لبنان: سيناريواتٌ كثيرة… وخياراتٌ أقلّ
الدكتور ناصيف حتّي*
سيناريوات مختلفة نسمع بها حول مستقبل الحرب الإسرائيلية على لبنان، كما تتزايد النقاشات بشأن العوامل التي قد تفضي إلى وقفها. أحد هذه السيناريوات يربط مسار هذه الحرب بمنطق “وحدة الجبهات”، في إطار المواجهة الأوسع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. ويستند هذا الطرح إلى مواقف وتصريحات إيرانية تشير إلى أنَّ أيَّ مسارٍ لوقف القتال —أو ما يمكن وصفه بـ”رزمة الشروط والشروط المضادة”— والدخول في تسوية، أيًا كان شكلها، يجب أن يشمل الجبهة اللبنانية.
غير أنَّ الواقع الميداني يقدّم صورة مختلفة. فقد وجدت إسرائيل في ما يُعرف بـ”حرب الإسناد” لإيران، ضمن منطق “وحدة الساحات” الذي أطلقه “حزب الله”، فرصةً لشنِّ حربٍ مفتوحة، سواء من حيث امتدادها الجغرافي أو مستوى العنف المُستَخدَم فيها. حربٌ تهدف، في جوهرها، إلى إقفال هذه الجبهة وفق شروط إسرائيلية جديدة تختلف كليًا عما سبق، عبر تغيير الوقائع على الأرض بما يحدّ من “المخاطر” المحتملة والمتعددة التي تواجهها على حدودها الشمالية.
في هذا السياق، يبدو أنَّ الربطَ بين مسار الحرب في لبنان وأيِّ تفاهُمٍ محتمل مع إيران ليس بالضرورة حتميًا. إذ من غير المرجّح أن تتمكّن إيران، حتى في حال التوصُّل إلى تفاهمات توقف الحرب على أراضيها، من الحفاظ عمليًا على منطق “وحدة الجبهات”. فالشروط الإسرائيلية لوقف الحرب في لبنان تختلف عن تلك المرتبطة بإيران، في ظل غياب ضغوط دولية فاعلة قادرة على فرض وقفٍ لإطلاق النار.
وقد تجلّى ذلك في رفض إسرائيل الدعوات التي طُرحت لوقف القتال على الجبهة اللبنانية والانتقال إلى مسارٍ تفاوضي برعاية دولية، وهو الخيار الذي أبدى لبنان استعداده للانخراط فيه ضمن شروط معينة.
سيناريو آخر يُطرح في هذا السياق يتحدث عن إمكان التوصل إلى تفاهم شبيه بـ”تفاهم نيسان/أبريل 1996″، مع تغيُّر العديد من المعطيات. فقد قام ذلك التفاهم حينها على وقفٍ لإطلاق النار مقابل التزام مجموعة من القواعد الجديدة الناظمة للعمل العسكري من قبل الطرفين، رغم استمرار الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان. وللتذكير، أُنشئت آنذاك لجنة ضمّت الدول التي شاركت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في التفاوض على الاتفاق، وهي: الولايات المتحدة وفرنسا وسوريا ولبنان وإسرائيل.
غير أنَّ الظروف والمعطيات التي أفضت إلى ذلك التفاهم تغيّرت جذريًا، ما يجعل إعادة إنتاجه أمرًا بالغ الصعوبة. ومع ذلك، لا يزال هناك مَن يرى —أو يأمل أو يتمنى— بإمكان العودة إلى ذلك التفاهم، مع الأخذ في الاعتبار التحوّلات والمتغيّرات التي طرأت، من دون التخلّي عن الأُسُس التي قام عليها الاتفاق آنذاك.
سيناريو ثالث يُعاد طرحه في إطار الحلول الممكنة، أو المرغوبة لدى البعض، يتمثّل في إحياء تسوية عام 2006، من خلال إعادة تفعيل قرار مجلس الأمن 1701 بوصفه مرجعية قانونية دولية. فهذا القرار، رغم أنه لم يُنفَّذ بالكامل، أتاح في مرحلة لاحقة نشوء ما يشبه “تفاهمات عملية” (modus vivendi) على الأرض، ساهمت في تثبيت قدر من الاستقرار الأمني تحت مظلته. غير أنَّ الحرب الحالية أسقطت فعليًا هذا الإطار، ما يجعل العودة إليه، رُغم ما تحمله من رغبة لدى البعض، أمرًا أقرب إلى الطرح النظري منه إلى الخيار القابل للتطبيق.
أما السيناريو الرابع، فيعكس في جوهره الرؤية الإسرائيلية للحرب، ويقوم على إحداث تغيير جذري في الواقع اللبناني من خلال القضاء على “حزب الله” عسكريًا، بغض النظر عن مدة الحرب، وبمعزل عن مسار المواجهة على الجبهة الإيرانية، كما تؤكد إسرائيل دائمًا.
بالطبع مَن يعرف الوضع اللبناني بتركيبته المجتمعية بسماتها وأبعادها السياسية وغيرها يُدرك أنَّ ذلك أمرٌ أكثر من مستحيل: هذا السيناريو مشروع حرب مستمرّة قد تشهد تصعيدًا وتخفيضًا في مستويات القتال، وفي القوة النارية، وفي الامتداد الجغرافي وفي الأهداف، ولكنها لن تنجح في تحقيق الأهداف التي يسعى إليها أصحابها.
وفي المحصّلة، فإنَّ هذا المسار ينطوي على خطر تحويل لبنان إلى “غزة ثانية”، بما يحمله ذلك من تداعيات تتجاوز حدوده الجغرافية إلى نطاقٍ أوسع بكثير.
أما السيناريو الخامس، والذي يمكن اعتباره—مقارنة بسواه—الأقرب إلى الواقعية، رغم ما يحيط به من صعوبات كبيرة، فيقوم على إحياء مسار المفاوضات المباشرة، برعاية ومواكبة دولية. مسار يستند إلى مرجعية تفاوضية واضحة، وجدول زمني محدد—ولو مرن—ويُبنى على ترابط مراحله، بدءًا من وقف شامل لإطلاق النار.
غير أن هذا المسار يفترض، في نقطة الانطلاق، التزامًا إسرائيليًا فعليًا باتفاق 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، الذي كان من المفترض أن يدخل حيّز التنفيذ في اليوم التالي، من دون أن تحترمه إسرائيل منذ بدايته. ومن هنا، فإنَّ أيَّ تقدُّمٍ نحو هذا السيناريو يمرُّ أولًا عبر إعادة تثبيت هذا الالتزام كمدخلٍ أساسي لأيِّ مسارٍ تفاوضي.
ورُغمَ ما يواجهه من عوائق، يبقى هذا الطرح الإطار الأكثر شمولًا وواقعية للتوصُّل إلى وقفٍ كامل لإطلاق النار، تمهيدًا لإحياء اتفاقية الهدنة اللبنانية–الإسرائيلية لعام 1949، بوصفها المرجعية القانونية الوحيدة القادرة على تثبيت هذا الوقف بصورة نهائية. ومع أنَّ إعادة تفعيل هذه الاتفاقية ليست مهمة سهلة، إلّا أنها تظل الأساس الممكن البناء عليه، مع إمكان تطويرها أو تعزيزها، إذا اقتضت الحاجة، بشكلٍ متوازن ومتزامن.
ويواكب هذا المسار، ويعزّز فرص نجاحه، العمل على تكريس سلطة الدولة اللبنانية، من خلال تنفيذ مبدَإِ حصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية، والأهم حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها.
صحيح أنَّ هذا المسار ليس سهل التحقيق، لكنه يبقى الخيار الوحيد الذي يتيح استعادة الدولة لدورها الكامل—لا الجُزئي ولا الانتقائي—في إدارة شؤونها، داخليًا وخارجيًا، كما هو حال أيّ دولة طبيعية.
- الدكتور ناصيف يوسف حتّي هو أكاديمي، مُحلِّل سياسي، ديبلوماسي متقاعد، ووزير خارجية لبنان الأسبق. كان سابقًا المُتَحدِّث الرسمي باسم جامعة الدول العربية ولاحقًا رئيس بعثتها في فرنسا والفاتيكان وإيطاليا، والمندوب المراقب الدائم لها لدى منظمة اليونسكو.
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره في صحيفة “النهار” (بيروت).



