اغتيالٌ نَمَطي
رشيد درباس*
الجنون أن تُكرر الفعل نفسه
وتتوقع نتائج مختلفة
ألبِرت أَينشتاين
ما يمضّ العقل والفطنة قبل القلب، أن تتكرّرَ عملية اغتيال كبار قادة المُمانعة بالنمط ذاته والوسائل نفسها، وكأنَّ قدرهم الاستسلام لما هو مُتَوَقَّع ومُنتَظَر. وما يُثيرُ الدهشة أن يكون الاغتيال مدعاة تبريك وتهنئة وارتقاء إلى الشهادة، كأنما العدو هو مقاول يتعهّد نقل الشهداء إلى السماء.
لم يَكُفّ دونالد ترامب عن تهديد المرشد الإيراني، الذي كان نقطة الارتكاز لنظامٍ قام برصِّه على مقاسه مدى ثلاثين سنة، ورُغمَ هذا فلم يتَّعظ أمنه بسوابق اغتيال اسماعيل هنية وحسين سلامي وكبار العلماء الإيرانين، بالإضافة إلى عملية اغتيال السيد حسن نصر الله التي تكرّرت بتفاصيلها مع السيد هاشم صفي الدين وغيرهما من المسؤولين.
بل إنَّ ما يُثيرُ الاستغراب أنَّ المرشد الأعلى علي خامنئي قد اتخذ ترتيبات مسبقة لتأمين سلطة انتقالية فكأنه بذلك أعلن خسارته للحرب قبل إطلاق أول رصاصة.
إنَّ مَن يُتابع هذه الأحداث لا يفوته أنَّ مَن تُسَجِّلُ النقاط وتجني الأرباح الإقليمية هي إسرائيل بما يورث النفوس وجلًا حقيقيًا لدى اللبنانيين على الأخص، من أنَّ “حزب الله” الذي يُبرّرُ تمسُّكه بسلاحه بحماية لبنان، يرونه عاجزًا عن حماية قادته وأفراده، والأرض التي كانت حقل تماس مع العدو؛ ويتحوَّل الوجل إلى رَوْعٍ عندما يرون أنَّ مدى المقاومة الاستراتيجي وسندها المادي والروحاني، أي الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تفقد قائدها وولي أمرها في الغارة الأولى.
وإذا أردنا أن نستطرد لَحَقَّ لنا القول إنَّ سلوك الحكم الإيراني جعل العرب كلهم في مرمى خطرَين، الأول هو الطمع الإسرائيلي، والثاني يتمثل “بنفثات” الصواريخ التي انصبت على دول الخليج والاردن، بحجة استهداف قواعد أميركية، فيما تمَّ تجاهل هذه القواعد في تركيا بصورة فاقعة.
المتابع للحملة الأميركية-الإسرائيلية على إيران، يلاحظ بوضوح أنَّ الخطط الموضوعة تستهدف البنى القمعية من حرس ثوري و”باسيج”، مع فتحِ بابٍ مُوارِب لمفاوضاتٍ آخرها الإذعان إن لم نقل الاستسلام، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه ربما كانت هناك مراهنة على تفسّخات قومية وإثنية ومذهبية في كيان الدولة الفارسية، مع ما تنطوي عليه هذه المراهنة من احتمال تفشّي بؤر النزاعات من ألوان وأشكال شتى.
انفطرت قلوب اللبنانيين وهم يشاهدون الأشقاء في دول الخليج يتعرّضون لإرهابٍ صاروخي غير مُبرَّر، وربما خفّف روعهم ما شاع عن أنَّ “حزب الله” أبلغ الرئيس نبيه بري بأنه لن يُورِّطَ لبنان في هذه المحرقة، إلى أن انطلقت ستة صورايخ من لبنان ما كادت تخدش صخرة وراء الحدود، حتى انهمر التربُّص الإسرائيلي بكل جبروته ووحشيته، ينزل دمارًا مستدامًا، واغتيالًا نمطيًا مكررًا، بما يشي أنَّ الآمر بالإطلاق ينصاع لغريزته كمن لا يرجو هداية ولا رَشَدا.
يجوز لنا شرعًا أن نقول لقيادة الحزب بملء الصراحة إنَّ مشاعر الغالبية العظمى من اللبنانيين تنظر إليهم منذ العام 2006 كمؤسّسة تعهّدات تأخذ على عاتقها إبقاء لبنان على صفيح ساخن، فلا يستقر على أمان ولا يستبشر بدولة.
عليهم أن يعرفوا أنَّ خيالهم اتسع وجمح حتى أنزلنا إلى ضيق الواقع الدموي والمُذل، فبات أهل الجنوب وأهل الضاحية ضحايا تهجير مُتكرّر ومُعاناة مُزمِنة، لا ينفع فيه تمويه ولا خطبة حماسية؛ كنا نظن أنَّ حربَ الإسناد الأولى التي كانت أفضل ظروفًا من هذا “الإسناد” الثاني، سَتُعَلِّم مَن يجب أن يتعلّم أنَّ لا بُدَّ من تغيير أسلوب المواجهة، والذهاب إلى ابتكارٍ عقلاني، وحماية دولة لبنان بوحدة شعبه، وتجنيبها العدوان والتفكيك والقضم والاستباحة، ولكن على ما يبدو أنَّ “الممانعة” ممتنعة عن الاتِّعاظ بدروس الكوارث، وعن إعادة النظر، وعن مراعاة مصالح شعبها، علمًا أنَّ كلمة مُمانعة لا تعني لغويًا الشجاعة والإقدام، بل إنَّ تفسيرها الحرفي هو (عدم القبول)، ولذلك فإنَّ معظم الشعب اللبناني هو “شعبٌ مُمانع” لأنه مُتمسّك جدًا بعدم قبول سياسة تُؤرجحه بين خوفٍ وخوف وتهجيرٍ وتهجير.
استيقظ اللبنانيون صباح الإثنين على دوي الانفجارات، ومشاهد الدم والدمار، مصحوبًا بموقفين لرئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نوّاف سلام يتقاطعان على إدانة ذلك الخروج الفاقع على المصالح الوطنية، وجرت بالتالي الدعوة إلى اجتماع عاجل لمجلس الوزراء الذي خرج ببيانٍ نوعي يسمِّي الأشياء بأسمائها ويُحمّلُ “حزب الله” المسؤولية بصراحة ويصنّف أعماله العسكرية والأمنية خروجًا على القانون، ويكلف الجيش اللبناني وقوى الأمن بتنفيذ القرارت، بما فيها إلزامه بتسليم سلاحه الأمر الذي يعني أنها لا تعده بعد الآن مقاومة بل حزبًا سياسيًا فقط.
لقد شرح البيان مدى الأخطار، ذلك أنَّ الدولة في هذه المرحلة أشبه بزورقٍ مُتصدّع في إعصارٍ لئيم، وسط مرحلةٍ لا يجوز فيها إلّا الإمساك الحازم بالأزِمَّةِ والأشرعة، فلا وقت أمام الرباّن والبحّارة إلّا الاهتمام بهذا، ولا مجال أمام الركّاب سوى حثّ هؤلاء على إيصال المركب إلى مَلجَإٍ آمن الاتِّقاء، كي لا تُحوَّلنا الأمواجُ فرائس لأشداقها.
- رشيد درباس هو وزير لبناني سابق يعمل بالمحاماة، كان سابقًا نقيبًا لمحامي شمال لبنان.
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره في صحيفة “النهار” (بيروت).



