شفافيّةُ الإِزميلِ تخترقُ صلابةَ الرخام (2 من 2)

كورَّاديني: تمثال “المرأَة المتَّشِحة”

هنري زغيب*

في الجُزء الأَول من هذا المقال قلتُ أَنْ يمكن الاندهاش أَمام لوحة تَـمَكَّن رسامُها العبقري من إِخضاع ريشته لرسم وشاح شفَّاف على وجهٍ لا يغطِّي منه الوشاح معالِمه الدقيقة. فالرسام قد يتحكَّم بشُعَيْرات ريشته كي ينسُج الوشاح الشفَّاف بدِقَّة. أَمَّا أَن يتمكَّن نحَّاتٌ من التحكُّم بإِزميله كي “ينحت” في الرُخام الصلْد الصلْب الكثيف وشاحًا شفَّافًا لا يغطِّي ما تَحْتَهُ من معالِم الوجه الدقيقة، فهذا لم يعُد اندهاشًا بل صار معجزة فنية إِبداعية فريدة لا يبلُغها سوى نحَّات عبقري فريد.وهذا ما بلغَه النحَّات الإِيطالي جيوفانّي سْتْراتْسَا (1818-1875) في منحوتته الرائعة الخالدة “العذراء المتَّشِحة” (ترجيحًا 1850 إِبَّان عمله في روما).

في هذا الجُزء الثاني (الأَخير) أُكمل البحث عن عبقرية ذاك النحات المبدع.

هودون: تمثال “الشتاء”

الوشاح سِمَة الإِبداع

الانطباع الـمُدهش، بين الرقَّة والصلابة، عدا تَشَكُّلِهِ كذلك أَمام منحوتة “المسيح في الكفَن”، يَتَشَكَّلُ أَيضًا أَمام منحوتة “المرأَة المتَّشِحة” للنحات الإِيطالي أَنطونيو كورَّاديني (1688-1752)، وهي توحي كذلك بالجمع بين الشفافية والصلابة. وهذا العمل هو أَقوى من النحت، وأَصعب من الرسم. إِنه فنُّ الحقيقة. الفن العالي فوق التسميات. تَمَّ اتِّباعُهُ في سبيل مثلَّث: التشخيص، والتشبيه، ومحاكاة الأَصل.

في القرن التاسع عشر، قام من النقَّاد من رأَى بأَن “الرسم فنُّ الكذب”. من هنا ما كتبه النحات الفرنسي بيار جان دافيد (1788-1856)، وهو من كبار نحاتي النصف الأَول من القرن التاسع عشر: “لن أَتركَ النحت إِلى الرسم لأَنني أُريد أَن أَبقى مع الحقيقة لا أَن أَنحاز إِلى الكذب”. مع ذلك، بلَلُ الوشاح على وجه العذراء فيه الكثيرُ من الالتباس.

التوشيح قديم قِدَم النحت

العودةُ في هذا الفن إِلى تقْنية قديمة منذ العصور السحيقة، مَرَدُّها إِلى أَنَّ في تاريخ النحت تَـمَازُجًا عريقًا بين القسْوَة والبساطة، وهما من أَركان الكلاسيكية، بينما الرهافة والبراعة هما من التيار الباروكي. وهذا التزاوج بين الكلاسيكية والباروكية ممتدٌّ في ذاته إِلى العصور القديمة، ثم تكرَّر في بعض العصور اللاحقة. سوى أَنَّ تَطَوُّرًا بيِّنًا حصل بعد القرن الخامس مع الموجة الهيلِّينية، بالانتقال من الإِصرار على إِبراز بساطة النماذج المنحوتة، إِلى عمل أَقسى يتطلَّب مهارة أَصعب.  وهنا بدأت تظهر الملامح الحسية بل الجنسية أَحيانًا. هكذا التيار الباروكي (بين أَواخر القرن السابع عشر ومطالع الثامن عشر) أَتاح للنحاتين أَن يتنافسوا على البراعة والحذاقة والإِبداع، ومنها نحْتُ الوشاح الشفاف أَن يغطِّي أَو لا يغطّي الجسد أَو أَجزاء منه، إِلى أَن جاءَت الكلاسيكية بالجسد العاري تمامًا فبات التيار البروكي عصرئذٍ خارجَ المعاصرة.

غلاف كتاب كلير باربيُّون

الـموشِّحُون

موجةُ الأَوشحة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، باتت دُرجَةً حفَّزَت النحاتين على خوضها، كلٌّ بطريقته وبإِزميل بارع مختلف. من تلك الموجة، مثلًا، منحوتة “الشتاء” (سنة 1787) للنحات الفرنسي النيوكلاسيكي جان أَنطوان هودون (1741-1828)، والشتاء هنا يرمز إِليه النحات بامرأَة جميلة تَشعُر بالبرد، نصفُها الأَسفل سافرٌ عارٍ، بينما الأَعلى ملفوفٌ برداء يحجب شكل العُري. وإِذا قارنّاها بمنحوتة “المرأَة المتَّشحة” (1717) للنحات الإِيطالي أَنطونيو كورَّاديني (1668-1752) يتَّضح أَنَّ العُري فيها يمكن تَخَيُّلُهُ ولو من تحت الوشاح. هذا يعني أَن الوشاح تقنية تحتمل انفتاح الخيال على وسْع ما يمْكن صاحبه إِبرازَه. من هنا وُرُود تقنية التوشيح منذ قديم تاريخ النحت، منذ منحوتة “العذراء السوداء” (1170) في مدينة أُورسيڤال، وُصُولًا إِلى تمثال “بلزاك” (1898) للنحات الفرنسي الشهير أُوغست رودان (1840-1917). فالجسد البشري المنحوت ليس بالضرورة أَن يكون سافرًا. ولذا عمد بعض النحاتين إِلى توشيح أجزاء منه بقماشة أَو بحجاب.

الموديل العاري

هذا الأَمر يتطلَّب حُكْمًا مُثُول “موديل” أَمام النحات. وهو ما كان رائجًا في القرن التاسع عشر، فكانت تجلس المرأَة عارية أَمامه ثم يروح، لاحقًا، يُضيف على منحوتته ثوبًا أَو وشاحًا. وهذا ما أَخرج النحت من طابعه الديني إِلى طابع دنيويّ، كما شاع منذ مطالع عصر النهضة الإِيطالية.

في أواسط القرن التاسع عشر، اشتمل التوشيح في المنحوتات على بعض التلميح الإِيروسيّ الجريء لدى بعض النحاتين، ما جعل أَعمالهم تَرُوجُ في كل أُوروبا. وهو ما انطلق من إِيطاليا (وخصوصًا من نابولي) لا من فرنسا، فزاد من جماليا الأَعمال المنحوتة، وأَخذ النحاتون يتنافسون في براعات مذهلة.

وشاح من … رُخامٍ صلْب

لِماذا؟؟؟

يبقى مكرَّرًا السؤال القديم الجديد: لِماذا لم يحْظَ جيوزفانّي سْتْراسَّا بالشهرة شخصًا أو نتاجًا. والأرجح، في رأْي المؤرخة كلير باربيُّون، أَنَّ النحت، خصوصًا في القرن التاسع عشر، فنٌّ لم يتم اكتشافه والكتابة عنه إِلَّا لاحقًا. فحتى سبعينات القرن الماضي لم يكن مستسغًا ولا رائجًا نحْتُ القرن الثامن عشر، فلم يبرُز سوى رودان وقلَّة من النحاتين الآخرين. وما إِلَّا عند انفتاح متحف أُورسيه سنة 1986 على أَعمال نحتية كثيرة حتى بدأَت الكتابة وانتشر البحث في أَعمال أُولئك النحاتين الآخرين. لكن متحف أُورسيه لم يجمع سوى معظم أَعمال النحاتين الفرنسيين، وبقي أَن تنكشف أعمالُ غير الفرنسيين الذين أَخذت تظهر تباعًا أَعمالهم معروضةً بين 1990 و2000.

مع ذلك نجح جيوفانِّي سْتْراتْسا في اختراق الكثافة التاريخية، وفي إِثارة إِعجاب الناظرين إِلى منحوتته الخالدة “العذراء المتَّشِحة” التي جعل وشاحَها مبلَّلًا لصيقًا بوجهها والجسد، كما ليخلق نوعًا من الإِثارة والتخيُّل الجنسي.

مؤَرخة الفن باربرة موزيتِّي، المتخصصة في النحت الإِيطالي، ترى أَنَّ الالتباس في التخيُّل يعطي المنحوتة سرًّا يجهد الناظر إِليها أَن يكتشفه. وهو ما تميَّز به سْتْراتْسا دون سواه من المعاصرين، فجاءَت منحوتته “العذراء المتَّشِحة” خالدةً على الزمن في كل تاريخ النحت.

  • هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني. وهو مدير مركز التراث في الجامعة اللبنانية الأميركية. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com  أو متابعته على موقعه الإلكتروني: www.henrizoghaib.com أو عبر تويتر: @HenriZoghaib
  • يَصدُر هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى