المَغْرِبُ العَرَبِيّ وَالتَّحَوُّلُ الأَخْضَر: سِيادَةٌ أَمْ تَبَعِيَّةٌ بِلَوْنٍ جَدِيد؟
كابي طبراني*
في لحظةٍ دولية تتسارع فيها التحوّلات نحو الطاقة النظيفة، يجد المغرب العربي نفسه في قلب معادلة معقّدة: فرصةٌ لإعادة التموضع كمركزٍ طاقويّ استراتيجي، يقابلها خطر إعادة إنتاج التَبَعِيّة، ولكن هذه المرّة بغطاءٍ “أخضر”. فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، اندفع الاتحاد الأوروبي إلى تسريع فكّ ارتباطه بالطاقة الروسية، ما دفعه إلى تعميق شراكاته مع دول شمال أفريقيا، ولا سيما الجزائر والمغرب وتونس، التي باتت تُمثّلُ امتدادًا مباشرًا لأمنه الطاقوي.
غير أنَّ هذا التحوّل يتجاوز كونه انتقالًا تقنيًا نحو الطاقة النظيفة، ليشكّل إعادة صياغة للعلاقات بين الشمال والجنوب، حيث تتداخل الجغرافيا السياسية مع منطق الأسواق، وتُعاد صياغة مفاهيم السيادة والتنمية تحت ضغط سباق عالمي على الطاقة.
خلال العقد الماضي، سعت دول المغرب العربي إلى بناء استراتيجيات طموحة للتَحَوُّل إلى اقتصادات منخفضة الكربون، مُستفيدةً من وفرة مواردها الطبيعية، ولا سيما الطاقة الشمسية والرياح. غير أنَّ هذا المسار تزامن مع تحوُّلٍ أوروبي جعل من المنطقة عنصرًا وظيفيًا في منظومة أمن الطاقة، أكثر منه شريكًا متكافئًا فيها.
اليوم، لم تعد العلاقة مع أوروبا مجرّد تبادُلٍ تجاري، بل تحوّلت إلى شراكة استراتيجية تُعيدُ رسم خريطة الطاقة في حوض المتوسط. مشاريع الربط الكهربائي، وممرّات الهيدروجين، والبنى التحتية العابرة للحدود، لم تَعُد استثمارات فحسب، بل أدوات لإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي والسياسي. ويُعدّ مشروع الربط الكهربائي بين تونس وإيطاليا (ELMED) مثالًا واضحًا على هذا التحوّل، إذ يُتَوَقَّع أن يربط الشبكتين بطاقة تصل إلى نحو 600 ميغاواط، ما يعكس تَوَجُّهًا نحو دمج شمال أفريقيا تدريجًا في سوق الطاقة الأوروبية.
في موازاة ذلك، دخلت قوى دولية وإقليمية أخرى إلى هذا المجال. فالصين، عبر مبادرة “الحزام والطريق”، تُوَسِّع حضورها في مشاريع البنية التحتية والطاقة، فيما تضخّ دول الخليج العربي، ولا سيما السعودية والإمارات، استثمارات متزايدة في مشاريع الهيدروجين والطاقة المتجدّدة. هذا التداخل يحوّل المغرب العربي إلى ساحة تنافس على الطاقة المستقبلية، لا إلى مجرّد شريكٍ في إنتاجها.
صحيح أنَّ هذا التعدد في الشركاء يوفّر هامش مناورة أوسع، لكنه يفرض في المقابل تحدّي إدارة توازُنات معقّدة، حيث لا يكفي جذب الاستثمارات، بل يصبح توجيهها بما يخدم الأولويات الوطنية مسألة حاسمة.
هنا تبرز المفارقة: فبينما ترفع دول المنطقة شعار “السيادة الطاقوية”، تُصاغ المشاريع الكبرى وفق قواعد خارجية، سواء من حيث التمويل أو المعايير التنظيمية. وبذلك، يتحوّل مفهوم السيادة إلى إطارٍ شكلي، يُعيدُ إنتاجَ التَبَعِيّة ضمن منظومةٍ عالمية بشروطٍ جديدة، بدل أن يتجاوزها.
إذا كان البُعدُ الجيوسياسي يرسم اتجاه التحوُّل، فإنَّ البُعدَ الاقتصادي يكشف جوهره. فمشاريع الطاقة المتجدّدة لا تقوم فقط على التكنولوجيا، بل على نماذج تمويل معقّدة تعتمد على القروض والشراكات مع مؤسّسات دولية.
هذه النماذج، رُغمَ ضرورتها، تنقل جُزءًا كبيرًا من المخاطر إلى الدول. ففي تونس، تتزامن مشاريع الطاقة مع أزمة اقتصادية خانقة، تتجلّى في ارتفاع الدين العام ونقص العملة الأجنبية، ما يحدّ من قدرة الدولة على الاستثمار في بنيتها التحتية. وفي المغرب، ورُغمَ التقدّم اللافت في مشاريع الطاقة الشمسية، لا تزال مسألة الكلفة والاستدامة المالية مطروحة بقوة، خصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنَّ مجمّع “نور ورزازات” وحده تجاوزت كلفته نحو ملياري دولار، وهو ما يطرح أسئلة جدّية حول نموذج التمويل والعوائد طويلة الأمد.
إلى جانب ذلك، يفرض الاتحاد الأوروبي أدوات تنظيمية متزايدة التأثير، مثل “ضريبة الكربون على الحدود”، التي لا تكتفي بحماية الصناعات الأوروبية، بل تُعيدُ صياغة قواعد المنافسة عالميًا. وهذا يضع دول المغرب العربي أمام معادلة صعبة: إما الامتثال لمعايير لم تُشارِك في صياغتها، أو المخاطرة بفقدان الوصول إلى السوق الأوروبية.
بهذا المعنى، لا يقتصر التحوُّل الأخضر على إنتاج الطاقة، بل يمتدُّ إلى إعادة تشكيل الاقتصاد نفسه وفق قواعد خارجية، وهو ما يطرح تحدّيًا حقيقيًا لمفهوم الاستقلال الاقتصادي.
لكنَّ التحدّي الأكثر حساسية يظلُّ اجتماعيًا. فنجاح التحوُّل لا يُقاسُ بحجم الاستثمارات، بل بمدى انعكاسه على حياة الناس.
في هذا السياق، تبرز مسألة المياه كعاملٍ حاسم. فإنتاج الهيدروجين الأخضر يتطلّبُ كميات كبيرة من المياه، في منطقة تعاني أصلًا من ندرة حادة. وهذا يطرحُ سؤالًا مباشرًا: هل يمكن بناء اقتصاد أخضر على حساب موارد أساسية محدودة؟
كما إنَّ توطين المشاريع في مناطق تُصنَّف “هامشية” غالبًا ما يتجاهل أنماط العيش المحلية. ففي جنوب المغرب، أعادت احتجاجات ندرة المياه تسليط الضوء على حساسية هذه القضايا، فيما شهدت الجزائر اعتراضات على استغلال الموارد الطبيعية، تعكس عمق التوتر بين الدولة والمجتمع في هذا الملف.
ولا تقلُّ مسألة سوق العمل أهمية. فالمشاريع الكبرى توفّر فرص عمل مؤقتة، لكنها لا تضمن بالضرورة وظائف مستدامة. كما إنَّ الاعتماد على التكنولوجيا المُستورَدة يحدُّ من فرص نقل المعرفة، ما يُبقي الاقتصادات المحلية في موقع التابع تقنيًا.
مع ذلك، لا يخلو هذا المسار من فرص حقيقية. فربط مشاريع الطاقة بسياسات صناعية وتعليمية واضحة يمكن أن يُحَوِّلها إلى محرِّكٍ للتنمية. بناء قدرات محلية، وتطوير سلاسل قيمة داخلية، وتعزيز المهارات التقنية، كلّها عناصر قادرة على تحويل التَحَوُّل الأخضر من مشروعٍ تصديري إلى مشروع وطني.
المشكلة لم تعد في نقص الموارد، بل في كيفية توظيفها ومَن يضع قواعد استخدامها.
في المحصّلة، يقف المغرب العربي أمام مفترق طرق حقيقي. فالتحوّلُ الأخضر ليس مجرّد خيارٍ اقتصادي، بل اختبار لقدرة الدول على إعادة تعريف موقعها في النظام العالمي.
التحدّي لا يكمن في رفض الشراكات الدولية، بل في إعادة صياغتها على نحوٍ يضمنُ توازن المصالح، ويمنعُ تحوُّل هذه الشراكات إلى قنوات جديدة للتَبَعِيّة. فالمعيار الحقيقي للنجاح لن يكون عدد المشاريع، بل قدرة هذه المشاريع على خلق قيمة محلية، وتعزيز الاستقرار، وتمكين المجتمعات.
في عالمٍ يُعاد فيه رسم خرائط الطاقة بسرعة، لن يُحسَم موقع المغرب العربي بموارده الطبيعية وحدها، بل بقدرته على فرض شروطه. فإما أن يتحوَّلَ إلى شريكٍ فاعل في اقتصاد الطاقة الجديد، أو يبقى مجرّد موردٍ للطاقة — هذه المرّة بلونٍ أخضر.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani



