تونس قيس سعيّد: عندما تُصبِحُ المحكمة زنزانةً للصحافيين

لم تعد أزمة الحريات في تونس تُقاس بعدد الصحافيين المعتقلين فحسب، بل بالطريقة التي يُستخدم بها القانون لإبقائهم خلف القضبان. وتكشف قضية مراد الزغيدي كيف تحوّل القضاء من أداةٍ للعدالة إلى ركيزة أساسية في هندسة الاستبداد الجديد.

في عهد قيس سعيّد، تصاعد الجدل حول استقلال القضاء وحرية الصحافة.

أمين أيوب*

عندما اندلعت موجة “الربيع العربي” قبل أكثر من عقد، بدت تونس الاستثناء الذي يؤكد إمكانية الانتقال الديموقراطي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فقد نجحت الدولة الصغيرة في الحفاظ على مؤسسات سياسية تعدُّدية بينما انزلقت تجارب عربية أخرى إلى الحروب أو عادت إلى الحكم السلطوي. غير أنَّ هذا الاستثناء أخذ يتآكل تدريجًا في عهد الرئيس قيس سعيّد، لتتحوَّل تونس من نموذجٍ ديموقراطي واعد إلى مختبرٍ لنمطٍ أكثر تعقيدًا من الاستبداد؛ نمطٌ لا يعتمد على القمع المباشر بقدر ما يوظّف المؤسسات القضائية والقانونية لإسكات الأصوات المنتقدة.

وتبرز قضية الصحافي الفرنسي – التونسي مراد الزغيدي بوصفها إحدى أكثر الحالات دلالة على هذا التحوُّل. فالزغيدي، الذي يخوض إضرابًا عن الطعام بعد أكثر من عامين من الاحتجاز، أصبح رمزًا لمسارٍ يتجاوز قضيته الشخصية ليعكس واقع الحريات الإعلامية في البلاد. وكان الزغيدي وزميله الإعلامي برهان بسيس قد اعتُقلا في أيار (مايو) 2024 عقب تصريحات إعلامية اعتبرتها السلطات انتقادًا للرئيس سعيّد، قبل أن يُحكَم عليهما بالسجن ثلاث سنوات ونصف السنة. وفي منتصف أيار (مايو) 2026، ثبّتت محكمة الاستئناف الحُكم، فيما يؤكد محامو الزغيدي أنَّ وضعه الصحي بلغ مرحلة “خطيرة للغاية”، وسط مطالبات متزايدة من عائلته للسلطات التونسية والفرنسية بالتحرُّك من أجل الإفراج عنه.

الاستبداد عبر المحاكم

غير أنَّ أهمية القضية لا تكمن فقط في مصير صحافي يواجه ظروف احتجاز قاسية، بل في ما تكشفه من آليات جديدة لترسيخ السلطة. فبحسب المسار القضائي الأصلي، كان من المفترض الإفراج عن الزغيدي وبسيس في كانون الثاني (يناير) 2025 بعد انقضاء فترة سجنهما. لكن السلطات بادرت، في توقيتٍ لافت، إلى فتح ملفات قضائية جديدة تتعلق باتهاماتٍ بالفساد المالي، ما أدى عمليًا إلى إبقائهما خلف القضبان. وبذلك تحوّلت الإجراءات القانونية إلى وسيلة لتمديد الاحتجاز من دون الاضطرار إلى الإقرار بأنَّ السبب الحقيقي للسجن مرتبط بالعمل الصحافي أو بحرية التعبير.

هذا الأسلوب يعكس تطوُّرًا لافتًا في أدوات الحكم السلطوي. فبدل اللجوء إلى إغلاق المؤسسات الإعلامية أو شنّ حملات قمع واسعة تستجلب انتقادات دولية مباشرة، باتت السلطة تعتمد على منظومة قانونية وقضائية تمنح الإجراءات طابعًا رسميًا ومؤسساتيًا. ومن هنا، لا تبدو القضية مجرد حالة “مضايقة قضائية” كما وصفتها منظمة “مراسلون بلا حدود”، بل جُزءًا من بنية أكثر اتساعًا يجري من خلالها توظيف القانون نفسه كأداة للسيطرة السياسية، بما يسمح بإقصاء الأصوات المزعجة وإطالة أمد ملاحقتها تحت غطاء قانوني يصعب الطعن في شرعيته ظاهريًا.

اختبار باريس وواشنطن: ما كلفة الصمت على الاستبداد؟

وتكتسب القضية بُعدًا إضافيًا عندما تُقرَأ من زاوية العلاقة مع فرنسا. فمراد الزغيدي لا يحمل الجنسية التونسية فحسب، بل هو أيضًا مواطن فرنسي. وعلى امتداد عقود، اعتبرت باريس حماية مواطنيها في الخارج جُزءًا من مكانتها الدولية ومن مسؤولياتها السيادية، سواء تعلق الأمر بمواطنين محتجزين في دول خصمة أو في بلدان ترتبط معها بعلاقات وثيقة. لهذا السبب تحديدًا دعت عائلة الزغيدي السلطات الفرنسية إلى التدخّل السريع والحازم لضمان الإفراج عنه. غير أنَّ الاستجابة الفرنسية ظلت حتى الآن محدودة، وهو ما يثير تساؤلات تتجاوز مصير صحافي واحد إلى طبيعة الرسائل التي تبعث بها الديموقراطيات الغربية عندما تتردد في الدفاع عن مواطنيها الذين يُعاقَبون بسبب آرائهم أو نشاطهم المهني.

فالصمت، في مثل هذه الحالات، لا يُقرَأ بوصفه حيادًا، بل باعتباره جُزءًا من معادلة الكلفة والعائد التي تراقبها الأنظمة الاستبدادية بدقة. وعندما لا تواجه الحكومات التي تستخدم القضاء لمعاقبة المعارضين سوى انتقادات لفظية محدودة، فإنها تستنتج أنَّ الثمن الديبلوماسي لهذه السياسات لا يزال مقبولًا، بل وربما منخفضًا إلى حد يشجّع على المضي فيها.

ولا تبدو الولايات المتحدة بعيدة من هذه المعادلة. فمنذ تركيز الرئيس قيس سعيّد سلطاته بصورة متزايدة، حافظت واشنطن على مقاربة حذرة تجاه تونس، مفضّلةً الحفاظ على التعاون الأمني القائم في ملفات مكافحة الإرهاب وإدارة تدفقات الهجرة في منطقة المغرب العربي. غير أنَّ هذا النهج يواجه اليوم اختبارًا متزايد الصعوبة. فالنظام الذي يوظّف المؤسسات القضائية لإسكات الانتقادات السياسية قد يوفر قدرًا من الاستقرار الظاهري في المدى القصير، لكنه يطرح في المقابل أسئلة جدية حول قدرته على توفير شراكة مستقرة ومستدامة في المدى البعيد.

وتُظهر تجارب المنطقة أنَّ الأنظمة التي تقوم شرعيتها على إقصاء المعارضة وتضييق المجال العام غالبًا ما تبدو أكثر صلابة مما هي عليه في الواقع. فكلما أُغلقت القنوات السلمية للتعبير والاحتجاج، تراكمت الضغوط السياسية والاجتماعية تحت السطح إلى أن تجد منفذًا آخر، غالبًا بصورة يصعب توقعها أو التحكُّم في تداعياتها. ومن هذا المنظور، لا يقتصر تآكل الحريات على كونه قضية حقوقية داخلية، بل يتحوّل إلى عاملٍ مؤثر في استقرار الدولة نفسها.

وتتجاوز تداعيات الحالة التونسية حدود البلاد. فالتجربة التي يقودها سعيّد تخضع لمراقبة دقيقة في عواصم عربية وأفريقية عديدة، حيث تتابع الحكومات عن كثب حدود ما يمكن تحقيقه عبر توظيف القضاء كأداةٍ للضبط السياسي. والسؤال الذي يهم هذه الأنظمة ليس قانونيًا بقدر ما هو سياسي: إلى أي مدى يمكن الذهاب في ملاحقة المعارضين والصحافيين قبل أن يتحرك الشركاء الغربيون بصورة مؤثرة؟

وفي هذا السياق، تكتسب قضية الزغيدي وبسيس أهمية تتجاوز شخصيهما. فإذا أمكن إبقاء صحافيين بارزين خلف القضبان عبر فتح ملفات قضائية جديدة في اللحظة التي كان يفترض أن يستعيدا فيها حريتهما، ومن دون أن يترتب على ذلك ضغط دبلوماسي ملموس أو كلفة سياسية واضحة، فإن الرسالة ستتردد سريعًا خارج الحدود التونسية. فالسوابق الناجحة في عالم السلطوية نادرًا ما تبقى محلية؛ إذ تتحول إلى نماذج قابلة للاستنساخ والتكييف في أماكن أخرى.

في هذا الإطار، يبدو إضراب مراد الزغيدي عن الطعام أكثر من مجرد احتجاج فردي. إنه تعبيرٌ عن وصول المواجهة إلى مرحلتها الأخيرة، بعدما استُنفدت المسارات القانونية كافة من دون أن تفضي إلى أفق واضح للخروج. وحين يجد صحافي نفسه عالقًا داخل منظومة صُممت لإطالة احتجازه لا لإنهائه، يصبح الجسد نفسه أداة الاعتراض الأخيرة. لذلك لا تبدو عبارة محاميه عن “الأفق المسدود” توصيفًا لحالته الشخصية فحسب، بل وصفًا دقيقًا لواقع سياسي أوسع، ساهم تردد العواصم الغربية وصمتها في ترسيخه بقدر ما ساهمت فيه السياسات التونسية نفسها.

من هذا المنطلق، لا ينبغي أن يقتصرَ الموقف الأميركي على بيانات القلق أو الدعوات العامة لاحترام الحقوق والحريات. فواشنطن تمتلك أدوات تأثير حقيقية عبر شراكاتها الأمنية والاقتصادية مع تونس، ما يتيح لها ربط استمرار هذا التعاون بخطوات قابلة للقياس تتعلق بحماية حرية الصحافة، وإنهاء الملاحقات القضائية ذات الطابع السياسي، وضمان عدم استخدام مؤسسات العدالة كأدوات لمعاقبة المعارضين والمنتقدين.

وفي الوقت نفسه، تبدو الحاجة ملحة إلى تنسيق أميركي – فرنسي أكثر فاعلية في التعامل مع قضية مراد الزغيدي. فحمله للجنسية الفرنسية لا ينبغي أن يبقى تفصيلًا قانونيًا ثانويًا في ملف معقد، بل يُفترَض أن يتحوّل إلى أولوية ديبلوماسية واضحة تعكس التزام الديموقراطيات الغربية بحماية مواطنيها والدفاع عن المبادئ التي تعلن تمسُّكها بها. فالقضية لم تعد تتعلق بمصير صحافي واحد، بقدر ما أصبحت اختبارًا لمدى استعداد هذه الدول لترجمة خطابها الحقوقي إلى سياسات عملية عندما تكون الكلفة السياسية لذلك حقيقية.

لقد أمضى قيس سعيّد سنوات في اختبار حدود التسامح الغربي مع ما يمكن وصفه بالاستبداد القضائي؛ أي استخدام القانون ومؤسسات الدولة لإضفاء الشرعية على تقييد الحريات وإقصاء الأصوات المستقلة. وحتى الآن، تشير الوقائع إلى أنَّ هذه الحدود ظلت ضبابية وقابلة للتوسُّع. لكن قضية مراد الزغيدي تضع هذا النهج أمام لحظة حاسمة. فهي تمثل فرصة للدول الغربية كي ترسم خطًا واضحًا بين الشراكة المشروعة والتغاضي عن الانتهاكات، وبين التعاون الاستراتيجي والتساهل مع تقويض الحريات الأساسية.

وفي النهاية، فإنَّ الرهان يتجاوز مستقبل صحافي يقبع خلف القضبان أو مصير تجربة سياسية في بلد واحد. إنه يتعلق بالسؤال الأوسع حول ما إذا كانت حرية التعبير لا تزال قيمة تستحق الدفاع عنها عندما تتعرّض للاختبار الفعلي. وإذا أرادت واشنطن وباريس إقناع الأنظمة الأخرى بأنَّ كلفة إسكات الصحافيين مرتفعة حقًا، فإنَّ قضية مراد الزغيدي تبدو المكان الأنسب لإثبات ذلك، لا بالاكتفاء بالتنديد، بل عبر خطوات سياسية وديبلوماسية تجعل هذا الثمن ملموسًا وواضحًا للجميع.

أمين أيوب هو كاتب، صحافي ومحلّل سياسي مغربي. يركز في كتاباته على الإسلام السياسي، والجهاد، وإسرائيل، وسياسات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. يمكن متابعته على تويتر عبر حسابه: @amineayoubx.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى