حربُ ترامب على إيران… كيفَ تحوَّلت “الحرب القصيرة” إلى مأزقٍ مفتوح؟

راهنت واشنطن على التفوق العسكري والتكنولوجي لحسم المواجهة مع إيران بسرعة، لكن الحرب كشفت حدود القوة الأميركية حين تعجز الضربات الخاطفة عن فرض نتائج سياسية حاسمة. وبين رهانات الردع وواقع الاستنزاف، وجدت إدارة ترامب نفسها أمام أزمة أكثر تعقيدًا مما توقعت.

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث: وصف عملية عسكرية استمرت شهرين فقط بأنها مستنقع يعكس “انهزامية” ويخدم دعاية خصوم أميركا.

لورانس فريدمان*

لسنوات، دأب الرئيس الأميركي دونالد ترامب على انتقاد أسلافه بسبب إدخال الولايات المتحدة في ما وصفه بـ”الحروب الأبدية” في الشرق الأوسط. لكن حربه مع إيران تبدو اليوم أكثر تعقيدًا مما توقع، إذ يواجه صعوبة متزايدة في إخراج واشنطن من صراع تتزايد المؤشرات على أنه قد يندم على خوضه.

وخلال عطلة نهاية الأسبوع، أكد ترامب أنَّ اتفاقًا لإنهاء المواجهة مع إيران وإعادة فتح مضيق هرمز بات “شبه منجز”، مشيرًا إلى أنَّ المفاوضات قطعت شوطًا كبيرًا. كما تحدث مسؤولون إيرانيون عن قرب التوصل إلى مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة تتضمّن وقف القتال ورفع الحصار البحري الأميركي. غير أنَّ تفاصيل الاتفاق بقيت غامضة، فيما بدا الطرفان بعيدَين من التفاهم حول ملفات أساسية، أبرزها البرنامج النووي الإيراني ومدى استعداد طهران لتقديم تنازلات عاجلة بشأنه.

وسرعان ما تبددت أجواء التهدئة. ففي 25 أيار (مايو)، نفذت القوات الأميركية غارات على أهداف في جنوب إيران، ما دفع الحرس الثوري الإيراني إلى التهديد بالرد، لتعود الشكوك مجددًا حول مستقبل المفاوضات وفرص تثبيت وقف إطلاق النار المعلن.

وأعادت هذه المواجهة إلى الواجهة ذكريات التدخلات العسكرية الأميركية السابقة في المنطقة. ففي جلسات استماع عقدها الكونغرس أواخر نيسان (أبريل)، وصف النائب الديموقراطي جون غارامندي الحرب مع إيران بأنها “مستنقع” و”كارثة سياسية واقتصادية”. في المقابل، رفض وزير الحرب بيت هيغسيث هذه الانتقادات بشدة، معتبرًا أنَّ وصف عملية عسكرية استمرت شهرين فقط بأنها مستنقع يعكس “انهزامية” ويخدم دعاية خصوم الولايات المتحدة.

ربما لم تكن عبارة “المستنقع” الوصف الأدق لهذه الحرب. فالمصطلح يرتبط في الذاكرة الأميركية بحرب فيتنام، حين غرقت القوات الأميركية لسنوات في نزاع مفتوح بلا أفق واضح. كما إنَّ المواجهة مع إيران لا تبدو نسخة جديدة من “الحروب الأبدية” التي أعقبت الغزو الأميركي لأفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003. فالقادة الأميركيون، الذين ما زالوا يحملون إرث تلك التجارب الثقيلة، باتوا أكثر تردُّدًا في الزج بقوات برية كبيرة في نزاعات قد يصعب الخروج منها.

وبدلًا من التدخل المباشر على الأرض، تعتمد واشنطن في صراعها الحالي مع إيران على الضربات الصاروخية والقوة الجوية وأنظمة التسليح المدعومة بالذكاء الاصطناعي. لكن هذا النوع من الحروب يجعل استخدام القوة أقرب إلى أداة ضغط وإكراه، هدفها دفع الخصم إلى الرضوخ سياسيًا وعسكريًا، لا السيطرة الكاملة على الأرض كما حدث في اجتياح بغداد وإسقاط نظام صدام حسين.

وتكمن مُعضِلة إدارة ترامب في أنَّ النظام الإيراني ما زال يرفض الاستجابة لشروط واشنطن، وهو ما ظهر بوضوح خلال جولات التفاوض الأخيرة. وحتى الآن، لا تبدو الولايات المتحدة قادرة على فرض استسلام سياسي على طهران. كما إنَّ تصريحات وزير الحرب بيت هيغسيث لم تنجح في حجب حقيقة أنَّ الأهداف الرئيسة لعملية “الغضب الملحمي”، وفي مقدمتها تغيير النظام الإيراني وإنهاء برنامجه النووي، لم تتحقق. ومع إغلاق إيران لمضيق هرمز، بدا المشهد الإقليمي أكثر توترًا مما كان عليه قبل انطلاق العملية العسكرية.

ورُغم أنَّ تحرُّكَ ترامب قد لا يتحوّل إلى حرب طويلة الأمد، فإنه أخفق حتى الآن في تحقيق أهداف “الحرب القصيرة”. فعملية “الغضب الملحمي” لم تنتج الحسم السريع الذي تحدث عنه قادتها، وهو ما يعيد إلى الواجهة ما يمكن وصفه بـ”مغالطة الحرب القصيرة”، أي الاعتقاد بأنَّ التفوُّق العسكري والتكنولوجي كفيل بإسقاط الخصم سريعًا عبر ضربة أولى خاطفة وعنيفة.

وقد برز هذا التصور في حروب حديثة عدة، من الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 إلى الحملة الأميركيةـالإسرائيلية على إيران هذا العام، حيث راهنت القوى الكبرى على أنَّ السرعة والقوة النارية الهائلة ستصيب الخصم بالشلل وتفرض نصرًا سريعًا. ويزيد الذكاء الاصطناعي من جاذبية هذا الرهان، عبر الوعد بتسريع اتخاذ القرار وإدارة العمليات العسكرية بوتيرة غير مسبوقة.

لكن التجارب الأخيرة أظهرت أنَّ الحروب نادرًا ما تُحسَم بهذه البساطة. فكما اصطدمت روسيا بواقع مختلف في أوكرانيا، تواجه واشنطن اليوم المأزق ذاته في إيران، بعدما ركزت بشكل مفرط على أدوات القوة العسكرية، من دون تصوُّرٍ واضح لكيفية ترجمة هذه القوة إلى أهداف سياسية قابلة للتحقيق.

طريقٌ مسدود

وخلال مؤتمر صحافي عُقد في 8 نيسان (أبريل) مع دخول وقف إطلاق النار حيِّز التنفيذ، سعى هيغسيث إلى تقديم العملية العسكرية باعتبارها نجاحًا كاملًا، مؤكدًا أنَّ إيران “توسّلت” من أجل وقف القتال، وأنَّ عملية “الغضب الملحمي” حققت “نصرًا تاريخيًا ساحقًا”. غير أنَّ الوقائع على الأرض بدت بعيدة من هذا التوصيف.

فإيران لم تتصرّف كدولةٍ مهزومة، بل كطرفٍ يسعى إلى استثمار الحرب لتحسين موقعه التفاوضي وتعزيز تماسكه الداخلي. وبعد نحو شهرين على انطلاق العمليات، لم تتمكن الحملة الأميركية من تحقيق أهدافها السياسية المعلنة، فيما بدا التهديد المتكرر باستئناف الضربات، والذي سبق هجمات 25 أيار (مايو)، عاجزًا عن تقديم مسار واضح لتغيير المعادلة القائمة.

وعلى عكس التوقّعات الأميركية بانهيار النظام الإيراني أو إضعافه جذريًا، أفضت الحرب إلى نتيجة معاكسة نسبيًا، إذ استغلَّ المتشدّدون داخل الحرس الثوري حالة المواجهة لتشديد قبضتهم على مؤسسات الدولة والمجتمع. وفي الوقت نفسه، تحوّل مضيق هرمز إلى بؤرة ضغط عالمية، بعدما أصبح عمليًا خارج الخدمة بفعل التصعيد العسكري والإجراءات المتبادلة.

ورغم أنَّ الحصار البحري الأميركي على السفن المرتبطة بالموانئ الإيرانية حدّ من قدرة طهران على استثمار إغلاق المضيق بشكل كامل، فإنَّ تداعيات الأزمة انعكست مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة. وفي هذا السياق، واصل ترامب الدفاع عن الحرب بوصفها ثمنًا ضروريًا لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، خصوصًا بعدما أعلن سابقًا أنَّ الضربات التي استهدفت منشآت تخصيب اليورانيوم في حزيران (يونيو) 2025 “دمّرت” البرنامج النووي الإيراني.

لكن المفارقة تكمن في أنَّ واشنطن لا تبدو اليوم أقرب إلى تحقيق هذا الهدف مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، حين كانت المفاوضات حول تقييد برنامج التخصيب الإيراني لا تزال مطروحة بجدية على الطاولة. فالحملة العسكرية، بدل أن تحسم الملف، أعادت تعقيده وربطته بمواجهة إقليمية أوسع وأكثر كلفة.

في المقابل، لا يعني صمود إيران أنَّ وضعها الداخلي مستقر أو مريح. فالاقتصاد الإيراني يعاني أزمة عميقة، والخدمات الأساسية بالكاد تصل إلى السكان، فيما يعتمد النظام بشكل متزايد على القبضة الأمنية للحفاظ على بقائه. وقد منحت أجواء الحرب السلطات الإيرانية فرصة لتعزيز سيطرتها الداخلية، إلّا أنَّ ذلك لا يلغي حجم الضغوط التي يواجهها النظام أو تراجع شعبيته. ولهذا، فإنَّ بقاءه لا يعني بالضرورة قوته، كما إنَّ احتمالات تآكله الداخلي تبقى قائمة، حتى لو استغرق انهياره سنوات لا أشهرًا.

غير أنَّ مُعضِلة ترامب الأساسية تتمثل في عامل الوقت. فكلما طال أمد الأزمة، تصاعدت كلفة إغلاق مضيق هرمز على الاقتصاد الأميركي والعالمي، وازدادت الضغوط التضخمية التي بدأت تنعكس على الأسواق والطاقة وسلاسل الإمداد. وبينما يسعى الرئيس الأميركي إلى الخروج من هذا المأزق سريعًا، فإنه يحتاج إلى تنازلات إيرانية عاجلة تبرّر للرأي العام قرار الذهاب إلى الحرب.

لكن طهران لا تبدو مستعدة لتقديم مثل هذه التنازلات، لأنها تنظر إلى الصراع باعتباره معركة وجودية تمس بقاء النظام نفسه، لا مجرد نزاع سياسي قابل للتسوية السريعة. ومن هنا، تبدو المفاوضات بين الطرفين أقل ارتباطًا بالتفوق العسكري المباشر، وأكثر خضوعًا لقدرة كل جانب على تحمّل الضغوط الاقتصادية والاستنزاف طويل الأمد، وهي معادلة لا تبدو مريحة لواشنطن في المدى البعيد.

ورُغمَ أنَّ المواجهة مع إيران قد لا تتحوّل إلى حربٍ دائمة بالمعنى التقليدي الذي يقلق صنّاع القرار في واشنطن، فإنَّ ذلك يعود أساسًا إلى أنَّ الولايات المتحدة لم تنخرط فيها بقوات برية كبيرة. غير أنَّ الرهان الأميركي على التفوُّق الناري والتكنولوجي لتحقيق حسم سريع، وتجنُّب تكرار إخفاقات العراق وأفغانستان، قاد في النهاية إلى مأزق مختلف. فواشنطن، التي سعت إلى تجنُّب “الحروب الأبدية”، وجدت نفسها أسيرة “مغالطة الحرب القصيرة”، في أزمة تبدو إلى حد بعيد من صنعها.

سجلٌ للدمار

يعكس تصميم وتنفيذ عملية “الغضب الملحمي” مدى اقتناع البنتاغون بأنَّ التفوُّق العسكري الكاسح كفيل بتحقيق نصر سريع وحاسم. وخلال عرض تفاصيل الحملة، ركز وزير الدفاع بيت هيغسيث ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين بصورة متكررة على حجم الأهداف التي استهدفتها القوات الأميركية وسرعة تنفيذ الضربات.

وفي خطاب ألقاه في 9 نيسان (أبريل)، قدّم كين ما يشبه جردة عسكرية للعمليات، متحدِّثًا عن استهداف نحو 13 ألف هدف، وتدمير 80 في المئة من الدفاعات الجوية الإيرانية، إلى جانب ضرب مئات المنشآت الخاصة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، فضلًا عن تدمير أكثر من ألفي مركز قيادة وتحكُّم.

وفي المؤتمر الصحافي نفسه، تعامل هيغسيث مع هذا الحجم من الدمار باعتباره دليلًا كافيًا على الانتصار. وربما كان هذا التقييم مقنعًا لو أنَّ الهدف اقتصر على إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية أو تصفية جزء من القيادة السياسية والعسكرية. لكن الواضح أنَّ إدارة ترامب كانت تطمح إلى نتائج أبعد بكثير، تتعلق بتغيير سلوك النظام الإيراني وربما إضعافه إلى حدٍّ يُهدّد بقاءه.

إلّا أنَّ طهران كانت قد استعدت لمثل هذا السيناريو. فرُغمَ أنَّ حجم عمليات الاغتيال التي استهدفت قادة إيرانيين شكّل مفاجأة للنظام، فإنَّ مؤسسات الدولة كانت قد وضعت ترتيبات مُسبقة لضمان استمرارية القيادة والسيطرة. وتم قطع الإنترنت سريعًا، فيما وضعت الأجهزة الأمنية وقوات القمع في حالة استنفار تحسُّبًا لأيِّ احتجاجات داخلية قد تستغل الحرب لإشعال تمرد ضد السلطة.

وفي الوقت نفسه، تلقى القادة العسكريون الإيرانيون تعليمات واضحة بتوسيع نطاق الرد، ليس فقط عبر استهداف إسرائيل، بل أيضًا من خلال تهديد مصالح حلفاء الولايات المتحدة في الخليج وتحويل مضيق هرمز إلى منطقة عالية الخطورة بالنسبة إلى الملاحة التجارية الدولية.

ورُغمَ أنَّ إيران لم تلحق دمارًا يوازي ما أحدثته الولايات المتحدة وإسرائيل، فإنَّ استراتيجيتها حققت، من الناحية السياسية، قدرًا مماثلًا من الفعالية. فالنظام بقي متماسكًا، واستمرت الهجمات الصاروخية، كما نجحت طهران في خلق أزمة اقتصادية دولية عبر تهديد حركة الطاقة والتجارة العالمية.

وفي ظلِّ رفض واشنطن الانزلاق إلى تدخُّل بري واسع، خوفًا من الوقوع في مستنقع عسكري طويل، بدا الرد الإيراني كافيًا لفرض نوع من التوازن مع خصمين يتفوّقان عليها عسكريًا بشكل كبير. وهنا تحديدًا ظهرت حدود القوة الأميركية: القدرة على التدمير لم تتحوّل إلى قدرة على فرض نتيجة سياسية حاسمة.

وقد وجدت إدارة ترامب صعوبة متزايدة في فهم منطق هذا المشهد، إذ بدا لها أنَّ إيران، رُغمَ إنهاكها الاقتصادي والعسكري، لا ترى سببًا يدفعها إلى الاستسلام. وفي المدى القصير على الأقل، ما زالت طهران قادرة على التفاوض من موقع يسمح لها بالمناورة. أما نقطة ضعفها الأساسية، فتظل في أزمتها الاقتصادية العميقة وحالة السخط الشعبي المتنامية داخل البلاد.

براعة تكتيكية، فشل استراتيجي

تمنح القوة العسكرية الهائلة أصحابها شعورًا بأنَّ الحروب يمكن أن تُحسَم بسرعة وبأقل كلفة ممكنة، لكن التجارب الحديثة تُظهر أنَّ الواقع غالبًا أكثر تعقيدًا. وقد شكّل الغزو الروسي لأوكرانيا مثالًا واضحًا على حدود هذا التصور، بعدما تحولت العملية التي كان يُفترض أن تكون خاطفة إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة.

أما في الحالة الأميركية، فقد برز درسٌ إضافي يتعلّق بطبيعة التفكير العسكري السائد داخل البنتاغون. فالعقيدة القتالية الأميركية باتت تقوم بصورة متزايدة على إرباك الخصم عبر عمليات معقدة وسريعة الإيقاع، تُنفذ فيها ضربات متزامنة ضد عدد كبير من الأهداف خلال وقت قياسي. ومع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي بقوة إلى ساحة العمليات، تعزز هذا النهج أكثر، إذ أصبحت الجيوش قادرة على تقليص الزمن الفاصل بين رصد الهدف وتدميره، وتنفيذ هجمات واسعة النطاق بوتيرة غير مسبوقة.

لكن هذا التركيز المكثف على السرعة والقدرة التدميرية أدى، في المقابل، إلى تراجع الاهتمام بالسؤال الأهم في أي حرب: كيف يمكن تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية مستقرة ودائمة؟

وفي هذا السياق، وقعت إدارة ترامب في الخطَإِ التقليدي المتمثل في التقليل من شأن الخصم. فقد افترض المسؤولون الأميركيون أنَّ إيران لن تتمكن من الصمود بعد الضربات الأولى، وأنَّ النظام سيتجه سريعًا نحو التراجع أو تقديم تنازلات كبيرة. لكن واشنطن لم تُعطِ اهتمامًا كافيًا لاحتمال أن يرفض النظام الإيراني الاستسلام، كما لم تُقدّر بالكامل الأدوات التي تستطيع طهران استخدامها لإلحاق الضرر بالمصالح الأميركية وحلفائها.

صحيح أنَّ الردَّ الإيراني على الضربات المحدودة التي استهدفت منشآت نووية في حزيران (يونيو) 2025 بدا في بدايته حذرًا ومدروسًا، إلّا أنَّ البنتاغون أخطأ حين اعتبر أنَّ هذا السلوك سيستمر حتى في حال شعور النظام بأنَّ بقاءه نفسه بات مُهدَّدًا. فمنذ سنوات طويلة، يدرك المخططون العسكريون الأميركيون أنَّ أحد الخيارات الأساسية التي قد تلجأ إليها إيران في حال تعرُّضها لضغط وجودي هو إغلاق مضيق هرمز. ومع ذلك، بدا أنَّ الإدارة الأميركية راهنت على أنَّ هذا السيناريو لن يتحوَّل إلى أزمة حقيقية، انطلاقًا من اعتقادها بأنَّ الحرب ستكون قصيرة أصلًا.

وهكذا، لم تنجح الكفاءة التكتيكية الأميركية في إنتاج نجاح استراتيجي واضح. ففي بعض الحالات، قد تحقق العمليات السريعة أهدافها المحدودة بالفعل، كما حدث في العملية الأميركية التي استهدفت كاراكاس لاختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في كانون الثاني (يناير)، حيث انسجمت الوسائل العسكرية مع الهدف السياسي المحدود للعملية. لكن كلما أصبحت الأهداف أكبر وأكثر طموحًا، ازدادت صعوبة تحقيق هذا التوازن.

لقد رسّخت العقيدة العسكرية الأميركية، خلال العقود الأخيرة، فكرة أنَّ الضربة السريعة والعنيفة كفيلة بإسقاط الخصم وإجباره على الاستسلام. وجاء الذكاء الاصطناعي ليمنح هذا الاعتقاد مزيدًا من الزخم والثقة. غير أنَّ الحروب الأخيرة، من أوكرانيا إلى إيران، قدّمت مؤشرات معاكسة تدعو إلى قدر أكبر من الحذر.

فحين تمتنع القوى الكبرى عن استخدام قوات برية واسعة، خصوصًا في مواجهة خصوم يمتلكون قدرة على الصمود، يبقى الطرف المستهدف قادرًا على مواصلة المقاومة وابتكار وسائل للرد، حتى وهو في وضع ضعيف. وإذا أخفقت الضربات الأولى في تحقيق الحسم، تصبح خيارات الخروج من الحرب محدودة وغير مريحة سياسيًا.

وفي مثل هذه الحالات، لا يكون أمام الدولة الأقوى سوى العودة إلى طاولة المفاوضات بحثًا عن تسوية مع الخصم نفسه، مع ما يرافق ذلك من تنازلات وضغوط متبادلة، بدل فرض شروطها بصورة أحادية كما كانت تتوقع في البداية.

ولهذا، تبدو التجربتان الأوكرانية والإيرانية بمثابة تحذير واضح لأيِّ قائدٍ يُعرض عليه سيناريو يعد بحرب سريعة وسهلة. فالسؤال الأهم لا ينبغي أن يكون فقط: كيف سيتحقق النصر؟ بل أيضًا: ماذا لو لم تسر الأمور كما هو مخطط لها؟

  • لورانس فريدمان هو أستاذ فخري لدراسات الحرب في كلية كينغز كوليدج لندن. وهو مؤلف كتاب “حول الاستراتيجيين والاستراتيجية: مقالات مختارة 2014-2024” ومؤلف مشارك في كتاب “تحرير التعليقات على سابستاك”.
  • يصدُرُ هذا المقال بالعربية في “أسواق العرب” توازيًا مع صدوره بالإنكليزية في “فورِن أفّيرز” الأميركية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى