لبنان أمامَ مُهلةٍ ضيِّقة: إِمّا خطّة لـ”حزب الله” أو وصفة أميركية-إسرائيلية
بين ضغوط واشنطن، وطموحات إسرائيل، وعجز الدولة اللبنانية عن بلورة رؤية موحّدة، تتحوّل المفاوضات حول جنوب لبنان تدريجًا إلى معركة سياسية حول مستقبل “حزب الله” ودور الدولة نفسها. والسؤال لم يعد ما إذا كان ملف السلاح سيُطرح، بل مَن سيضع شروط التعامل معه: بيروت أم الخارج؟

مايكل يونغ*
في 14 و15 أيار (مايو)، استضافت واشنطن الجولة الثالثة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، في خطوة عكست انتقال الاتصالات من مستوى اللقاءات الديبلوماسية المحدودة بين سفيري البلدين إلى مفاوضات تُجرى على مستوى الوفود الرسمية. ورُغمَ استمرار الهوّة السياسية والأمنية الواسعة بين الطرفين، فإنَّ الجولة أفضت إلى تقدُّمٍ عملي تمثّل في الاتفاق على تمديد وقف إطلاق النار لمدة 45 يومًا إضافية، في محاولة لمنع انزلاق المواجهة جنوب لبنان إلى تصعيدٍ أوسع.
وعقب انتهاء الاجتماعات، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية توصُّل الوفدَين إلى إطار عمل للمفاوضات المقبلة، يقوم على مسارَين متوازيين: مسارٌ عسكري يُفتتح في 29 أيار (مايو) داخل البنتاغون، ومسارٌ سياسي يُستأنف في 2 و3 حزيران (يونيو). ويعكس هذا التقسيم إدراك واشنطن لتعقيد الملفات المطروحة، إذ تتداخل الاعتبارات الأمنية الميدانية مع القضايا السياسية والسيادية التي يصعب فصلها عن مسار التفاوض.
وأثارت المحادثات منذ انطلاقها موجة واسعة من التكهنات بشأن أهدافها النهائية وحدود ما يمكن أن يحققه لبنان في ظل اختلال واضح في موازين القوى. فبيروت تدخل المفاوضات بأوراق ضغط محدودة، بينما تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية في الجنوب بوتيرة مرتفعة. ومع ذلك، فإنَّ تمديد وقف إطلاق النار، رُغمَ تواضع نتائجه الميدانية، يحمل أهمية مباشرة بالنسبة إلى الداخل اللبناني، إذ يضمن استمرار الهدوء النسبي في الضاحية الجنوبية لبيروت والمناطق ذات الغالبية الشيعية التي ظلت خلال الأشهر الماضية عرضة لخطر القصف الإسرائيلي.
وفي خلفية هذه المفاوضات، يسعى لبنان إلى انتزاع حزمة من الالتزامات الإسرائيلية تشمل الانسحاب من جنوب لبنان، والتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، والحصول على ضمانات أمنية متبادلة، إلى جانب استكمال ترسيم الحدود البرية بين البلدين، والإفراج عن الأسرى اللبنانيين المحتجزين لدى إسرائيل. كما تضغط بيروت لإعادة تفعيل اللجنة الخماسية المكلفة بمتابعة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، باعتبارها الآلية الوحيدة القادرة، حتى الآن، على توفير إطار دولي لمراقبة التهدئة ومنع انهيارها.
المسار الأمني وحدود الضغط على لبنان
في المقابل، تربط إسرائيل أي تقدم في هذه الملفّات بشرطٍ أساسي يتمثل في نزع سلاح “حزب الله”، وهو ما يفسّر الأهمية التي توليها للمسار الأمني المنبثق عن مفاوضات واشنطن. وقد عبّر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بوضوح عن هذا التوجه عندما قال في مقابلة مع قناة “فوكس نيوز” إن واشنطن تعمل على إنشاء منظومة تمكّن وحدات مدرّبة داخل الجيش اللبناني من امتلاك “القدرة على ملاحقة عناصر “حزب الله” وتفكيكها، حتى لا تضطر إسرائيل إلى القيام بذلك بنفسها”. ويكشف هذا التصريح أنَّ المقاربة الأميركية لا تقتصر على تثبيت التهدئة، بل تمتد إلى إعادة صياغة التوازن الأمني الداخلي في لبنان.
غير أنَّ الطموحات الإسرائيلية تبدو، في العلن على الأقل، أبعد من مجرّد ترتيبات أمنية ميدانية، إذ تتحدث تل أبيب بصورة متزايدة عن إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام شامل مع لبنان. وفي المقابل، تتعامل بيروت بحذر شديد مع هذا الطرح، مدفوعةً باعتبارين أساسيين: أولهما الانقسام الداخلي الحاد حول أي شكل من أشكال التفاوض السياسي مع إسرائيل، وثانيهما المناخ الإقليمي الرافض لمسارات التطبيع المنفصلة عن القضية الفلسطينية، لما قد يمثله ذلك من تقويض للإجماع العربي الذي كرسته مبادرة السلام العربية لعام 2002، والتي ربطت الاعتراف بإسرائيل بقيام دولة فلسطينية مستقلة.
وفي الداخل اللبناني، سارع “حزب الله” إلى إدانة محادثات واشنطن، إلّا أنَّ الموقف الفعلي يبدو أكثر تعقيدًا مما تعكسه التصريحات العلنية. فالحزب، ومعه حليفه رئيس مجلس النواب نبيه بري، يُدركان أنَّ استمرار الحرب المفتوحة في الجنوب يحمل كلفة سياسية واجتماعية وأمنية متزايدة، ما يجعلهما أكثر استعدادًا لغضّ الطرف عن المفاوضات إذا كانت قادرة على وقف التدمير الإسرائيلي المستمر للمناطق الجنوبية.
ومع ذلك، يبقى المسار الأمني الأكثر حساسية بالنسبة إلى “حزب الله” وبري، كما يثير قلق شريحة واسعة من المسؤولين اللبنانيين ودول المنطقة التي تخشى أن يؤدي الضغط الأميركي والإسرائيلي إلى دفع الجيش اللبناني نحو مواجهة مباشرة مع الحزب. فمثل هذا السيناريو لا ينذر فقط بإعادة إحياء شبح الصراع الأهلي، بل يطرح أيضًا أسئلة خطيرة حول قدرة المؤسسة العسكرية على خوض مواجهة بهذا الحجم من دون تعريض الدولة اللبنانية لهزة قد تكون غير قابلة للاحتواء.
ويبدو أنَّ واشنطن، في مقاربتها الحالية، لا تأخذ بالكامل في الاعتبار التحوّلات التي طرأت على دور “حزب الله” خلال العامين والنصف الماضيين. فالحزب لم يعد يؤدّي الوظيفة نفسها التي اضطلع بها سابقاً ضمن استراتيجية الردع الإيرانية المتقدّمة في مواجهة إسرائيل، حين كان يشكل قوة هجومية قادرة على امتصاص الضربات عن إيران. اليوم، تبدو المعادلة معكوسة إلى حد كبير: إيران نفسها باتت تتعرض لضغوط وضربات مباشرة، بينما تحوّل “حزب الله” إلى جبهة دعم مرتبطة بحسابات الدفاع عن طهران أكثر من كونه أداة ردع مستقلة عنها. وفي هذا السياق، تراجعت الأهمية الاستراتيجية لترسانته الثقيلة، مقابل تركيز متزايد على نمط قتال يعتمد على أسلحة أخف وحرب استنزاف مرتبطة بالوجود الإسرائيلي في الجنوب اللبناني.
وبهذا المعنى، فإنَّ أيَّ محاولة لنزع سلاح “حزب الله” ستتركّز عمليًا على ترسانته الثقيلة، لأنَّ مصادرة الأسلحة الخفيفة، القابلة للإخفاء والانتشار بسهولة، تبدو مهمة شبه مستحيلة بالنسبة إلى الجيش اللبناني. غير أنَّ مثل هذا السيناريو لن يُغيِّرَ بصورةٍ جوهرية من وظيفة الحزب الإقليمية أو من علاقته بطهران، ما يطرح تساؤلات حول الجدوى الفعلية للمقاربة المطروحة. ولهذا السبب تحديدًا، يُبدي الجيش اللبناني تحفّظًا واضحًا تجاه أي ضغوط لدفعه إلى مواجهة مباشرة مع الحزب، إدراكًا منه أنَّ مثل هذه المهمة قد تؤدي إلى توترات خطيرة مع البيئة الشيعية، من دون ضمان تحقيق نتائج حاسمة.
وتُدرك إسرائيل بدورها حدود هذا الخيار. فجيشها، رُغمَ تفوّقه العسكري الكاسح، لم يتمكن من نزع سلاح “حماس” في غزة، وهي منطقة تملك فيها إسرائيل هامش سيطرة أكبر بكثير من قدرة الجيش اللبناني على فرض سيادته داخل لبنان. بل إنَّ مسؤولين إسرائيليين أقرّوا في نيسان (أبريل) بأنَّ القضاء الكامل على ترسانة “حزب الله” يتطلب اجتياحًا شاملًا للبنان، وهو سيناريو يحمل مخاطر إقليمية هائلة. وإذا كانت إسرائيل نفسها تعترف بصعوبة تحقيق هذا الهدف، فمن غير الواقعي افتراض أنَّ المؤسسة العسكرية اللبنانية، المحدودة الإمكانات والمنقسمة الضغوط، قادرة على إنجازه.
رهانات التسوية ومخاطر الانفجار الداخلي
وتاريخيًا، نادرًا ما تحققت عمليات نزع السلاح بالقوة وحدها، إذ غالبًا ما ارتبطت بتسويات سياسية طويلة الأمد ومقايضات داخلية وإقليمية معقدة. ومن هنا، يعكس إصرار الولايات المتحدة على فتح مسار أمني موازٍ للمفاوضات درجة متزايدة من الاستعجال، وربما نفاد الصبر تجاه بطء الدولة اللبنانية في التعامل مع ملف “حزب الله”. ومع ذلك، قد يشكل هذا المسار فرصة لبيروت كي تطرح مقاربة واقعية لا تستهدف نزع سلاح الحزب فورًا، بل الحد من هامش حركته العسكرية وتعزيز انتشار الجيش اللبناني في المناطق الواقعة شمال الشريط الذي لا تزال إسرائيل تحتله. وقد يسمح ذلك بخلق توازن مؤقت يفتح الباب أمام معالجة أكثر هدوءًا لمسألة السلاح في إطار تسوية إقليمية أوسع.
وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة لأن تبادر الدولة اللبنانية إلى تقديم رؤية واضحة وقابلة للتنفيذ، خصوصًا أنَّ الانطباع السائد لدى كثير من العواصم الأجنبية هو أنَّ مؤسسات لبنان عاجزة عن اتخاذ قرارات حاسمة أو تنفيذ التزاماتها. وقد يكون هذا التقييم قاسيًا، لكنه يكتسب زخمًا مع استمرار حالة الشلل السياسي الداخلي. وإذا لم تتحرك بيروت لطرح بديل جدي، فقد تجد نفسها أمام محاولة أميركية وإسرائيلية لفرض تصوُّر أمني خاص بهما، بما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على الاستقرار الداخلي اللبناني.
في المقابل، قد تمتلك القوى الإقليمية هامشًا مهمًا للتأثير في مسار الأحداث ومنع الوصول إلى هذا السيناريو. فملف “حزب الله” يبقى، في جوهره، جزءًا من الحسابات الاستراتيجية الإيرانية، ما يجعل القرار النهائي بشأن مستقبل سلاحه مرتبطًا بطهران إلى حد بعيد. ومن هنا، قد تسعى الدول الإقليمية المعنية بإعادة تشكيل النظام الأمني في الشرق الأوسط، في ظل التحولات التي فرضتها المواجهة مع إيران، إلى فتح قنوات تواصل غير مباشرة مع حلفاء طهران عبر المسؤولين الإيرانيين أنفسهم، على أمل التوصل إلى تفاهمات تخفف من احتمالات الانفجار في لبنان.
لكن، في المدى المنظور، تبقى الأولوية بالنسبة إلى اللبنانيين تجنُّب الانزلاق إلى عملية عسكرية متسرّعة قد تتجاوز قدرة البلاد على الاحتمال. فنجاح المفاوضات مع إسرائيل لن يتحقق عبر الضغوط وحدها، بل من خلال اقتناع الطرفين بأنَّ الالتزام بالتفاهمات يخدم مصالحهما المشتركة، ويمنع انزلاق المنطقة إلى دورة جديدة من المواجهة المفتوحة.
- مايكل يونغ هو مُحرّرٌ كبير في مركز مالكولم كير كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيثُ يرأس تحرير مدوّنة “ديوان” التابعة للمركز. وهو كاتب رأي في الشؤون اللبنانية في صحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية، ومؤلف كتاب “أشباح ساحة الشهداء: رواية شاهد عيان عن كفاح لبنان في الحياة” (دار سايمون وشوستر، 2010)، الذي اختارته صحيفة “وول ستريت جورنال” كواحدٍ من الكتب العشرة البارزة لعام 2010. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @BeirutCalling
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.