الذكاءُ الاصطناعي في مُواجَهَةِ الصواريخ: معركةُ الخليج الجديدة
لم تعد حروب الخليج تُقاس فقط بالنفط والممرات البحرية، بل أيضًا بالخوادم ومراكز البيانات. ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى قلب الاقتصاد والأمن، تحوّلت البنية التحتية الرقمية الخليجية إلى جبهة جديدة في الصراع الإقليمي.

محمد سليمان*
عندما استهدفت طائرات مسيّرة إيرانية مركزَي بيانات تابعَين لـ”أمازون” في الإمارات والبحرين مطلع آذار (مارس)، خلال الحرب الأميركية-الإسرائيلية-الإيرانية، سارعت وسائل إعلام كثيرة إلى اعتبار الهجوم ضربة قاضية لطموحات الخليج في مجال الذكاء الاصطناعي. لكن هذا الاستنتاج بدا متسرّعًا، لأنه أغفل الهدف الحقيقي الذي سعت إيران إلى تحقيقه، كما تجاهل أسباب إخفاقها في ذلك. فالهجمات كانت محسوبة وموجَّهة بدقة لإثارة الشكوك حول قدرة دول الخليج، وخصوصًا الإمارات، على بناء بنية تحتية آمنة للذكاء الاصطناعي. غير أنَّ الرسالة لم تُحدِث الأثر المطلوب، إذ لم تتبدّل الأسس التي تقوم عليها الاستراتيجية الخليجية في هذا المجال، كما لم تتراجع خطط دول المنطقة للمضي قدمًا في مشاريعها الرقمية.
تُدرِك طهران أنَّ مراكز البيانات تمثل بالنسبة إلى الخليج أكثر من مجرد استثمارات تقنية؛ فهي جُزءٌ أساسي من رؤيةٍ اقتصادية لما بعد النفط. وعلى مدى السنوات الماضية، كثّفت دول الخليج، وفي مقدمها الإمارات والسعودية وقطر، جهودها لتنويع اقتصاداتها وتقليص الاعتماد على قطاع المحروقات، واضعةً البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في صلب هذه التحوّلات. ولهذا ضُخَّت استثمارات ضخمة في مشاريع الحوسبة والبيانات والتقنيات المتقدمة، من بينها مشروع “ستارغيت الإمارات”، وهو مجمع للذكاء الاصطناعي بقدرة تصل إلى 1 غيغاواط ويضم شركات عالمية كبرى مثل “أوبن آي” (OpenAI) و”أنفيديا” (Nvidia) و”سيسكو” (Cisco) و”أوراكل” (Oracle)، ضمن مشروع أميركي-إماراتي أوسع بقدرة 5 غيغاواط. كما تعمل الإمارات والسعودية وقطر على تطوير قدرات حوسبة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي تتراوح بين 8 و10 غيغاواط، عبر مشاريع وطنية متعددة، بينها مشروع “هيومان” السعودي الذي يستهدف وحده قدرة تصل إلى 1.9 غيغاواط بحلول عام 2030، مع خطط توسع تتجاوز ذلك في المدى الطويل.
كان الرهان الإيراني يقوم على بثّ القلق في أوساط رؤوس الأموال العالمية، ودفع الشركات والمستثمرين إلى طرح سؤال أساسي: هل ما زالت منطقة الخليج بيئة آمنة بما يكفي لاستثمارات الذكاء الاصطناعي الضخمة؟ إلّا أنَّ هذه المقاربة لم تُحقّق هدفها، لأنَّ العوامل التي تستند إليها الاستراتيجية الخليجية بقيت على حالها، ولم تتغير بفعل الحرب.
تبقى الأسس كما هي
لطالما شكّلت الصناعات الاستراتيجية أهدافًا مشروعة في الحروب، ومراكز البيانات ليست استثناءً من ذلك. فهذه المنشآت لم تَعُد مجرد بنية تحتية رقمية، بل أصبحت القلب التشغيلي للاقتصاد المعاصر؛ فيها تُدرََّب نماذج الذكاء الاصطناعي، ومنها تُدار الأنظمة المالية والصحية والأمنية والخدمات الحكومية، كما باتت تؤدي دورًا متزايد الأهمية في العمليات العسكرية الحديثة، من إدارة الخدمات اللوجستية إلى تحليل المعلومات وتحديد الأهداف.
هذا التحوُّل غيَّرَ النظرة التقليدية إلى مراكز البيانات باعتبارها منشآت مدنية بحتة بعيدة من الاستهداف المباشر. فمع الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، أصبحت الحدود بين البنية التحتية المدنية والعسكرية أكثر ضبابية، ما يطرح أسئلة معقدة تتعلق بقوانين الحرب، واستهداف المنشآت ذات الاستخدام المزدوج، والمسؤولية القانونية المرتبطة بها. وهي قضايا لا يزال القانون الدولي نفسه عاجزًا عن حسمها بصورة واضحة.
وقد أظهرت الحرب في أوكرانيا هذا الواقع بوضوح، إذ تعاملت موسكو وكييف منذ البداية مع البنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات بوصفها أهدافًا استراتيجية. ومن هذا المنطلق، يبدو الخليج، الذي يعمل على بناء أحد أكبر تجمّعات الحوسبة والذكاء الاصطناعي خارج الولايات المتحدة والصين، الساحة التالية التي ستواجه هذا النوع من التحديات.
ومع ذلك، لا تبدو دول الخليج مستعدة للتراجع. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مشروعًا تقنيًا عابرًا، بل أصبح جُزءًا أساسيًا من رؤيتها الاقتصادية لما بعد النفط. وتستند هذه الرؤية إلى ثلاث ركائز رئيسة لم تهتز رغم التصعيد العسكري.
- رأس المال: صحيح أنَّ الحرب زادت الضغوط المالية والإقليمية، لكن طبيعة الاستثمارات الخليجية في الذكاء الاصطناعي تختلف عن الاستثمارات التقليدية قصيرة الأجل. فالمشاريع المرتبطة بالحوسبة المتقدمة تتطلّب إنفاقًا يتراوح بين 30 و50 مليار دولار لبناء غيغاواط واحد من القدرة الحاسوبية، وهي استثمارات تقودها صناديق سيادية تنظر إلى القطاع باعتباره رهانًا استراتيجيًا طويل الأمد، لا مجرّد فرصة لتحقيق أرباح سريعة.
ولهذا السبب، لا يؤدي التهديد الأمني بالضرورة إلى الانسحاب، بل قد يدفع إلى تعزيز الاستثمار. فالحرب الروسية على أوكرانيا، على سبيل المثال، لم تؤدِّ إلى انهيار قطاع التكنولوجيا الدفاعية الأوكراني، بل إلى تسريع توسُّعه وزيادة انخراط الشركات الغربية فيه. والأمر نفسه ظهر تاريخيًا في كوريا الجنوبية، عندما دفع تقليص الوجود العسكري الأميركي في أواخر الستينيات سيول إلى إطلاق مشروع صناعي ضخم لبناء قطاعات استراتيجية مرتبطة بالأمن والتنمية معًا.
أما تايوان، فتمثل المثال الأوضح على ذلك. فعلى مدى عقود من التهديدات الصينية المستمرة، لم تغادر الاستثمارات التكنولوجية الجزيرة، بل تطوّر فيها واحد من أكثر قطاعات أشباه الموصلات تطورًا وأهمية استراتيجية في العالم، مدفوعًا جُزئيًا بالضغوط الأمنية نفسها بدلًا من أن يتراجع بسببها.
- الطاقة: في جوهره، الذكاء الاصطناعي هو صناعة قائمة على الطاقة. فعمليات تدريب النماذج المتقدمة وتشغيلها على نطاق واسع تتطلّب كميات هائلة من الكهرباء، وهي كلفة لا تستطيع معظم دول العالم تحمّلها بسهولة. هنا تحديدًا تبرز أفضلية الخليج، الذي يمتلك بعضًا من أرخص مصادر الطاقة وأكثرها وفرة عالميًا، وهي ميزة لم تُغيّرها الضربات الإيرانية.
ومع ذلك، لا يخلو المشهد من المخاطر. فسيناريوهات التصعيد الواسع التي قد تستهدف البنية التحتية للطاقة في المنطقة تبقى مصدر قلق حقيقي. وقد رفعت تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستهداف منشآت الطاقة الإيرانية، إلى جانب احتمالات الرد الإيراني على أصول الطاقة الخليجية، مستوى المخاطر المرتبطة باستقرار الإمدادات الكهربائية وأسعار الطاقة. وإذا تطوّرت المواجهة إلى هجمات مباشرة على محطات الكهرباء أو منشآت الإنتاج، فقد يؤدي ذلك إلى تعطيل مؤقت لقدرة دول الخليج على توفير الطاقة الرخيصة التي تقوم عليها خططها الرقمية.
ورُغمَ أنَّ هذا السيناريو لم يتحقق حتى الآن، فإنَّ الحرب تركت بالفعل آثارًا واضحة على أسواق الطاقة العالمية، مع ارتفاع أسعار النفط وتراجع تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز. لكن المفارقة أنَّ هذا الاضطراب قد يعزز، في المدى الطويل، مبرّرات بناء البنية التحتية التكنولوجية والصناعية داخل الخليج نفسه، بدل نقلها إلى مراكز آسيوية أخرى. فاعتماد الاقتصادات الآسيوية الكبرى على طاقة الخليج قد يدفعها إلى الاقتراب أكثر من مصادر الطاقة والبيانات معًا.
- الموقع الجغرافي: يمتلك الخليج أيضًا ميزة جغرافية يصعب تعويضها في اقتصاد الذكاء الاصطناعي. فمع انتقال القطاع من مرحلة تطوير النماذج إلى مرحلة تشغيلها لخدمة مئات الملايين من المستخدمين، أصبح زمن الاستجابة عاملًا حاسمًا في جودة الخدمات الرقمية. والمقصود بزمن الاستجابة هو الفترة الفاصلة بين إرسال المستخدم طلبًا إلكترونيًا وتلقّيه الاستجابة من النظام، وهي مسألة ترتبط مباشرة بسرعة الشبكات وأداء التطبيقات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.
ومن هذه الزاوية، يتمتع الخليج بموقع مثالي بين جنوب آسيا وشرق أفريقيا وشرق المتوسط. فالمسافة بين الخليج ومومباي، على سبيل المثال، تقارب ألفي كيلومتر فقط، مقارنة بنحو 13 ألف كيلومتر بين الهند والساحل الشرقي للولايات المتحدة. وهذا ينعكس مباشرة على أداء الشبكات، إذ يمكن لمراكز البيانات الخليجية توفير زمن استجابة يتراوح بين 25 و40 مللي ثانية لمستخدمي جنوب آسيا، مقابل 150 إلى 200 مللي ثانية من مراكز البيانات الأميركية.
في عالم الذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت السرعة جُزءًا من جودة المنتج نفسه، يشكل هذا الفارق ميزة استراتيجية حقيقية. وينطبق الأمر أيضًا على أسواق شرق أفريقيا وشرق المتوسط، التي يصعب خدمتها بكفاءة من مراكز بيانات بعيدة في أوروبا أو الولايات المتحدة من دون وجود بنية إقليمية قريبة. ولهذا، يمنح الموقع الجغرافي الخليج أفضلية تنافسية ثابتة، تبدو الحرب عاجزة عن تغييرها.
نوعٌ جديد من الحروب، نقاشٌ حقيقي
هذا لا يعني أنَّ الضربات الإيرانية على مراكز البيانات كانت بلا أثر. فقد حملت دلالات نفسية وسياسية واضحة، وشكّلت لحظة مفصلية قد تعيد صياغة التفكير العالمي في هشاشة البنية التحتية الرقمية ومستقبل الحروب الاقتصادية. وللمرة الأولى، تعطلت خدمات مرتبطة بشركة تقنية أميركية كبرى نتيجة هجوم عسكري مباشر، وهو تطوُّر فتح نقاشًا واسعًا لن يختفي قريبًا.
كما تعرّضت صورة الخليج، التي بُنيت طوال سنوات على فكرة الاستقرار والأمان، لاهتزاز واضح. فاستهداف مواقع حساسة في مدن مثل دبي ترك أثرًا نفسيًا على سكان المنطقة والمستثمرين، خصوصًا أنَّ الخليج اعتُبر لعقود مساحة مستقرة نسبيًا وسط محيط مضطرب. ومع ذلك، فإنَّ هذه السمعة لم تُبنَ خلال سنوات قليلة، بل تراكمت عبر عقود من تجاوز الأزمات والصدمات.
فعلى مدى العقدين الماضيين، نجحت عواصم الخليج في احتواء تداعيات محطات كبرى، من حرب لبنان عام 2006 إلى الأزمة المالية العالمية عام 2008، مرورًا بالهجمات المتقطعة المرتبطة بإيران ووكلائها، وصولًا إلى جائحة كوفيد-19. وفي كلِّ مرة، تمكنت المنطقة من استعادة تدفقات الاستثمار، وأحيانًا تعزيزها. صحيح أنَّ المواجهة الحالية تختلف من حيث طبيعتها واستمراريتها، إذ شهد الخليج للمرة الأولى ضربات مباشرة وممتدة بطائرات مسيّرة وصواريخ استهدفت بنى تحتية حيوية وألحقت أضرارًا بمليارات الدولارات، إلّا أنَّ الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة أظهرت حتى الآن قدرة على الصمود والتكيُّف.
لذلك، لا يبدو الحديث عن انهيار المشروع الخليجي للذكاء الاصطناعي واقعيًا بقدر ما يعكس مبالغة في تقدير أثر الضربات. فالأرجح أن تشهد المنطقة مرحلة تعافٍ بعد انتهاء الحرب، وإن كانت سرعة هذا التعافي ستعتمد على مدة الصراع وقدرة دول الخليج على إعادة بناء منظومات الدفاع والردع بصورة أكثر فاعلية.
وفي هذا السياق، تبدو الضربات الإيرانية بمثابة إنذار مبكر لما قد يحمله المستقبل. فكلما توسعت البنية التحتية الحاسوبية في الخليج، أصبحت أكثر جذبًا لاهتمام القوى الإقليمية والدولية الساعية إلى التأثير في تشغيلها أو التحكُّم بها. ولهذا، لم يعد أمن مراكز البيانات قضية تقنية ثانوية يمكن تأجيلها إلى ما بعد التوسُّع، بل تحوّل إلى جُزء أساسي من الاستراتيجية نفسها.
وهنا تبرز أسئلة جديدة تفرضها طبيعة الصراع الحالي: هل ينبغي التعامل مع مركز بيانات ضخم بالطريقة نفسها التي تُحمى بها المستشفيات أو المنشآت العسكرية؟ وهل تختلف مستويات الحماية المطلوبة بين مركز صغير بقدرة 50 ميغاواط ومجمعات حوسبة عملاقة تصل قدرتها إلى 5 غيغاواط؟
الإجابة لا ترتبط بالحجم وحده، بل بالدور الذي تؤديه هذه المنشآت. فالمراكز الصغيرة قد تخدم شركات محلية أو تطبيقات محدودة، بينما تشكل المراكز الأكبر بنية أساسية للحوسبة السحابية الإقليمية وتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع. أما المجمعات العملاقة، فتقترب تدريجًا من مفهوم “البنية التحتية الاستراتيجية”، لأنها قد تصبح مسؤولة عن تدريب النماذج المتقدمة، وتشغيل القدرات الوطنية للذكاء الاصطناعي، وإدارة خدمات رقمية حيوية تتجاوز حدود الدولة نفسها.
إذا كانت المنطقة تتجه فعلًا نحو بناء بنية تحتية رقمية بهذا الحجم والأهمية، وسط بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، فإنَّ السؤال لم يعد يقتصر على فهم ما حدث، بل على كيفية منع تكراره مستقبلًا. وهذا يتطلب إعادة التفكير في طريقة تصميم وحماية البنية التحتية للذكاء الاصطناعي منذ البداية، لا بعد اكتمال بنائها.
ويشمل ذلك توزيع مراكز البيانات جغرافيًا لتجنُّب تركيز قدرات حوسبة هائلة في موقع واحد سهل الاستهداف، إلى جانب تطوير أنظمة احتياطية للطاقة والتبريد تضمن استمرار التشغيل حتى في حالات الانقطاع الجزئي. كما يتطلب دمج التحصينات المادية والدفاعات السيبرانية ضمن التصميم الأساسي لهذه المنشآت، بدل التعامل معها كإضافات لاحقة.
وفي الوقت نفسه، تبدو الحاجة متزايدة إلى ترتيبات دفاعية أوسع، سواء عبر شراكات ثنائية مع الولايات المتحدة أو ضمن إطار أمني خليجي جماعي، بحيث تُعامل البنية التحتية للحوسبة باعتبارها أصولًا استراتيجية لا تقل أهمية عن منشآت الطاقة التقليدية. وإلى جانب البُعد العسكري، تُدرك دول الخليج أنَّ الحد من احتمالات الهجمات المستقبلية يمرُّ أيضًا عبر معالجة جذور التوتر الإقليمي، من خلال مزيج طويل الأمد من الردع والديبلوماسية، لأنَّ أيَّ مقاربة أحادية لن تكون كافية بمفردها.
لكن خلف هذه المتطلبات المباشرة يبرز تحدٍّ أكبر يتعلّق بشكل منظومات الدفاع المستقبلية. فالحرب الأخيرة أظهرت أنَّ أنظمة الدفاع الحالية تواجه صعوبة متزايدة في التعامل مع الصواريخ والطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة وعالية الكثافة، ما يدفع دول الخليج إلى التفكير في نموذجين أساسيين للحماية.
النموذج الأول يقوم على إنشاء طبقات دفاع جوي مخصصة تحيط مباشرة بمراكز البيانات ومجمعات الحوسبة الكبرى، بدل الاعتماد فقط على المظلة الدفاعية الوطنية العامة. ومع دخول مشاريع ضخمة للذكاء الاصطناعي الخدمة في أبوظبي والرياض والدوحة، تزداد جاذبية هذا الخيار. لكنه يتطلّب إدراج تكاليف الحماية العسكرية ضمن كلفة البنية التحتية الرقمية نفسها، بما يشمل شراء أنظمة دفاع جوي إضافية، وتطوير وسائل اعتراض جديدة مثل الأسلحة الليزرية أو الصوتية، إضافة إلى تحصين المنشآت ماديًا عبر السواتر والإخفاء وإعادة تصميم البيئة المحيطة بها لتقليل فرص الاستهداف.
أما النموذج الثاني، فيتعامل مع مراكز البيانات بوصفها جزءًا من البنية التحتية المدنية الحيوية، على غرار المستشفيات وشبكات الكهرباء والقطاع المالي، بحيث تحظى بالحماية ضمن أنظمة الدفاع الصاروخي الوطنية متعددة الطبقات، من دون تخصيص مظلات مستقلة لها. غير أنَّ هذا الخيار قد يكون أكثر كلفة وتعقيدًا، لأنَّ حماية دولة بأكملها أصعب بطبيعتها من حماية أهداف محددة، كما إنَّ فعاليته تبقى مرتبطة بقدرة الأنظمة الوطنية على اعتراض نسبة مرتفعة من الهجمات الواردة بصورة مستمرة.
وضعت الحرب منظومات الدفاع الخليجية أمام اختبار غير مسبوق، خصوصًا أنَّ البنية الدفاعية القائمة لم تُصمَّم أساسًا لحماية مجمّعات حوسبة عملاقة باتت تُعامَل تدريجًا كأصولٍ استراتيجية. ومع ذلك، أظهرت الأشهر الأولى من المواجهة أنَّ أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي في المنطقة لا تزال قادرة، إلى حد كبير، على الحد من تأثير الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، ما عزز القناعة بأنَّ حماية البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ليست مستحيلة، حتى في بيئة إقليمية شديدة التوتر.
لكن هذا لا يعني أنَّ التحدي محسوم. فسباق التسلح المتسارع في المنطقة، والتطوّر المستمر في قدرات الصواريخ والطائرات المسيّرة، قد يغيّران تدريجًا ميزان الكلفة والفعالية بين المُهاجم والمُدافع، كما يحدث عادة في المنافسات العسكرية طويلة الأمد. ولهذا، لا يبدو أنَّ هناك حلًا واحدًا كافيًا بحد ذاته، فيما لم تتضح بعد الصيغة النهائية التي ستعتمدها دول الخليج وشركاؤها الأميركيون لحماية هذا النوع من البنية التحتية. إلّا أنَّ ما بات واضحًا هو أنَّ التوسع الضخم في قدرات الحوسبة الخليجية يتطلب بناء منظومة حماية موثوقة قبل اندلاع الأزمة المقبلة، لا بعدها.
لا تراجع
رُغمَ الحرب، حافظت دول الخليج على موقف ثابت: لا تراجُع عن مشاريع الذكاء الاصطناعي. فهذه المشاريع لم تعد تُعامَل بوصفها استثمارات تقنية يمكن تأجيلها عند تدهور الأوضاع الأمنية، بل باعتبارها جُزءًا من إعادة صياغة اقتصادات المنطقة في المدى الطويل.
وفي هذا السياق، شدد مسؤولون خليجيون مرارًا على أنَّ الرهان على الذكاء الاصطناعي يرتبط مباشرة بمستقبل ما بعد النفط، وأنَّ الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية الرقمية ستستمر رغم التحديات الأمنية. بل إنَّ بعضَ التقديرات داخل المنطقة يرى أنَّ بيئة أكثر صرامة قد تدفع إلى تسريع البناء وتعزيز معايير الحماية والتطوير بدل التراجع.
في المقابل، تبدو حسابات شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى أكثر تعقيدًا. فهذه الشركات تخضع لضغوط المساهمين والعوائد الفصلية، ولا تملك دائمًا هامش التحمُّل السياسي والمالي نفسه الذي تمتلكه الصناديق السيادية الخليجية. ومع ذلك، فإنَّ طبيعة الشراكات القائمة، حيث تتحمل الحكومات الخليجية جزءًا كبيرًا من التمويل والمخاطر، خففت إلى حد بعيد من تردد الشركات العالمية.
وفي هذا السياق، أكد سفير الإمارات لدى الولايات المتحدة، يوسف العتيبة، في مؤتمر بحثي حول الذكاء الاصطناعي في واشنطن مطلع أيار (مايو)، أنَّ بلاده ماضية في خيارها، قائلًا إنَّ الإمارات “تستثمر بكامل طاقتها في التكنولوجيا الأميركية، ولا تتردد أو تنوّع بعيدًا منها، بل تضاعف رهانها عليها”. وهذا الموقف يعكس قناعة خليجية أوسع بأنَّ بيئة أمنية أكثر صرامة قد تدفع إلى البناء بوتيرة أسرع، وبمعايير حماية أعلى، لا إلى التراجع.
ورُغم أنَّ كثيرًا من عمالقة التكنولوجيا الأميركية التزموا الحذر في مواقفهم العلنية خلال الحرب، فإنَّ المؤشرات داخل القطاع توحي بأنَّ معظم المشاريع مرشح لاستعادة زخمه متى اتضحت الصورة السياسية والأمنية. وفي هذا الإطار، أكدت شركة “بروكفيلد لإدارة الأصول”، وهي من كبار المستثمرين الأميركيين في هذا المجال، أنَّ شراكتها مع جهاز قطر للاستثمار لإنشاء مراكز بيانات بقيمة 20 مليار دولار ستمضي قدمًا.
أثارت الضربات الإيرانية سلسلة واسعة من الأسئلة الأمنية، لكن الإجابة عنها لا تتعلق بالاعتبارات العسكرية وحدها، بل أيضًا بالكلفة والجدوى الاقتصادية. فالبنية التحتية التي ستُبنى في نهاية المطاف يجب أن تقوم على توازن واقعي بين المخاطر والعائدات والأهمية الاستراتيجية، بما يسمح لدول الخليج وشركائها الأميركيين وشركات الحوسبة السحابية العملاقة بتحديد مستوى الحماية المطلوب من دون تحويل المشاريع إلى استثمارات غير قابلة للاستدامة. فحتى أكثر المشاريع طموحًا لن تستمر إذا فقدت جدواها الاقتصادية. ولهذا، لم يعد ممكنًا التعامل مع الأمن باعتباره عنصرًا إضافيًا يُعالج لاحقًا، بل بات جُزءًا أساسيًا من تصميم البنية التحتية منذ البداية.
ومع ذلك، لم تتغير الركائز الأساسية التي يقوم عليها مشروع الذكاء الاصطناعي الخليجي. فرؤوس الأموال السيادية لا تزال متوافرة وتعمل بمنطق استثماري طويل الأمد، والطاقة ما زالت رخيصة ووفيرة، كما إنَّ الموقع الجغرافي للخليج يحتفظ بأفضليته الاستراتيجية بين آسيا وأفريقيا وشرق المتوسط. وفي الوقت نفسه، يواصل الطلب على خدمات الحوسبة والذكاء الاصطناعي النمو بوتيرة تتجاوز قدرة الأسواق الحالية على تلبيته، من جنوب آسيا إلى شرق أفريقيا وصولًا إلى منطقة المتوسط. وهذه معطيات لم تغيّرها الحرب ولا الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة.
لكن ما تغيّر فعلًا هو طريقة التفكير في حماية البنية التحتية الرقمية. فقد دفعت الضربات الأخيرة إلى فتح نقاش أوسع حول طبيعة الدفاع المطلوب في عصر أصبحت فيه مراكز البيانات جزءًا من الأمن القومي والاقتصادي في آن واحد. وربما كان هذا النقاش متأخرًا، لكنه يأتي في توقيت حاسم، فيما لا يزال مشروع التوسع الخليجي في الذكاء الاصطناعي في طور البناء، لا بعد اكتماله.
- محمد سليمان هو محلل سياسي وزميلٌ بارز في معهد الشرق الأوسط في واشنطن.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.