من “محاولات تحويل مسرح المسابقة إلى ساحة للانقسام الجيوسياسي”، مذكّرًا بالشعار الذي اعتمدته المسابقة منذ عام 2023: “مُتَّحدون بالموسيقى… وسنبقى كذلك دائمًا”.

مع ذلك، لم تكن مسابقة يوروفيجن بمنأى عن السياسة قط؛ بل كانت المقاطعات والحظر السياسي سمةً بارزةً فيها منذ انطلاقها. خلال الحرب الباردة وحتى أوائل الألفية الثانية، نجحت المسابقة في تجاوز هذه الاضطرابات، ساعيةً إلى بثٍّ قاريٍّ أكثر ترابطًا من خلال فهمٍ واعٍ لمكانة المؤسسة في النظام العالمي السائد. ولكن مع مواجهة أوروبا مجددًا لعالمٍ متعدد الأقطاب، يتعين على يوروفيجن إعادة تأكيد رؤيتها لمشهد إعلامي حر وموحد من خلال اتخاذ موقفٍ أكثر حزمًا ضدّ النزعات الاستبدادية التوسعية التي تسعى إلى استغلال منصة المسابقة.

مُتَّحدون ضدّ السوفيات (1956-1989)

لم تكن “يوروفيجن” يومًا بعيدة من تعقيدات السياسة الدولية. فمنذ انطلاق المسابقة عام 1956، تحوَّلت تدريجًا إلى أكثر من مجرد حدث فني أوروبي، لتصبح جُزءًا من المشهد السياسي والثقافي الذي طبع مرحلة الحرب الباردة. وفي ذلك الوقت، شكّلت المسابقة بالنسبة إلى الدول الغربية مساحة لإظهار التفوق التكنولوجي والثقافي، كما عكست بصورة غير مباشرة الاصطفافات السياسية في مواجهة الكتلة السوفياتية.

هذا التداخل بين الفن والسياسة لم يخلُ من التوترات مبكرًا. ففي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، شاركت في المسابقة أنظمة سلطوية مثل إسبانيا والبرتغال واليونان ويوغوسلافيا، ما أثار اعتراضات متزايدة داخل أوروبا. وكانت هذه المشاركات تُقرأ آنذاك باعتبارها امتدادًا للصراع السياسي أكثر منها مجرد حضور فني.

وجاءت أول مواجهة سياسية واضحة في تاريخ “يوروفيجن” عام 1969، عندما انسحبت النمسا احتجاجًا على استضافة إسبانيا للمسابقة في ظل حكم الديكتاتور فرانشيسكو فرانكو، بعدما كان المغني الإسباني ماسيل قد فاز بالنسخة السابقة عام 1968. وشكّلت تلك الخطوة أول مقاطعة سياسية رسمية تشهدها المسابقة، لتُكرِّس منذ ذلك الحين حقيقة أنَّ “يوروفيجن” لم تكن يومًا بمنأى عن الحسابات السياسية الأوروبية.

لكن بدل أن يتبنّى اتحاد البث الأوروبي (EBU) موقفًا سياسيًا واضحًا تجاه الأنظمة السلطوية، اختار اعتماد معيار تقني ـــ مؤسساتي يقوم على عضوية هيئات البث العامة فقط. هذا المعيار استبعد عمليًا الدول المنضوية تحت المنظمة الدولية للإذاعة والتلفزيون التي كان يقودها الاتحاد السوفياتي، لكنه في المقابل فتح الباب أمام دول تقع خارج الحدود التقليدية للقارة الأوروبية.

ويعود ذلك إلى طبيعة “منطقة البث الأوروبية” نفسها، التي رُسمت أساسًا خلال الحقبة الاستعمارية بما يخدم المصالح البريطانية والفرنسية في شرق المتوسط وشمال أفريقيا. ونتيجة لذلك، توسعت عضوية اتحاد البث الأوروبي لتشمل دولًا متوسطية وغير أوروبية، ما أدخل إلى “يوروفيجن” تدريجًا ملفات سياسية وجيوسياسية تتجاوز حدود أوروبا والحرب الباردة معًا.

وكان ظهور تركيا الأول في مسابقة الأغنية الأوروبية عام 1975، بعد عام واحد فقط من تدخلها العسكري في قبرص، من أبرز الأمثلة على التداخل المباشر بين “يوروفيجن” والسياسة. فقد ردّت اليونان بمقاطعة تلك النسخة، قبل أن تعود عام 1976 بأغنية حملت مضمونًا سياسيًا واضحًا تناول أهوال الحرب وتداعياتها، ما دفع تركيا بدورها إلى الانسحاب حتى عام 1977. وهكذا تحوّلت خشبة “يوروفيجن” إلى امتدادٍ رمزي للتوترات الإقليمية في شرق المتوسط.

الأمر نفسه انسحب على مشاركة إسرائيل الأولى عام 1973، التي أثارت اعتراضات واسعة في العالم العربي. فقد قاطعت هيئات بث عربية عدة، بينها الجزائر والأردن ولبنان والمغرب وتونس، المسابقة تضامنًا مع الفلسطينيين ورفضًا للسياسات الإسرائيلية. وبعد سنوات قليلة، تراجعت تونس عن محاولة المشاركة بعدما أصرّ اتحاد البث الأوروبي (EBU) على بث جميع العروض، بما فيها المشاركة الإسرائيلية.

وفي عام 1978، بلغ التوتر ذروته عندما رفض التلفزيون الأردني بث الأغنية الإسرائيلية الفائزة، معلنًا بدلًا من ذلك فوز صاحب المركز الثاني. كما قاطعت تركيا نسخة عام 1979 التي أُقيمت في القدس، تحت ضغط من دول عربية اعتبرت استضافة المسابقة في المدينة تكريسًا للسيادة الإسرائيلية المخالفة للقانون الدولي. أما المغرب، فبقي بعيدًا من المشاركة في معظم النسخ، باستثناء عام 1980 حين انسحبت إسرائيل من المسابقة.

ومع ذلك، بقيت هذه الخلافات ذات طابع إقليمي محدود نسبيًا مقارنة بالاستقطاب الأكبر الذي فرضته الحرب الباردة على أوروبا. ففي تلك المرحلة، بدا أن اتحاد البث الأوروبي يمنح الأولوية لفكرة “الحياد المؤسسي”، سعيًا إلى الحفاظ على مشروعه القائم على توحيد البث التلفزيوني الأوروبي، حتى وإن استلزم ذلك التعامل مع أنظمة سلطوية، طالما أنها تقع خارج نطاق النفوذ السوفياتي.

مُتَّحدون في الليبرالية  (1990-2008)

أدّى انتهاء الحرب الباردة إلى تغيير عميق في طبيعة “يوروفيجن” ودور اتحاد البث الأوروبي. فمع انهيار الاتحاد السوفياتي أولًا ثم تفكك يوغوسلافيا لاحقًا، سارعت دول أوروبا الشرقية والبلقان إلى الانضمام للاتحاد والمشاركة في مسابقته الغنائية الأشهر، ما أدى إلى توسع غير مسبوق بلغ ذروته مع مشاركة 43 دولة بحلول عام 2008.

غير أنَّ هذا التحوُّل لم يكن مجرد توسُّع جغرافي أو فني، بل حمل معه تبدُّلًا في هوية المسابقة نفسها. ففي ظل صعود النظام الليبرالي الغربي بعد الحرب الباردة، بدأ اتحاد البث الأوروبي يتخلى تدريجًا عن موقعه كمنظم شبه محايد، ليتحوّل بصورة متزايدة إلى منصّةٍ تعكس القيم السياسية والثقافية المرتبطة بالنظام الليبرالي الدولي الجديد.

وكان أحد أبرز تجليات هذا التحوُّل في دور اتحاد البث الأوروبي قراره استبعاد يوغوسلافيا من المسابقة بين عامَي 1993 و2001، على خلفية العقوبات الدولية المفروضة بسبب الحروب التي قادها الزعيم الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش في البلقان. ولم يُسمح لصربيا والجبل الأسود بالعودة إلى “يوروفيجن” إلّا بعد سنوات من المفاوضات السياسية واتفاقات السلام التي أعادت رسم المشهد الإقليمي في المنطقة.

وفي المقابل، بقي ملف كوسوفو معلقًا بسبب الانقسامات الأوروبية بشأن الاعتراف باستقلالها، ما عكس بوضوح كيف أصبحت معايير المشاركة في المسابقة مرتبطة، ولو بصورة غير مباشرة، بالاعتبارات السياسية والديبلوماسية داخل أوروبا نفسها.

لكن موقف اتحاد البث الأوروبي بدا أكثر تشدُّدًا مع عودة إسرائيل إلى واجهة الجدل السياسي داخل المسابقة. ففي عام 2005، اضطر لبنان إلى سحب مشاركته الأولى من “يوروفيجن” بعدما أصرّ الاتحاد على بث العرض الإسرائيلي كاملًا، في وقتٍ يُحظّر فيه القانون اللبناني أي محتوى إسرائيلي. وردّ الاتحاد الأوروبي للبث بفرض حظر على لبنان لمدة ثلاث سنوات من المشاركة في المسابقة.

ورُغمَ أنَّ هذه الخطوة بدت أقرب إلى تطبيقٍ تنظيمي للقواعد منها إلى عقوبةٍ سياسية مباشرة، فإنها عكست في الوقت نفسه تحول الاتحاد من مجرّد جهةٍ تنظيمية إلى مؤسسة تمارس دورًا أكثر فاعلية في مراقبة سلوك الدول المشاركة وحدود التزامها بمعايير المسابقة.

وخلال هذه المرحلة أيضًا، بدأ الاتحاد الأوروبي للبث تشديد الرقابة على مضمون المشاركات نفسها، عبر توسيع القواعد التي تحظّر أي كلمات أو عروض “قد تسيء إلى سمعة المسابقة”. وبعد أن قدّمت أوكرانيا عام 2005 أغنية مرتبطة بأجواء “الثورة البرتقالية”، ذهب الاتحاد إلى توضيح موقفه بصورة أكثر صراحة، معلنًا أنَّ “أيَّ كلمات أو خطابات أو إشارات ذات طابع سياسي أو مشابه لن تكون مسموحة خلال مسابقة الأغنية الأوروبية”.

ومن خلال هذه المقاربة القائمة على الحظر الانتقائي من جهة، ومنع الخطاب السياسي العلني من جهة أخرى، حاول اتحاد البث الأوروبي تكريس صورة “يوروفيجن” كمساحةٍ فنية منفصلة عن الصراعات السياسية. لكن هذا الحياد المعلن بدا، كما في مراحل سابقة من تاريخ المسابقة، انعكاسًا للمرحلة السياسية السائدة أكثر منه ابتعادًا حقيقيًا عن السياسة، خصوصًا في ذروة الهيمنة الليبرالية الغربية بعد الحرب الباردة.

مُتَّحدون بالموسيقى؟ (2009–حتى الآن)

لكن القواعد الفضفاضة التي وضعها اتحاد البث الأوروبي لحظر المحتوى السياسي تحولت تدريجًا إلى واحدة من أكثر نقاط الضعف إثارة للجدل داخل “يوروفيجن”. فبدل أن تنجح في تحييد المسابقة، وضعت الاتحاد نفسه في موقع “الرقيب السياسي” الذي يقرر ما يُعدّ خطابًا سياسيًا وما لا يُعدّ كذلك، في وقتٍ أصبح الحفاظ على معايير ثابتة أكثر صعوبة مع تراجع الإجماع الليبرالي العالمي وتصاعد الانقسامات السياسية داخل أوروبا وخارجها.

ومع عودة أجواء الاستقطاب الدولي، بدأت حملات المقاطعة تظهر مجددًا، وإن جاءت هذه المرة بأشكال مختلفة. بعض الانسحابات كان مرتبطًا مباشرة بالسياسات الداخلية للدول المشاركة، لا بالخلافات الجيوسياسية التقليدية. فقد أعلنت تركيا انسحابها المفتوح من المسابقة بعد نسخة عام 2012، وبرّرت القرار رسميًا بخلافات تنظيمية، قبل أن يربطه الرئيس رجب طيب أردوغان لاحقًا بما وصفه بـ”الترويج للفساد الاجتماعي”، في إشارةٍ إلى الحضور المتزايد لقضايا مجتمع الميم داخل “يوروفيجن”. وسارت المجر في اتجاهٍ مشابه عام 2020، وسط اتهامات بأنَّ الانسحاب ارتبط بمواقف حكومة فيكتور أوربان المناهضة لحقوق المثليين.

ورُغم الطابع السياسي الواضح لهذه الانسحابات، فضّل اتحاد البث الأوروبي عدم التدخُّل، مكتفيًا بالتعامل معها باعتبارها قرارات سيادية للدول المشاركة.

لكنَّ التحدي الأكبر أمام الاتحاد لم يكن في الانسحابات الطوعية، بل في الجدل المتزايد حول حرية الإعلام وحقوق الإنسان داخل بعض الدول المستضيفة للمسابقة. فعندما استضافت أذربيجان نسخة عام 2012 بعد فوزها في العام السابق، تحوّلت الأنظار سريعًا إلى سجل الحكومة الأذربيجانية في مجال الحريات الإعلامية وحقوق الإنسان، وسط انتقادات لحملات التضييق على الصحافيين وتصاعد الخطاب القومي المعادي للأرمن.

وفي ظلِّ التوتر المستمر بين أرمينيا وأذربيجان، قررت يريفان مقاطعة المسابقة بالكامل، بينما تجنّب اتحاد البث الأوروبي اتخاذ أي خطوات مباشرة تجاه باكو. ومع ذلك، وجد الاتحاد نفسه مضطرًا إلى التأكيد علنًا أنَّ “الديموقراطية وحرية الإعلام” تشكلان جُزءًا أساسيًا من مبادئه، في محاولة لاحتواء الانتقادات المتزايدة.

هذا المسار بلغ ذروته لاحقًا عام 2021 عندما قرر الاتحاد طرد بيلاروسيا من المسابقة، على خلفية تراجع حرية الإعلام وتكرار تقديم أغانٍ ذات مضامين سياسية واضحة، في خطوة عكست انتقال الاتحاد من موقع الحياد النسبي إلى موقع أكثر انخراطًا في القضايا السياسية والقيمية.

ورُغمَ كل تلك الملفات، بقيت روسيا القضية الأكثر حساسية في العلاقة بين “يوروفيجن” والسياسة خلال العقد الأخير. والمفارقة أنَّ موسكو كانت من بين الأسباب التي دفعت الاتحاد إلى تشديد قواعده ضد الرسائل السياسية منذ عام 2006، قبل أن تجد نفسها لاحقًا في قلب الجدل نفسه.

ففي عام 2009، أثارت جورجيا أزمة جديدة عندما تقدمت بأغنية حملت عنوانًا يُفهَمُ منه تلاعب لفظي بعبارة “لا نريد بوتين”، في إشارة غير مباشرة إلى الحرب الروسية ـــ الجورجية عام 2008. واعتبر اتحاد البث الأوروبي الأغنية مخالفة لقواعد الحياد السياسي، ما دفع هيئة البث الجورجية إلى سحبها بدل تعديل كلماتها.

لكن بحلول عام 2016، بدا واضحًا أنَّ مفهوم “الحياد” نفسه بدأ يتآكل داخل المسابقة. ففي ذلك العام، فازت المغنية الأوكرانية جمالة بأغنية “1944”، التي استحضرت تهجير تتار القرم في عهد ستالين، في رسالة قرأها كثيرون باعتبارها تعليقًا مباشرًا على ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014.

وتصاعد التوتر أكثر في العام التالي، عندما منعت السلطات الأوكرانية المتسابقة الروسية يوليا سامويلوفا من دخول البلاد بسبب زيارتها السابقة لشبه جزيرة القرم من دون موافقة كييف، ما دفع روسيا إلى الانسحاب من نسخة 2017.

أما القطيعة الكبرى فجاءت بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022. حينها، قرر اتحاد البث الأوروبي استبعاد روسيا بالكامل، معتبرًا أنَّ مشاركتها “ستُسيء إلى سمعة المسابقة” في ظل الحرب الدائرة. وفي مفارقة تعكس حجم التسييس الذي بات يطبع “يوروفيجن”، انتهت تلك النسخة بفوز فرقة “أوركسترا كالوش” ممثلةً أوكرانيا، في انتصار حمل أبعادًا سياسية لا تقل وضوحًا عن أبعاده الفنية.

ورُغمَ أنَّ انسحاب تركيا والمجر من “يوروفيجن” جاء بقرارٍ طوعي، فإنَّ استبعاد بيلاروسيا ثم روسيا منح اتحاد البث الأوروبي موقعًا جديدًا، ولو بصورة متردّدة أحيانًا، باعتباره مدافعًا عن مجموعةٍ من القيم الليبرالية الأساسية، وفي مقدمتها حرية الإعلام وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

لكن هذا التوازن الهش تعرّضَ لاختبارٍ غير مسبوق بعد هجوم “حماس” على إسرائيل في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، والحرب الإسرائيلية الواسعة على غزة التي أعقبته. فمنذ اللحظة الأولى، تحوّلت “يوروفيجن” مرة أخرى إلى ساحة مواجهة سياسية ورمزية، وسط انقسام حاد بين داعمي إسرائيل والمتضامنين مع الفلسطينيين.

وكما حدث سابقًا مع روسيا، وجد اتحاد البث الأوروبي نفسه عاجزًا عن الفصل الكامل بين الفن والسياسة. فقد اعتُبرت الأغنية الإسرائيلية المشاركة في نسخة 2024، بعنوان “مطر أكتوبر” للمغنية إيدن غولان، ذات مضمون سياسي مباشر، ما دفع الاتحاد إلى الاعتراض عليها في البداية. غير أنَّ تدخُّل الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ ساهم في تعديل كلمات الأغنية، لتُعاد تحت عنوان جديد هو “الإعصار”، ويُسمح لإسرائيل بالمشاركة.

إلّا أنَّ الجدل لم يتوقف عند هذا الحد. فقد شهدت المسابقة واحدة من أكثر نسخها توترًا في السنوات الأخيرة، مع اتهاماتٍ باستخدام تصفيقٍ مُسجَّل مُسبقًا للتغطية على صيحات الاستهجان ضد إسرائيل، ووقائع مرتبطة بإزالة رموز وشعارات مؤيدة للفلسطينيين، إلى جانب تبادل اتهامات بالتحرش وسوء السلوك بين أعضاء الوفود المشاركة والوفد الإسرائيلي.

وفي الخارج، كانت الاحتجاجات تتصاعد بالتوازي مع فعاليات المسابقة، حيث تظاهر آلاف الأشخاص رفضًا للحرب الإسرائيلية على غزة، التي كان عدد ضحاياها الفلسطينيين قد تجاوز، بحسب تقديرات تلك الفترة، 35 ألف قتيل مع انطلاق المسابقة في أيار (مايو) 2024.

أما نسخة العام التالي فبدت أقل صخبًا داخل القاعة، لكنها شهدت معركة مختلفة على وسائل التواصل الاجتماعي. فقد أطلقت الحكومة الإسرائيلية حملة إلكترونية واسعة لحشد الأصوات لمرشحها، بلغت ذروتها بدعوة مباشرة من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عبر “إنستغرام” يوم النهائي. وكادت الحملة أن تحقق هدفها، بعدما تصدر المتسابق الإسرائيلي النتائج لفترة قصيرة، قبل أن يخسر اللقب في الدقائق الأخيرة أمام آخر المتنافسين.

وفي خضمِّ هذا الجدل المتواصل، أعلن اتحاد البث الأوروبي في أيلول (سبتمبر) 2025 عزمه إجراء تصويت بشأن مستقبل مشاركة إسرائيل في نسخة 2026. لكن الاتحاد طرح قبل ذلك حزمة إصلاحات تضمنت تشديد قواعد التصويت ومنع الحملات الخارجية المؤثرة في النتائج، على أن يُصار إلى التصويت على عضوية إسرائيل فقط إذا رُفضت تلك الإصلاحات.

وفي النهاية، أيدت 31 دولة المقترحات الجديدة، مقابل اعتراض 11 دولة وامتناع خمس دول عن التصويت، ما أدى عمليًا إلى بقاء إسرائيل داخل المسابقة وتأجيل المواجهة السياسية المباشرة حول عضويتها.

نحو مسابقة “يوروفيجن” قائمة على القيم

ومع أنَّ التمييز الذي اعتمده اتحاد البث الأوروبي بين التعامل مع روسيا وبيلاروسيا من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى، يثير كثيرًا من التساؤلات والانتقادات، فإنَّ الجدل يتجاوز اليوم مسألة مشاركة دولة بعينها. فالسؤال الأعمق يتعلق بمستقبل “يوروفيجن” نفسها، في عالمٍ يتراجع فيه النظام الليبرالي الذي شكّل الإطار السياسي والثقافي للمسابقة طوال العقود الماضية.

وفي هذا السياق، تبدو سوابق اتحاد البث الأوروبي، بما حملته من تناقضات ومحاولات متكررة لإعادة تعريف الحياد، مؤشرًا إلى أنَّ مستقبل المسابقة قد يتجه تدريجًا نحو نموذجٍ أكثر وضوحًا في تبنّي القيم السياسية والثقافية، بدل الاستمرار في التمسك بفكرة “الحياد” التي بات الدفاع عنها أكثر صعوبة مع كل أزمة دولية جديدة.

ويبدو أنَّ قرار اتحاد البث الأوروبي عام 2006 بحظر الكلمات والرسائل ذات الطابع السياسي شكّل نقطة تحوُّل إشكالية في تاريخ “يوروفيجن”. فبدل أن يُبعد السياسة عن المسابقة، دفع المنظمين إلى الانخراط في سجالات سياسية معقدة لم يكونوا مهيئين للتعامل معها بمعايير ثابتة وواضحة. ومع مرور الوقت، أصبح الاتحاد مطالبًا بتحديد ما إذا كانت الأغنية “سياسية” أم لا، وهي مهمة أثبتت أنها شديدة الحساسية وقابلة للتأويل والاتهامات بازدواجية المعايير.

في المقابل، فإنَّ العودة إلى مفهوم “الحياد الكامل” تبدو بدورها خيارًا صعبًا. فالتخلّي عن أيِّ دور سياسي أو قيمي قد يفقد الاتحاد الأوروبي للبث إحدى أهم أدوات القوة الناعمة التي تمتلكها أوروبا ثقافيًا. كما إنَّ هذا المسار قد يفرض إعادة النظر في قرارات سابقة، مثل استبعاد روسيا وبيلاروسيا، وهو أمر يبدو غير واقعي سياسيًا في الظروف الحالية.

والأخطر بالنسبة إلى الاتحاد أنَّ استمرار الاتهامات بالنفاق والانتقائية قد يؤدي تدريجًا إلى استنزاف مكانة “يوروفيجن” نفسها، سواء عبر تراجع ثقة الجمهور، أو خسارة المواهب، أو تقلص مصادر التمويل والدعم الجماهيري. ففي ظل تفكك التوافقات السياسية الأوروبية وتآكل المعايير الدولية التقليدية، بات الاتحاد الأوروبي للبث أمام حاجة ملحّة لإيجاد صيغة وسط بين “التسييس المفرط” و”الحياد المصطنع”، من دون الوقوع في فخ المعايير المزدوجة.

حرية الإعلام كمعيار للمشاركة

في هذا السياق، يبدو أنَّ إعادة ترسيخ مبدَإِ حرية الإعلام قد تُشكّل المدخل الأكثر اتساقًا لمستقبل المسابقة. فهذا المبدأ لا يرتبط فقط بالهوية المؤسسية لاتحاد البث الأوروبي بوصفه مؤسسة إعلامية، بل يجد أيضًا جذوره في سوابق اتخذها الاتحاد نفسه خلال العقود الماضية.

فحظر لبنان عام 2005 ارتبط بصورة غير مباشرة بقوانين الرقابة الإعلامية، بينما جاء طرد بيلاروسيا عام 2021 ليعكس بصورة أوضح استعداد الاتحاد لربط المشاركة في “يوروفيجن” بمستوى الحريات الإعلامية داخل الدول الأعضاء.

لكن حتى هذا المعيار لا يخلو من الإشكاليات، إذ إنَّ مفهوم “حرية الإعلام” نفسه يبقى عرضة للتسييس والتفسيرات المتباينة. ولهذا، قد يكون من الأنسب للاتحاد الأوروبي للبث اعتماد آلية أكثر استقلالية وموضوعية عند تحديد أهلية المشاركة، بدل الاكتفاء بالقرارات السياسية الظرفية.

وفي هذا الإطار، يبرز مؤشر حرية الصحافة الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود” بوصفه أحد الخيارات الأكثر قابلية للتطبيق. فالمؤشر، القائم على تصنيف من مئة نقطة، يعكس إلى حد كبير طبيعة المخاوف التي يثيرها الاتحاد الأوروبي للبث بشأن الحريات الإعلامية. كما إنَّ حالة بيلاروسيا، التي تم استبعادها بعدما تراجع تصنيفها إلى ما دون خمسين نقطة، يمكن أن تشكل نموذجًا عمليًا لتحديد الحد الأدنى المطلوب للمشاركة.

ولو اعتمد الاتحاد هذا المؤشر بصورة رسمية، فإنَّ كثيرًا من الخلافات التي شهدتها “يوروفيجن” في السنوات الأخيرة كانت ستأخذ طابعًا أكثر وضوحًا واتساقًا. فبيلاروسيا تبقى المثال الأبرز، لكن تركيا أيضًا كانت ستصبح خارج المسابقة بصورة تلقائية بعدما تراجع تصنيفها في حرية الصحافة إلى ما دون خمسين نقطة منذ عام 2016. والأمر نفسه ينطبق على أذربيجان، التي تحتل حاليًا مرتبة أدنى حتى من بيلاروسيا في بعض تصنيفات حرية الإعلام.

ومن شأن اعتماد هذا النوع من المعايير أن يحوّل “يوروفيجن” من مجرّد منصة ترفيهية تتخبط بين السياسة والحياد، إلى أداة ضغط ناعمة تمنح الدول حافزًا لتحسين بيئاتها الإعلامية مقابل الاحتفاظ بعضويتها والاستفادة من التأثير الثقافي والجماهيري الذي توفره المسابقة.

السيادة الوطنية كخط أحمر

أما المبدأ الثاني، وربما الأكثر حساسية، فهو وضع معيار واضح يتعلق بانتهاك سيادة الدول ووحدة أراضيها. فالحفاظ على السلامة الإقليمية يشكل مصلحة أساسية لجميع الحكومات الأعضاء في اتحاد البث الأوروبي، كما يرتبط مباشرة بفكرة “الربط القاري” التي قام عليها الاتحاد منذ تأسيسه. وفي هذا السياق، لا تبدو قرارات استبعاد يوغوسلافيا سابقًا وروسيا لاحقًا مجرد إجراءات ظرفية، بل سوابق تؤسس ضمنيًا لقاعدة مفادها أنَّ الغزو العسكري يجب أن يكون سببًا للاستبعاد من المسابقة.

لكن تطبيق هذا المبدَإِ لن يكون بسيطًا أو خاليًا من التعقيدات السياسية. فمن جهة، سيؤدي اعتماد قاعدة واضحة ضد الغزو إلى تكريس استبعاد روسيا، كما سيعيد تفسير غياب تركيا بوصفه مرتبطًا باحتلال الجزء الشمالي من قبرص. ومن جهة أخرى، ستبرز إشكاليات أكثر تعقيدًا تتعلق بالنزاعات الحدودية المتشابكة، مثل العمليات العسكرية الأوكرانية داخل الأراضي الروسية أو وضع كوسوفو وعلاقتها بصربيا.

وقد يميل اتحاد البث الأوروبي إلى معالجة هذه الإشكالات عبر استثناءات محددة، كاعتبار “الدفاع عن النفس” مبرّرًا لا يؤدّي إلى الاستبعاد، أو إحالة النزاعات المتعلقة بكيانات غير أعضاء في الاتحاد ـــ مثل كوسوفو أو فلسطين ـــ إلى هيئات دولية خارجية. غير أنَّ هذا النوع من الحلول قد يعيد إنتاج المشكلة نفسها المتمثلة في الانتقائية والغموض السياسي.

فالقيم التي يدّعي الاتحاد الدفاع عنها لا يمكن أن تتوقف عند حدود الجغرافيا أو الاعتراف الديبلوماسي. والتجربة الأخيرة لـ”يوروفيجن” تُظهر بوضوح أنَّ تجاهل النزعات التوسعية أو التعامل معها بازدواجية يؤدي في النهاية إلى مزيد من التوتر والانقسام داخل المسابقة نفسها.

ورغم أنَّ فلسطين ليست عضوًا في اتحاد البث الأوروبي، فإنَّ تداعيات الحرب الإسرائيلية لا تقتصر عليها وحدها. فلبنان، وهو عضو مؤسس في الاتحاد، وجد نفسه متأثرًا بصورة مباشرة بالحرب والتوترات الحدودية، وسط مخاوف متزايدة من تكريس واقع احتلال طويل الأمد في جنوب البلاد بعد موجات النزوح والدمار التي طاولت أكثر من مليون لبناني. ومن هنا، تبدو الحاجة ملحّة أمام الاتحاد لتبنّي موقف أكثر وضوحًا تجاه النزعات التوسعية داخل فضائه المؤسسي.

وفي الواقع، فإنَّ اعتماد قواعد أكثر صرامة في هذا المجال لا يعني بالضرورة تحوّلًا جذريًا في فلسفة اتحاد البث الأوروبي، بقدر ما يشكل عودة إلى النموذج الذي ساد خلال بدايات “يوروفيجن” في مرحلة الحرب الباردة، حين كانت المسابقة تعكس بصورة أو بأخرى توازنات النظام الدولي وقيمه الأساسية، حتى وإن حاولت الحفاظ على غطاء “الحياد الثقافي”.

ومن خلال تبنّي معايير أكثر اتساقًا ووضوحًا في قضايا مثل حرية الإعلام والسيادة الوطنية، قد تتمكن “يوروفيجن” من التحوُّل من مؤسسة تلاحقها الأزمات السياسية باستمرار إلى نموذج ثقافي قادر على التعامل مع الاستقطاب العالمي المتزايد بصورة أكثر مصداقية.

صحيح أنَّ اتحاد البث الأوروبي لا يملك القدرة على وقف صعود النزعات السلطوية أو إنهاء الصراعات الدولية، لكن استمرار الغموض الحالي والتردد في مواجهة السلوكيات الانتهازية يهددان بتحويل اسم “يوروفيجن” نفسه إلى مفارقة ثقافية وسياسية مؤلمة.

وفي النهاية، فإنَّ الجدل المتواصل حول إسرائيل، كما حول قضايا الاستبداد والحروب عمومًا، لا يمكن حله فقط عبر تعديلات تقنية أو إجرائية داخل المسابقة. فالمسألة ترتبط بصورةٍ أوسع بمستقبل أوروبا نفسها، وبقدرة مؤسساتها الثقافية على الدفاع عن منظومة قيم واضحة ومتسقة في عالم يزداد انقسامًا واضطرابًا. وقد نجحت “يوروفيجن” سابقًا في عبور مراحل دولية شديدة التعقيد، لكنها لن تتمكن من تكرار ذلك إلّا إذا امتلكت إطارًا أكثر وضوحًا وثباتًا في التعامل مع السياسة، بدل الاستمرار في إنكار حضورها داخل المسابقة.

  • تشارلز جونسون هو باحث وزميل “جيمس سي. جايثر جونيور” في برنامج كارنيغي للشرق الأوسط.
  • كُتِب المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى