أَيُّ أفاقٍ للحَربِ المُتصاعِدة

الدكتور ناصيف حتّي*

ساد في الأوساط السياسية والاستراتيجية اعتقادٌ مفاده أنَّ الهجوم الإسرائيلي–الأميركي الجاري على إيران لن يخرج عن الإطار الذي رُسم في حزيران (يونيو) الماضي، إبّان ما عُرف بـ”حرب الاثني عشر يومًا”. يومها، بدا أنَّ المقاربة تقوم على توجيه ضربات محسوبة ومرتفعة الكلفة إلى أهدافٍ ذات طابع استراتيجي، وفي مقدّمها المنشآت النووية في فوردو ونطنز وأصفهان، بما يحمله ذلك من رسائل ردعية مباشرة إلى طهران.

هذا التصوّر انطلق من فرضية أنَّ الضربات لن تكون غاية بحد ذاتها، بل أداة ضغط لإعادة ضبط قواعد الاشتباك وفتح الباب أمام مسار تفاوضي بشروط جديدة حملتها تلك “الرسائل المُكلفة”. فاستهداف البنية النووية الحساسة لم يكن يُقرَأ باعتباره تصعيدًا شاملًا، بل كإشارةٍ سياسية–عسكرية مركّبة، تسعى إلى تعديل سلوك الجمهورية الإسلامية عبر رفع كلفة المواجهة، ودفعها إلى طاولة التفاوض تحت وطأة معادلات ميدانية مستجدة.

وبالفعل، أعقبت تلك الضربات جولة مفاوضات امتدت من حزيران (يونيو) حتى الأسبوع الماضي، أي حتى نهاية شباط (فبراير)، جرت تارةً عبر قنوات غير مباشرة، وطورًا عبر لقاءات مباشرة لكنها مقيّدة وغير معلنة رسميًا. عكست هذه الصيغة طبيعة اللحظة السياسية: حوار تحت الضغط، ومحاولات لاختبار إمكان إنتاج تسوية جديدة من دون تقديم تنازلات جوهرية.

غير أنَّ المسار التفاوضي، رغم استمراريته لأشهر، لم ينجح في تضييق الهوة بين سقفين متباعدين. ففي حين تمسّكت واشنطن بمطلب “صفر تخصيب” بوصفه الضمانة الوحيدة لقطع الطريق أمام أيِّ مسارٍ نووي عسكري محتمل، أصرت طهران على مقاربة مختلفة تقوم على القبول بقيود إضافية وتشديد آليات الرقابة على برنامجها النووي، مقابل الاحتفاظ بحق التخصيب باعتباره حقًا سياديًا مُكرّسًا في الاتفاقات السابقة والمعمول به عمليًا.

وإلى جانب هذا التعارض البنيوي في الملف النووي، بقي ملفان أساسيان خارج البحث الجدي: برنامج الصواريخ الباليستية، ودور ما تصفه طهران بـ”محور الحلفاء” فيما يسميه خصومها شبكة “الوكلاء” الإقليميين، ودورهم في إعادة تشكيل توازنات النفوذ في المنطقة. وهذان الملفان تحديدًا شكّلا خطًا أحمر إيرانيًا، إذ رفضت الجمهورية الإسلامية إدراجهما أصلًا على جدول الأعمال، مُعتبرةً أنَّ أيَّ تفاوضٍ بشأنهما يمسّ بعناصر قوتها الردعية وأدوات حضورها الإقليمي.

اليوم، تبدو الصورة مختلفة جذريًا عمّا رُسِمَ في إطار “الرسائل المكلفة” والاشتباك المحسوب. نحن أمام احتمالِ انزلاقٍ إلى سيناريو حرب شاملة، تتسع جغرافيًا ويتحرّر فيها التصعيد من القيود السابقة، مع دخول أطرافٍ جديدة إلى ساحة المواجهة، سواء عبر انخراطٍ ميداني مباشر أو من خلال تبنّي مواقف ذات طابع حربي واضح.

هذا السيناريو كان حاضرًا في تقديرات بعض المراقبين، لكنه لم يكن الاحتمال المرجّح لدى كثيرين، حتى مع انطلاق العمليات العسكرية الإيرانية، بصرف النظر عن محدوديتها المُعلَنة أو طبيعة أهدافها التي تصفها طهران بأنها “انتقائية” في دول الخليج العربية. فالمشكلة لم تكن في حجم الضربات بقدر ما كانت في دلالاتها السياسية والاستراتيجية، وفي ما تفتحه من أبوابٍ يصعب إغلاقها سريعًا.

ومن بين أوائل المتضرّرين من هذا المسار كانت العلاقات الإيرانية–الخليجية، التي دخلت طورًا من التوتر المفتوح على احتمالات التصعيد. صحيح أنَّ هذا التوتر ما زال مضبوطًا نسبيًا ولم يتحوّل إلى قطيعةٍ شاملة، إلّا أنه يُمثّلُ تحوّلًا سلبيًا واضحًا قياسًا إلى مرحلة التهدئة والعودة التدريجية إلى مسارات التطبيع وإعادة الدفء إلى العلاقات بين طهران وعدد من العواصم الخليجية، ولو بدرجاتٍ متفاوتة بين دولةٍ وأخرى.

ولا يمكن إغفال أنَّ دول الخليج كررت، في أكثر من مناسبة، تأكيدها دعم الحلول السياسية والديبلوماسية لمعالجة الصدام والخلافات الأميركية–الإيرانية المُشار إليها سابقًا، إدراكًا منها لكلفة الانفجار الشامل على أمنها واستقرارها الاقتصادي. غير أنَّ مسارَ الأحداث الراهن يضع هذه الدول أمام اختبارٍ صعب بين الرغبة في تحييد ساحاتها، وضغوط الاصطفاف في مواجهةٍ تتسع رقعتها.

في خضمِّ هذا المشهد، تبدو إسرائيل المستفيد الأول من حربٍ مفتوحة في الزمان والمكان والأهداف؛ إذ يُعيدُ اتساع دائرة الاشتباك خلط الأوراق الإقليمية على نحوٍ يخفف الضغط عنها، وينقل مركز الثقل إلى مواجهة متعددة الجبهات، تتقدّم فيها أولويات الصراع مع إيران على سائر الملفات الأخرى.

على صعيدٍ آخر، أُدرِجت عملية إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان باتجاه مناطق غير مأهولة في شمال إسرائيل في سياق ما اعتبره البعض “رسالة تضامن ضرورية” مع إيران، لا عودةً إلى استراتيجية “وحدة الساحات” بما تحمله من أكلافٍ كارثية على لبنان، كما أظهرت التجارب السابقة. وجاء ذلك في ظلِّ استمرار إسرائيل في اعتماد نمط حرب منخفضة الوتيرة ومتقطّعة بالنار، رُغم اتفاق وقف الأعمال العدائية الموقَّع في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، والذي لم تلتزم به تل أبيب عمليًا.

غير أنَّ مكمن الخطر يتمثّل في احتمال إعادة إحياء استراتيجية “وحدة الساحات”، وهي مقاربة لا يزال لبنان يدفع أثمانها السياسية والاقتصادية والأمنية، فيما تُحذّرُ السلطات اللبنانية من تداعيات الانجرار مُجَدَّدًا إليها. صحيح أنَّ ثمّةَ مَن يرى أنَّ إسرائيل لا تحتاج إلى ذريعةٍ للعودة إلى توسيع الحرب على الجبهة اللبنانية، إلّا أنَّ تقديم مثل هذه الذرائع يُضعِفُ الموقف اللبناني الرسمي، المدعوم بشريحةٍ واسعة من الرأي العام، الساعي إلى تحييد البلاد عن مواجهةٍ إقليمية مفتوحة.

فلبنان، الذي خبر مرارًا كلفة تحوّله إلى ساحةٍ لتبادُل الرسائل بين القوى الإقليمية والدولية، يُدرِكُ حساسية اللحظة الراهنة. ومع اتساع رقعة المواجهة المباشرة وغير المباشرة من الخليج إلى عموم الإقليم، تبقى المخاوف قائمة من الانزلاق إلى منطق التصعيد المُتعدّد الجبهات.

خلاصةُ المشهد أننا أمامَ حربٍ تتعدّدُ أهدافها وتتباين تصوُّرات أطرافها لمفهوم “التسوية المقبولة”، فيما تسير التحوّلات بوتيرةٍ متسارعة ومتشابكة على مستوى الشرق الأوسط، من دونِ وضوحٍ بشأنِ المسارات التي قد يحملها الغد.

  • الدكتور ناصيف يوسف حتّي هو أكاديمي، مُحلِّل سياسي، ديبلوماسي متقاعد، ووزير خارجية لبنان الأسبق. كان سابقًا المُتَحدِّث الرسمي باسم جامعة الدول العربية ولاحقًا رئيس بعثتها في فرنسا والفاتيكان وإيطاليا، والمندوب المراقب الدائم لها لدى منظمة اليونسكو.
  • يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره في صحيفة “النهار” (بيروت).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى