النظامُ النفطي الجديد: أرامكو، أميركا والمُثَلَّثُ الصيني المُضطَرِب
كابي طبراني*
مَن يُسَيطرُ على صناعةِ النفط العالمية؟ لعلَّ الإجابة طوال معظم القرن العشرين كانت واضحة: “الأخوات السبع”*، ذلك الكارتل الغربي الضيّق من الشركات الذي احتكرَ كلَّ شيءٍ من منصّاتِ الحفر إلى محطّات الوقود. لقد أتقنت هذه الشركات فنَّ “التكامُل الرأسي”*، فسيطرت على النفط من رأس البئر حتى المضخّة، تاركةً للدولِ المُنتجة بعضَ الفتات. لكن إمبراطوريتها ما لبثت أن تصدّعت بفعل ثورتَين: الأولى، قرارُ الاتحاد السوفياتي بتأميم نفطه بعد العام 1917 وتصديره بشروطه الخاصة؛ والثانية، نشأة منظمة الدول المُصدّرة للنفط (أوبك) وموجة التأميمات في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، والتي منحت المنتجين مقعدًا على طاولة المفاوضات.
واليوم، تبدو الصورة مختلفة تمامًا. “الأخوات السبع” لم تختفِ، لكنها لم تَعُد وحدها على المسرح. هناك لاعبون جدد: شركاتُ النفط الوطنية. ولا أحدَ يُجسّدُ ذلك أفضل من شركة أرامكو السعودية. بقيمةٍ سوقية تبلغ 1.7 تريليون دولار وأرباحٍ تجاوزت 50 مليار دولار في النصف الأول من العام 2025، أرامكو ليست مجرّد شركة نفط، إنها إمبراطورية مُتنَكِّرة في هيئة شركة. تنتجُ النفط الخام بكميات هائلة أكثر من أيِّ شركة أخرى، لكن الأهم من ذلك أنها أعادت صياغة كتاب قواعد “الأخوات السبع” ووسّعته. فهي اليوم تُكرّرُ وتَشحَنُ وتُسَوّقُ وتُوزِّع النفط والوقود في كلِّ القارات تقريبًا، وتصنعُ البلاستيك والمطّاط الاصطناعي، وتمتلكُ خطوطَ أنابيب ومجمّعات بتروكيماوية وحصصًا في مصافٍ آسيوية. وعندما يتحدّثُ المحلّلون عن “التكامُل الرأسي”، تكاد كلمة “أرامكو” تكون المَدخَلَ إلى القاموس.
وهذا في الواقع ما يجعل أرامكو ركيزةَ ما يُسميه أستاذ الاقتصاد السياسي والتنمية العالمية في جامعة إكستر، آدم هَنيّة، “محور الهيدروكربونات شرق–شرق”: التدفّقات الكثيفة من النفط الخام والمنتجات المُكرَّرة التي باتت تربط الخليج بشرق آسيا بشكلٍ أوثق أكثر من أي وقت مضى. لم تَعُد الصين واليابان وكوريا الجنوبية مجرّدَ دولٍ مُشتَرية، بل شريكة في مشاريع عملاقة تضمنُ الطلب لعقود. في هذا النطاق، يتجاوَزُ نفوذُ أرامكو في بعض الأحيان نفوذَ “إكسون موبيل” أو “شل”، اللتين تبدوان أقرب إلى لاعبتَين إقليميتَين مُقارنةً بها.
ومع ذلك، وعلى الرُغم من صعود هؤلاء العمالقة الجدد، فإنَّ الولايات المتحدة ما زالت تتربّعُ في قلب النظام. هَيمنةُ واشنطن لا تُقاسُ بعددِ البراميل المُنتَجة، رُغم أنها اليوم أكبر منتج في العالم، بل تُقاسُ بالقوّة الناعمة للدولار، والقوّة الصلبة لحاملات الطائرات، والعضلات المؤسّسية لوول ستريت. لا يزالُ النفطُ يُسعّرُ بالدولار. ولا تزالُ الصناديق السيادية الخليجية مربوطة بالأسواق الأميركية: فصندوق أبوظبي السيادي وحده يحتفظ بأكثر من نصف محفظته بأصولٍ دولارية. أما سوق الأسلحة الأميركية فما زالت تتدفق بغزارة: بين 2020 و2024 ذهب خُمس مبيعات الأسلحة العالمية إلى الخليج، فيما استوردت المملكة العربية السعودية ثلاثة أرباع أسلحتها من الولايات المتحدة. وهذا ليس دفاعًا فحسب، بل هو الغراء الذي يَربُطُ علاقةً استراتيجية يُصبحُ فيها النفط والأمن وَجهَين لعملةٍ واحدة.
على النقيضِ من ذلك، فإنَّ الصين تَعرُضُ التجارة والاستثمار والتكنولوجيا، لكنها لا تُقدّمُ الحماية. فهي لا تستطيعُ تسييرَ طائراتها فوق الرياض أو ضمانَ الممرّات البحرية عبر مضيق هرمز. ويعرفُ حكّام الخليج هذا الأمر جيدًا، ولهذا تبدو علاقتهم مع بكين أشبهَ بعناقٍ اقتصادي، لكنها في الوقت نفسه مصافحة عسكرية بعيدة المدى. إنهم يراهنون على الطرفَين: يُعمّقون شراكاتهم البتروكيماوية في آسيا، بينما يواصلون في الوقت عينه ضخ الأموال في شركات السلاح وسندات الخزانة الأميركية.
هذه التوازُنات تخلقُ نوعًا غريبًا من التعدُّدية القطبية. أرامكو تتربّعُ على عرش العالم النفطي من حيث الحجم، لكن الحلبة بُنيت أصلًا في أميركا وتشاركها فيها الآن الصين بشكلٍ متزايد. الولايات المتحدة تَحكُمُ بالمال والسلاح. الصين تؤمّنُ الاستهلاكَ والبنية التحتية. شركاتٌ مثل “إكسون” و”شيفرون” و”بي بي.” (BP) و”شلّ” تحافظ على نفوذها في شمال الأطلسي، قويةً لكنها لم تَعُد متفردة أو وحدها. لا يستطيعُ أيٌّ من هذه الأقطاب الانفصال تمامًا عن الآخرين. يتدفّقُ خام الخليج شرقًا، لكن أموال الخليج تتدفّقُ غربًا. يُشغّل النفط السعودي مصافي التكرير الصينية، لكن عائداته تتدفّق على البنوك الأميركية في مانهاتن.
تكمُنُ المفارقة الكبرى في هذه الصناعة في أنه في الوقت الذي تُعزّزُ هذه الكتل قبضتها، يُحَوِّلُ تغيُّرُ المناخ انتصارَها إلى فخ. فالبُنية التحتية ذاتها التي تُؤمّن قوّتها -خطوط الأنابيب، ومحطات الغاز الطبيعي المُسال، ومجمّعات البتروكيماويات- تُرسّخ الوقود الأحفوري في الاقتصاد العالمي في اللحظة التي يجب أن تنخفضَ فيها الانبعاثات بشكلٍ حاد. مشاريعٌ مثل مبادرة الحزام والطريق أو ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا تُقَدَّمُ باعتبارها شرايين التجارة المستقبلية، لكنها عمليًا شرايين تضخّ الهيدروكربونات إلى منتصف القرن الحادي والعشرين. إن ما يبدو اليوم كهَيمنة قد يبدو غدًا بمثابة إهلاكٍ ذاتي.
حتى قطاع البتروكيماويات، الذي يُروَّجُ له على أنه آفاقُ النمو االمستقبلي، بدأ يعاني من بعض الثغرات والتشققات. فقد أدّت الرسوم الجمركية إلى تفاقُمِ فائض المعروض، وتراجعت الأسعار، وتقلّصت هوامش الربح. وتتعرّضُ أرامكو وإكسون وسينوبك على حدٍّ سواء لضغوط. ويَهمُسُ بعضُ المحلّلين بشأن اندماجات وشيكة. فرُغمَ حجمها، حتى الشركات العملاقة قد تتعثّرُ عندما تصطدم توقُّعات الطلب بالرياح السياسية المعاكسة.
إذن مَن يُهَيمِنُ حقًا على صناعة النفط العالمية؟ الحقيقة هي أنه لا أحدَ يملكُ زمامَ الأمور وحده. أرامكو هي بطلة الوزن الثقيل، لكنها تُصارع في حلبةٍ بنتها الولايات المتحدة، وتتشاركها الصين بشكلٍ متزايد. لا تزال الشركات الغربية الكبرى ثرية، لكنها لم تَعُد إمبريالية. ما هو قائمٌ الآن ليس هيمنة “الأخوات السبع”، بل شبكة متشابكة من الترابط: نفطُ الخليج مُرتَبطٌ بالاستهلاك الآسيوي، والنموُّ الآسيوي مُرتَبطٌ برأس المال الخليجي، ورأس المال الخليجي مُرتبطٌ بالتمويل الأميركي، وكلُّها مُرتبطة بوقودٍ يُهدّدُ النظامَ المناخي نفسه.
السؤال الحقيقي المطروح هنا ليس مَن سُيهيمِن فحسب، بل إلى متى؟ إذا تسارعت وتيرة أزمات المناخ، أو إذا أصبحت القيود التنظيمية أكثر صرامة، أو إذا توسّعت مصادر الطاقة المتجدّدة أخيرًا، فإنَّ “التكامُل الرأسي” الذي جعل أرامكو وإكسون عملاقتين قد يتحوّلُ إلى نصبٍ تذكاري مهجور لعصرٍ غابر. قد لا يكون المسيطرون الحقيقيون في المستقبل هم مَن يَستخرجون أكبر كمية من النفط، بل أولئك القادرون على التحوّلِ بسرعةٍ أكبر – باستخدام عائدات النفط الهائلة لبناءِ أُسُسِ اقتصاد ما بعد النفط.
حتى ذلك الحين، لن يتربّعَ على عرش صناعة النفط العالمية حاكمٌ واحد، بل سيكون عرشًا ثُلاثي الأرجل. ساقٌ في الرياض، وساقٌ في واشنطن، وساقٌ في بكين. في الوقت الحالي، لا تزال الصناعة صامدة. ولكن إلى متى؟
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادرَين من لندن. ألّف خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabarielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani
هوامش
* الأخوات السبع كانت مشكّلة أولًا من شركة “بي بي” (BP)، شركة غولف أويل، شركة ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا (سوكال/شيفرون)، شركة تكساكو، شركة رويال داتش شل، شركة ستاندرد أويل أوف نيوجيرسي (إيسو/إكسون)، وشركة ستاندرد أويل أوف نيويورك (سوكوني/موبيل).
* في الاقتصاد الجزئي والإدارة والاقتصاد السياسي الدولي، التكامل الرأسي، والذي يشار إليه أيضًا باسم التوحيد الرأسي، هو ترتيب يتم فيه دمج سلسلة التوريد الخاصة بشركة ما وامتلاكها من قبل تلك الشركة.