نَزعُ سلاحِ “حزب الله”… أم نَزعُ استِقرارِ لبنان؟

لم يعد النقاش حول سلاح “حزب الله” يدور فقط حول الصواريخ والقدرات العسكرية، بل حول مستقبل التوازنات اللبنانية وحدود الصراع الإقليمي على أرضٍ تقف أصلًا على حافة الانهيار. وبين الضغوط الأميركية والحسابات الإيرانية، يجد لبنان نفسه أمام معادلة شديدة الخطورة: كيف يستعيد الدولة من دون أن يفجّرها؟

العماد رودولف هيكل: في قلب معركة التوازن بين حماية الدولة ومنع الانفجار الداخلي.

مايكل يونغ*

في مقابلة أجراها مع قناة “فوكس نيوز” أواخر نيسان (أبريل)، طرح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو تصوُّرًا واضحًا لمُقاربة واشنطن تجاه ملف سلاح “حزب الله”. وقال إنَّ الهدف يتمثّل في بناء “نظامٍ فعّال” يمتلك فيه الجيش اللبناني وحدات مدرّبة ومجهزة وقادرة على ملاحقة عناصر الحزب وتفكيك بنيته العسكرية، بما يغني إسرائيل عن القيام بهذه المهمة بنفسها.

لم يكن كلام روبيو مجرّد موقف سياسي عابر، بل عكس توجُّهًا أميركيًا يقوم على تعزيز دور المؤسسة العسكرية اللبنانية في أيِّ مسارٍ مستقبلي لنزع سلاح الحزب، بما قد يضع الجيش في قلب مواجهة داخلية شديدة الحساسية. فـ”حزب الله” لا يمثل تنظيمًا مسلحًا فحسب، بل يرتبط بقاعدة اجتماعية واسعة داخل البيئة الشيعية، ما يعني أنَّ أيَّ مواجهة عسكرية معه قد تتجاوز إطار العملية الأمنية لتتحوّل إلى شرارة اضطراب أهلي واسع النطاق. ومن هنا، أعادت تصريحات روبيو طرح سؤال أساسي يتجاوز الشعارات السياسية: ماذا يعني عمليًا نزع سلاح “حزب الله” في لبنان اليوم؟

في بعض الأوساط، ولا سيما داخل واشنطن، يجري التعامل مع هذا الملف باعتباره مسألة تقنية مرتبطة بتوافر الإرادة السياسية والدعم العسكري المناسب. ووفق هذا التصوُّر، يمكن للجيش اللبناني، بدعمٍ أميركي على مستوى التدريب والاستخبارات والتجهيز، أن يدخل إلى مناطق نفوذ “حزب الله”، ويصادر مخازن أسلحته، ويوقف شبكات الإمداد الآتية من إيران. غير أنَّ هذا الطرح يتجاهل التعقيدات البنيوية التي تحكم الواقع اللبناني، حيث يتداخل البُعد الأمني بالطائفي والسياسي والاجتماعي. لذلك، عندما يحذر قائد الجيش اللبناني، العماد رودولف هيكل، من مخاطر أي حملة تستهدف نزع سلاح الحزب بالقوة، انطلاقًا من قناعته بأنَّ أولوية المؤسسة العسكرية يجب أن تبقى منع الانزلاق إلى حرب أهلية، يُنظر إليه في بعض الدوائر الأميركية باعتباره مترددًا أو خارجًا عن الإطار المطلوب والمألوف. لكن هذا الموقف يعكس، في جوهره، إدراكًا عميقًا لهشاشة التوازنات اللبنانية وللكلفة الباهظة التي قد تترتب على أي محاولة لفرض تغيير جذري بالقوة.

غير أنَّ الواقع أكثر تعقيدًا بكثير من التصوُّرات المُتداوَلة في واشنطن أو في بعض الأوساط اللبنانية. فحين يُطرح شعار “نزع السلاح”، يبرز فورًا سؤال عملي: أيُّ سلاحٍ تحديدًا؟ هل المقصود تفكيك الترسانة كاملة، بما فيها الأسلحة الفردية والرشاشات وقذائف الـ”آر بي جي” والصواريخ المضادة للدروع والطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة؟ نظريًا، يدعو بعض خصوم “حزب الله” إلى تجريده من كل قدراته العسكرية، انطلاقًا من قناعة بأنَّ أيََّ سلاحٍ خارج إطار الدولة يشكل تهديدًا للبنانيين. لكن عمليًا، لا يبدو أنَّ أحدًا يعتقد بإمكان تنفيذ خطة بهذا الحجم. حتى السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، الذي تبنّى في مراحل كثيرة مقاربة قريبة من الخطاب الإسرائيلي، ركز في كانون الأول (ديسمبر) 2025 على مسألة “الأسلحة الثقيلة” عندما لوّح بضرورة تخلي الحزب عنها، من دون أن يتطرّق إلى بقيّة الترسانة التي يمتلكها.

المقاربة نفسها ظهرت أيضًا داخل مؤسسات الدولة اللبنانية. ففي لقاء جمع الرئيس اللبناني جوزيف عون بالمسؤول الإيراني الراحل علي لاريجاني في بيروت في آب (أغسطس) 2025، اقترح عون أن يسلم “حزب الله” صواريخه الثقيلة، في إشارةٍ واضحة إلى أنَّ النقاش الرسمي يتركز على القدرات الاستراتيجية للحزب أكثر مما يتركز على أسلحته التكتيكية أو الفردية. ورُغمَ رفض الاقتراح، فإنه عكس إدراكًا ضمنيًا لدى الدولة بأنَّ المشكلة الأساسية تكمن في الأسلحة القادرة على تهديد دول أخرى، وفي مقدمها إسرائيل، لا في الأسلحة الخفيفة المنتشرة أصلًا لدى معظم القوى اللبنانية. كما إنَّ الجيش اللبناني لا يمتلك، لا سياسيًا ولا لوجستيًا، القدرة على خوض عمليات واسعة لمداهمة المنازل ومصادرة الأسلحة الفردية أو الطائرات المسيّرة البدائية، خصوصًا في بيئة لبنانية تتشابك فيها الاعتبارات الأمنية بالطائفية والاجتماعية.

وإذا كان ثمة شبه توافق على أنَّ النقاش الفعلي يتعلق بالأسلحة الثقيلة، فإنَّ ذلك يفتح بابًا لسؤال أكثر عمقًا يتعلق بوظيفة هذه الترسانة اليوم. فهذه الأسلحة لم تُبنَ أساسًا ضمن إطار لبناني داخلي، بل كانت جُزءًا من استراتيجية إيرانية إقليمية هدفت إلى ردع إسرائيل عن مهاجمة إيران عبر التهديد بفتح جبهة صاروخية من لبنان. لكن بعد التطوّرات العسكرية الأخيرة، وما أظهرته إسرائيل من قدرة على توجيه ضربات واسعة النطاق، برزت شكوك جدية حول مدى فاعلية هذه الاستراتيجية واستمرار جدواها بالنسبة إلى طهران و”حزب الله” معًا.

بمعنى آخر، فإنَّ المشروع الذي سعى من خلاله “حزب الله” إلى التحوُّل من تنظيم مسلح إلى قوة تمتلك خصائص شبه نظامية، عبر بناء ترسانة صاروخية والانخراط في معادلات القصف الاستراتيجي، يبدو اليوم أقل قابلية للاستمرار بالصيغة السابقة. فإسرائيل باتت قادرة على الرد بقوة تفوق بكثير قدرة الحزب على التحمّل، بينما أصبحت إيران نفسها تعتمد بصورة متزايدة على قدراتها الصاروخية المباشرة في تثبيت معادلات الردع. ومن هنا، لم يعد “حزب الله” يؤدي الدور الردعي المستقل الذي كان يؤدّيه سابقًا، بل بات جُزءًا من منظومة تنسيق أوسع تقودها طهران. لذلك، لم يكن مفاجئًا أنَّ عمليات إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان خلال مواجهات آذار (مارس) ونيسان (أبريل) جاءت، في معظمها، ضمن تنسيق مباشر مع إيران، بما يضمن أن يكون الرد الإيراني اللاحق أكثر اتساعًا وتأثيرًا.

من الصواريخ إلى “جبهة الإسناد

في هذا السياق، يبدو أنَّ وظيفة “حزب الله” داخل الاستراتيجية الإيرانية تمرُّ بمرحلة إعادة تعريف عميقة. فالحزب الذي شكّل لعقود أحد الأعمدة الأساسية في منظومة الردع الإقليمية الإيرانية، والقوة الأكثر استعدادًا لتحمُّل كلفة المواجهة مع إسرائيل نيابةً عن طهران، لم يعد يؤدي الدور نفسه بالفاعلية السابقة. فبعد الحرب الأخيرة وما رافقها من خسائر بشرية ومادية هائلة داخل البيئة الشيعية اللبنانية، بات الحزب أقرب إلى “جبهة إسناد” محدودة الوظيفة، بدلًا من كونه ذراعًا استراتيجية قادرة على فرض توازن ردع مستقل. ومع ارتفاع الكلفة الداخلية لهذا الدور، يبدو أنَّ الحزب يميل تدريجًا إلى استعادة نموذج التسعينيات، حين كان يعرّف نفسه أساسًا كحركة مقاومة محلية هدفها تحرير الأراضي اللبنانية المحتلة، مع اعتماد أكبر على حرب العصابات والأسلحة الخفيفة والمتوسطة والعبوات الناسفة، بدلًا من التركيز على القدرات الصاروخية الثقيلة. أما العنصر الجديد الذي أضيف إلى هذه المعادلة فهو الطائرات المسيّرة، التي أصبحت جُزءًا أساسيًا من أدوات الحزب القتالية منخفضة الكلفة وعالية المرونة.

انطلاقًا من ذلك، فإنَّ أيَّ تسوية محتملة تقوم على تخلّي “حزب الله” عن أسلحته الثقيلة لا تعني بالضرورة إنهاء قدراته العسكرية. فحتى لو نجحت الدولة اللبنانية في مصادرة الصواريخ الدقيقة أو بعيدة المدى، سيبقى الحزب، على الأرجح، محتفظًا بترسانة واسعة من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة التي تسمح له بمواصلة دوره الجديد ضمن الحسابات الإيرانية. ومن هنا، تبدو الطروحات الأميركية التي تتحدث عن قدرة الجيش اللبناني على تفكيك البنية العسكرية للحزب بالكامل بعيدة من الواقع اللبناني. ففكرة التغلغل في النسيج الاجتماعي الشيعي لملاحقة كل أشكال التسليح، بما في ذلك الأسلحة الفردية، لا تبدو قابلة للتطبيق، لا سياسيًا ولا أمنيًا. كما إنَّ المؤسسة العسكرية اللبنانية، التي تعتبر الحفاظ على الاستقرار الداخلي أولوية مطلقة، لن تنخرط بسهولة في استراتيجية تُفسَّر على أنها استهدافٌ مباشر لفئة لبنانية بعينها، بما قد يهدد السلم الأهلي ويقود إلى انفجار داخلي واسع.

تراجع الهيمنة وتبدّل موازين الداخل اللبناني

لكن التحوُّل في الدور العسكري للحزب يفتح الباب أيضًا أمام سؤال سياسي أكثر تعقيدًا: ما الذي تريده إيران من “حزب الله” داخل لبنان اليوم؟ فإذا كان الحزب يتجه إلى تقليص دوره كقوة ردع استراتيجية، فهل يعني ذلك أيضًا تراجع دوره كأداة للهيمنة السياسية على الدولة اللبنانية؟ خلال السنوات التي أعقبت الانسحاب السوري من لبنان عام 2005، استخدمت طهران نفوذ “حزب الله” لترسيخ حضورها داخل مؤسسات الدولة اللبنانية وللتحكُّم بمسار القرار السياسي. وبلغ هذا النفوذ ذروته بين إسقاط حكومة سعد الحريري مطلع عام 2011، والهزيمة القاسية التي مُني بها الحزب في حربه مع إسرائيل أواخر عام 2024. في تلك المرحلة، بدا لبنان بالنسبة إلى إيران جُزءًا من فضاء نفوذ إقليمي أوسع، وهو ما عبّر عنه النائب الإيراني علي رضا زاكاني عام 2014 عندما تحدث عن سيطرة طهران على أربع عواصم عربية: بيروت، دمشق، بغداد وصنعاء.

إلّا أنَّ المعطيات اللبنانية الحالية تشير إلى أنَّ تلك المرحلة تقترب من نهايتها، وليس فقط بسبب الضربات الإسرائيلية. فـ”حزب الله” وبيئته الشيعية يبدوان اليوم أكثر عزلة واستنزافًا من أيِّ وقتٍ مضى، في وقتٍ لم تعد القوى السياسية اللبنانية الأخرى مستعدّة للقبول بعودة الحزب إلى ممارسة الهيمنة التي فرضها خلال العقد الماضي. كما إنَّ ميزان القوى الداخلي تغيّر بصورة ملحوظة. فالطائفة السنّية، المدعومة سياسيًا ومعنويًا من السلطة الجديدة في سوريا، تشعر بأنها في موقع يسمح لها بمواجهة أي محاولة لإعادة فرض المعادلات السابقة. أما الساحة المسيحية، التي شهدت سابقًا انقسامات حيال العلاقة مع “حزب الله”، فقد اتجهت بغالبيتها نحو موقف أكثر عدائية تجاه الحزب، خصوصًا بعد انفجار مرفَإِ بيروت عام 2020 وأحداث الطيونة في تشرين الأول (أكتوبر) 2021، اللذين عمّقا مشاعر القطيعة والخوف. وفي المقابل، يحافظ الزعيم الدرزي وليد جنبلاط على خطابٍ حذر تجاه الحزب، مدفوعًا باعتبارات تتعلق بمنع انفجار التوتر السنّي–الشيعي في المناطق التي تتواجد فيها طائفته، أكثر مما يعكس تقاربًا سياسيًا حقيقيًا، لا سيما أنَّ جُزءًا كبيرًا من الشارع الدرزي لا يزال ينظر إلى “حزب الله” بعين الريبة والخصومة.

أما المؤسسة العسكرية اللبنانية، فتبدو حتى الآن مدركة لحساسية التوازنات الداخلية وحدود قدرتها على الانخراط في مواجهة مفتوحة مع “حزب الله”. فالعماد رودولف هيكل أظهر قدرًا من الحذر في رفضه الدفع بالجيش نحو خيار عسكري مباشر ضد الحزب، انطلاقًا من قناعة بأنَّ مثل هذا المسار قد يقود إلى تفكك داخلي واسع. لكن في المقابل، أوضح الجيش أيضًا أنه لن يقف متفرّجًا إذا تحولت أسلحة “حزب الله” إلى أداة لفرض معادلات داخلية بالقوة على بقية اللبنانيين. وقد برز هذا الموقف بوضوح خلال أحداث الطيونة عام 2021، حين تدخل الجيش بحزم لمنع توسع الاشتباكات واحتواء خطر الانزلاق إلى صدام أهلي. ومن هنا، فإنَّ الرسالة التي تسعى الدولة اللبنانية إلى تثبيتها لا تقتصر على ضبط دور الحزب داخليًا، بل تشمل أيضًا إبلاغ إيران بأنَّ أيَّ مكاسب إقليمية تحققها لن تترجم تلقائيًا إلى نفوذ مطلق داخل لبنان.

بين استعادة الدولة ومخاطر الانفجار الداخلي

في ضوء هذه المعطيات، يبدو أنَّ المقاربة الأكثر واقعية لملف سلاح “حزب الله” لا تقوم على محاولة انتزاعه بالقوة، بل على إدارة تحوُّل تدريجي في موازين القوة داخل الدولة والمجتمع. فالتجربة اللبنانية أظهرت مرارًا أنَّ المواجهات العسكرية المباشرة مع الميليشيات الطائفية غالبًا ما تنتهي إلى مزيد من الانقسام والدمار، لا إلى ترسيخ سلطة الدولة. لذلك، تبدو الحاجة ملحة إلى استراتيجية أكثر تعقيدًا تجمع بين الضغط السياسي والأمني والحوار، مع الاستفادة من التحوّلات التي أضعفت موقع الحزب داخليًا وإقليميًا. وإذا كان “حزب الله” يتجه إلى لعب دور “جبهة دعم” ضمن الحسابات الإيرانية، فإنَّ بإمكان الجيش اللبناني توسيع انتشاره في الجنوب وتشديد حضوره على الحدود لمنع استخدام الأراضي اللبنانية منصّةً لتنسيق الهجمات أو إطلاقها، مستندًا إلى حق الدولة الحصري في قرار الحرب والسلم.

وفي الوقت نفسه، فإنَّ تراجع قدرة الحزب على فرض هيمنته السياسية كما في السابق يفتح هامشًا أوسع أمام الدولة لإعادة بناء توازنات داخلية جديدة. ويمكن أن يشمل ذلك توسيع الخطط الأمنية في المناطق التي ينشط فيها الحزب، وإقفال المؤسسات غير الشرعية المرتبطة به، وتشديد الرقابة على شبكات نقل السلاح والتمويل، إلى جانب تطوير قدرات استخباراتية أكثر فاعلية لمتابعة أنشطته العسكرية والأمنية. وهذه الخطوات لا تعني الدخول في مواجهة شاملة مع الحزب بقدر ما تعكس محاولة تدريجية لاستعادة الدولة لمساحات نفوذ فقدتها خلال العقود الماضية.

في جوهر الأمر، تمتلك الدولة اللبنانية الأدوات القانونية والسيادية التي تخوّلها بسط سلطتها على كامل أراضيها والتحكّم بالقرارات المصيرية المرتبطة بالحرب والأمن والسياسة الخارجية. غير أنَّ نجاح هذا المسار يبقى مشروطًا بتجنُّب الانجرار إلى مشاريع خارجية تسعى إلى استخدام الجيش اللبناني في مواجهة داخلية مفتوحة مع “حزب الله” والطائفة الشيعية. فالمسألة لا تتعلق فقط بنزع السلاح، بل بإعادة دمج الشيعة بصورة أعمق في مؤسسات الدولة ومنع شعورهم بأنهم مستهدفون جماعيًا. وأيُّ محاولة لتحويل هذا الملف إلى حرب ضد المكوّن الشيعي الأكبر في لبنان قد تؤدي إلى نتائج عكسية، فتزيد من الانقسام وتُعيدُ إنتاج أسباب الصراع بدل معالجتها.

ومع أنَّ دور “حزب الله” يشهد تحولات واضحة تحت ضغط المتغيرات الداخلية والإقليمية، فإنَّ صورة المرحلة المقبلة لا تزال شديدة الضبابية. فالمنطقة بأسرها تمر بإعادة تشكيل للتوازنات والتحالفات، في ظل صعود محور عربي–سنّي يسعى إلى إعادة صياغة علاقته بكلٍّ من إيران وإسرائيل. وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة لأن يدرك المسؤولون اللبنانيون أنَّ الأزمة المرتبطة بـ”حزب الله” ليست مسألة داخلية فحسب، بل جُزءٌ من صراعٍ إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات الدولية والإيرانية والعربية والإسرائيلية. ولذلك، فإنَّ أخطر ما يمكن أن يفعله لبنان هو اتخاذ قرارات متسرّعة تحت ضغط الخارج، أو منح الولايات المتحدة وإسرائيل حرية تحديد المسار الذي يجب أن يسلكه البلد في قضايا تمس استقراره الداخلي مباشرة.

فخلال السنوات الأخيرة، ارتبطت سياسات كلّ من واشنطن وتل أبيب في المنطقة بسلسلة من الحروب المدمرة والمقاربات القائمة على فرض الوقائع بالقوة، غالبًا من دون حسابات دقيقة لكلفة الانهيار الذي تخلّفه تلك السياسات على المجتمعات والدول. ولبنان، المُثقل أصلًا بأزماته الاقتصادية والسياسية والطائفية، لا يبدو قادرًا على تحمُّل جولة جديدة من المغامرات العسكرية أو مشاريع إعادة رسم التوازنات بالقوة.

  • مايكل يونغ هو مُحرّرٌ كبير في مركز مالكولم كير كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيثُ يرأس تحرير مدوّنة “ديوان” التابعة للمركز. وهو كاتب رأي في الشؤون اللبنانية في صحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية، ومؤلف كتاب “أشباح ساحة الشهداء: رواية شاهد عيان عن كفاح لبنان في الحياة” (دار سايمون وشوستر، 2010)، الذي اختارته صحيفة “وول ستريت جورنال” كواحدٍ من الكتب العشرة البارزة لعام 2010. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @BeirutCalling
  • كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى